الصحافيون الأجانب... ضحايا انهيار لبنان المالي

* الصحافيون الأجانب الموجودون على الأراضي اللبنانية الذين يعملون لصالح صحف أجنبية لا يواجهون الصعوبات التي يواجهها الصحافيون العاملون في صحف ومواقع إلكترونية لبنانية
* الصحف اللبنانية تقوّض حقوق العمال في المجال الصحافي
* لا يفضل الصحافيون الفلسطينيون أو السوريون العاملون في قطاع الإعلام اللبناني التحدث إلى الصحافة أو التوجه إلى وزارة العمل للدفاع عن أنفسهم في حال تعرضوا لانتهاك حقوقي في وظائفهم

بيروت:سالي (اسم مستعار)، صحافية أجنبية، مقيمة في بيروت. كانت تعمل لصالح صحيفة لبنانية لديها قسم ناطق بالإنجليزية، انتقلت سالي إلى لبنان عام 2016 للمشاركة في تغطية الحروب المندلعة في سوريا والعراق واليمن. 
عام 2018 غطت سالي معارك الجرود اللبنانية التي دارت بين الجيش اللبناني والتنظيمات الإرهابية، كذلك كتبت تقارير عدة عن وضع اللاجئين السوريين في لبنان وسوريا، واهتمت بمعاناتهم في خيام اللجوء والصعوبات المعيشية والأمنية التي يرزحون تحتها.
وقبل بضعة أشهر تركت سالي وظيفتها في الصحيفة التي كانت تعمل بها، بسبب الضائقة المالية التي تواجهها الصحيفة ومواجهتها لصعوبة توفير السيولة اللازمة لتغطية نفقات الموظفين لديها. كانت سالي قد وقعت على اتفاق مع الصحيفة على أن تتلقى راتبها شهريًا عبر البنك بالدولار وليس بالليرة اللبنانية. ظلت الشابة الصحافية بضعة أشهر تقوم بمهمتها الصحافية دون الحصول على راتب شهري، إلى أن وصلت في نهاية المطاف إلى تسوية مع الصحيفة، فأعطتها الصحيفة مستحقاتها المالية (كاش)، ليس عبر البنك ولا بالدولار، إنما بالليرة اللبنانية.
تقول سالي لـ«المجلة» إن إعطاء الصحيفة راتبها بالليرة اللبنانية، أفقدها نحو 30 في المائة من راتبها، إذ إن الصحيفة أعطتها راتبها بالليرة بحسب سعر صرفه المعترف به في البنك المركزي اللبناني أي كل دولار يقدر بـ1500 ليرة لبنانية، بينما في السوق اللبنانية، هناك سعر آخر للدولار يصل أحيانًا إلى 2500 ليرة لبنانية.
كل الصحافيين العاملين بالجريدة يواجهون الأزمة نفسها. الصحافيون اللبنانيون رفضوا ترك الصحيفة كي لا يخسروا تعويض نهاية الخدمة، ولكن عددا من الصحافيين والمصورين الأجانب قرروا ترك الصحيفة وباشروا العمل مع صحف أجنبية أخرى.
لا تفضل سالي العمل من خارج لبنان، وتقول لـ«المجلة» إن «لبنان يوفر لها قدرة على تغطية الحرب السورية وانعكاساتها على الوضع اللبناني، ولأنها اكتشفت بعد تنقلها في بلدان عدة في الشرق الأوسط أن لبنان يوفر لها حرية التعبير والأمان أكثر من بلاد عربية أوضاعها الأمنية والعسكرية غير مستقرة».
وبحسب سالي، فإن الصحافيين الأجانب الموجودين على الأراضي اللبنانية الذين يعملون لصالح صحف أجنبية لا يواجهون الصعوبات التي يواجهها الصحافيون العاملون في صحف ومواقع إلكترونية لبنانية، وترى أن الصحافيين اللبنانيين هم الأكثر تضررًا من الضائقة المالية وتقلص كمية السيولة. وتضيف: «الصحافيون الفلسطينيون والسوريون هم الضحية الأولى لأزمات الصحف مع السيولة، لأنهم يتلقون جزءا زهيدا من رواتبهم، ومعظمهم يعمل بأسماء مستعارة لأنهم لم يحصلوا على إجازة عمل وبحال قرروا الرحيل فلا يمكنهم مقاضاة المؤسسة التي عملوا بها».
قيس، صحافي ميداني عراقي، مقيم في لبنان منذ سنوات، عندما اندلعت الانتفاضة اللبنانية في 17 أكتوبر (تشرين الأول)، اتصلت به أحد القنوات التلفزيونية اللبنانية كي يغطي أحداث ساحة الشهداء ورياض الصلح، عمل الصحافي لمدة شهرين في البث المباشر، وكان قد اتفق مع القناة على أن يتقاضى على كل نهار تغطية 100 دولار.
إلى الآن لم يحصل الصحافي على راتبه من القناة، ودائمًا ما تعطيه وعودا باقتراب موعد الدفع. قصص كثيرة يمكن رصدها عن معاناة الصحافيين في لبنان. منهم من تم طرده تعسفيًا دون تعويضات نهاية الخدمة بعد أشهر من العمل دون رواتب. ومنهم من وقع ضحية إقفال صحيفة من هنا، أو إسدال تلفزيون الستار على شاشته من هناك.

 
الصحف تلتف على حقوق الموظفين
يعد عقد العمل المكتوب بين إدارة الصحيفة والصحافي من أهم الركائز الضامنة لعمل الصحافي في المؤسسة التي يعمل بها. في عقد العمل المكتوب، يحدد الصحافي ما له من حقوق وما عليه من واجبات تجاه المؤسسة، ويجري تحديد شروط الراتب الشهري، والتأمين الصحي والضمان الاجتماعي وتعويضات نهاية الخدمة.
في الكثير من الأحيان، تتجاوز الصحيفة عقد العمل الورقي ليحل مكانه نوعٌ آخر من العقود، أي عقد العمل الشفهي، أي إن الموظف يصرح شفهيًا بعمله لصالح الصحيفة، ويعمل يوميًا في دوام كامل داخل مكاتب المؤسسة.
في هذا العقد تستطيع المؤسسة عدم توفير تأمين صحي للصحافي، وحقوق أخرى للصحافي. في حال واجهت المؤسسة الصحافية أي أزمة مالية أو قررت طرد الصحافي، بإمكانها التلاعب بالعقد الشفوي وتحريفه عن مساره الحقوقي الذي يوفره للموظف، والادعاء أن العقد مع الصحافي ليس سوى صحافي يعمل على حسابه الخاص ويقدم خدمات للصحيفة تحت اسم الـ«freelance»، ما يجعل عمل الموظف يبدو أمام القضاء أنه عمل لصالح المؤسسة كخدمات خاصة لا تخضع لشروط قانون العمل في لبنان.
