عون ولعنة التاريخ

* في عام 1988 انتهى النظام الذي عمل به منذ عام 1943 بأبشع الطرق على يد عون الذي شرع بالهروب إلى السفارة الفرنسية ليدخل البلد في زمن الطائف مع الرئيس رفيق الحريري، وها نحن اليوم أمام طائف يلفظ أنفاسه الأخيرة على يد عون أيضاً، فهل ننتهي من الطائف بالعنف على أيامه لندخل زمنا جديدا آخر؟

 
الحرب الكلامية المشتعلة بين تيار الجنرال عون وتيار الرئيس الحريري حول إخفاقات كل فريق في ممارسته للسلطة أشبه بالنكد السياسي الذي يمتهنه اللبنانيون إجمالا. لا بد في مرحلة ما من الولوج إلى نقد التجربتين بشكل علمي ودقيق وغير طائفي، مع العلم أن نقد التجربة الحريرية لا يكتمل من دون الأخذ بعين الاعتبار العوامل الإقليمية التي رافقتها، خاصة عامل الوصاية السورية وعملية المفاوضات بين الأسد الأب وإسرائيل، والذي لطالما وضع لبنان ورقة على طاولة القوى الإقليمية، بالإضافة إلى تداعيات الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت 15 عاما.
وإن كان يؤخذ على التجربتين فشل قراءة التطورات الإقليمية والعالمية بشكل دقيق، يبقى أن فشل عون كان أفظع وأشد إيلاما على لبنان واللبنانيين. في حالة الحريري الرهان على السلام، وفي حالة عون الشعور أن العالم سيهبّ لنجدة المسيحيين من براثن نظام الأسد.
على كل الأحوال هناك ما يُركن إليه بالنسبة للنقاد في حالة الرئيس رفيق الحريري، من قوانين ومشاريع وسياسات اقتصادية وبيانات وزارية تكوّن مواد تسمح بدراسة تلك التجربة من خارج المناكدات المذهبية أو في بعض الأحيان من خارج الحقد الشخصي للحريري والذي يحيّد النقد عن مساره العلمي.
أما في حالة الرئيس عون فينقسم أداؤه كمسؤول إلى فترتين، الأولى عندما عُين رئيس حكومة انتقالية بعد فشل النواب في انتخاب خليفة للرئيس أمين الجميل عام 1988. هذه الفترة دامت قرابة الثلاث سنوات، أما الفترة الثانية فتبدأ مع انتخابه رئيسا للجمهورية بفضل «حزب الله» الذي نجح في إجبار خصومه على الانصياع لرغبة إيران في إيصال عون إلى بعبدا.
الفترة الأولى لممارسة عون للسلطة كان كارثيا. أولا لأنه لم يلتزم بالمهام الموكلة إليه كرئيس حكومة انتقالية وهي تحديدا التحضير لانتخاب رئيس للجمهورية وملء الفراغ في الرئاسة بعد انتهاء ولاية الرئيس الجميل. عوضا خاض عون حربين كانت نتائجهما كارثية على كل الصعد. الحرب الأولى كانت نتيجة فانتازيا توحيد البندقية في المناطق «المسيحية» ووضعها بإمرة الجيش. هذه الفانتازيا العونية أدت إلى تصادم ألوية الجيش اللبناني المؤتمرة بقائدها مع القوات اللبنانية، وإلى شرذمة المجتمع «المسيحي» وتكبده خسائر جسيمة بالأرواح فكانت سببا لهجرة الكثيرين من لبنان. هذا الصراع حدا بالبطريرك صفير إلى اتهام المتحاربين عون وجعجع «بتهديم الوجود المسيحي في لبنان».
الحرب الثانية كانت تحريرية ضد نظام الأسد المتسلح بأكثر من أربعين ألف جندي في لبنان، وبتوقيت سيئ جدا، إذ إن المسؤولين الأميركيين كانوا قد أعطوا الأسد الضوء الأخضر لإنهاء حالة تمرد عون في مقابل قبول الشام بمشاركة التحالف العالمي الذي قادته أميركا من أجل تحرير الكويت. النتيجة كانت لجوء الجنرال إلى السفارة الفرنسية تاركا جنوده فريسة الانتقام السوري الذي دخل المناطق «الشرقية» متجاوزا الخطوط الحمراء الموضوعة حولها من قبل المجتمع الدولي سابقا.
هذا ما جرى باختصار أيام تولي عون السلطة في المناطق الشرقية أيام الحرب الأهلية.
الفترة الثانية من ممارسة عون للسلطة بدأت مع انتخابه رئيسا للجمهورية عام 2016. وحتى يكون نقد هذه المرحلة موضوعيا بعد مرور أكثر من نصف الفترة الرئاسية لا بد لنا أن نعود إلى خطاب القسم الذي ألقاه العماد عون فور انتخابه.
نظرة سريعة على الخطاب تسمح بتقييم أكثر من ثلاث سنوات قضاها عون في بعبدا. وبات من الواضح أنه لم يتمكن من تنفيذ أي تعهد أطلقه في يوم هذا الخطاب.
في الاستقرار السياسي مثلا تعهد عون بأن «احترام الميثاق والدستور والقوانين وضرورة تنفيذ وثيقة الوفاق الوطني، بكاملها من دون انتقائية أو استنسابية». طوال السنوات الثلاث التي قضاها عون في بعبدا لم يطرح أي خطوات عملية من خلال كتلته النيابية أو وزرائه من أجل استكمال تنفيذ وثيقة الوفاق الوطني إن كان من خلال إنشاء مجلس للشيوخ، أو حتى إلغاء الطائفية السياسية خاصة في الوظائف العامة. بل على العكس تماما تمسك بالمناصفة الطائفية في هذه الوظائف بالذات متذرعا بضرورات التوازن الطائفي وغير آبه بالتوتر الذي خلقه جراء هذا الموقف. عون الذي تعهد باحترام الميثاق لم يدع إلى استشارات نيابية ملزمة لتسمية رئيس الحكومة بعد استقالة الحريري كما جرت العادة. احتفظ بتلك الدعوة ليصار إلى التأليف قبل التكليف، ما يتعارض مع أبسط القواعد الديمقراطية التي يتغنى لبنان بالركون إليها.
أما في الموضوع الاقتصادي الاجتماعي فقد تعهد عون بالقيام بإصلاح اقتصادي يرتكز على التخطيط والتنسيق بين الوزارات، كما تعهد أن تكون اللامركزية الإدارية، محورا أساسيا في عهده، إلى وجوب إرساء نظام الشفافية عبر إقرار منظومة القوانين التي تساعد على الوقاية من الفساد وتعيين هيئة لمكافحته، وتفعيل أجهزة الرقابة وتمكينها من القيام بكامل أدوارها. طبعا لم يقم عون بأي خطوة في اتجاه الإصلاح الاجتماعي الاقتصادي الذي تحدث عنه، فلم نر أي تنسيق بين الوزارات، لا بل على العكس من ذلك كانت هناك هيمنة من صهره على الوزارات التي كانت من حصة تياره حتى بات الوزير الملك متعدّيا في أغلب الأحيان صلاحيات رئيس الحكومة ما جعل التسوية التي أتت بعون رئيسا في مهب الريح. أما الكلام عن تعيين هيئة لمكافحة الفساد فلم يعدُ أن يكون حبرا على ورق.
أما على الصعيد الخارجي فانتخاب عون رئيسا اعتبرته الأوساط الغربية والعربية انتصارا لإيران في لبنان، خاصة أن الحديث كان عن زيارة مباركة من قاسم سليماني قائد الحرس الثوري الذي اغتالته الولايات المتحدة مطلع هذا العام، لعون عشية انتخابه. وهو أي سليماني لم يخف فرحته من سيطرة فريقه على مجلس النواب. 
مع انتخاب عون أصبحت هذه الدولة أسيرة «حزب الله» والحرس الثوري الإيراني من دون معارضة في الداخل. وأصبح البلد يعيش في ظل عقوبات أميركية وقطيعة عربية أفضت إلى أزمة اقتصادية مالية واجتماعية فاقمتها فضائح فساد الطبقة الحاكمة.
عهد عون الثاني مليء بالأزمات، وهو إن بدء بنوع من التفاؤل فمن الواضح أن الباقي منه غامض وقد يكون فيه الكثير من العنف وحركة هجرة بدأت بوادرها بالظهور العام الماضي لاقتناع كثر أن لا أمل يرجى من هذا العهد ووعوده. وإن كان لا أحد يعرف كيف يمكن أن تتطور الأمور لكن الثابت أن هذا النظام وصل إلى حائط مسدود.
كما في العام 1988 انتهى النظام الذي عمل به منذ العام 1943 بأبشع الطرق على يد عون الذي شرع بالهروب إلى السفارة الفرنسية ليدخل البلد في زمن الطائف مع الرئيس رفيق الحريري، ها نحن اليوم أمام طائف يلفظ أنفاسه الأخيرة على يد عون أيضا. فهل ننتهي من الطائف بالعنف على أيامه لندخل زمنا جديدا آخر؟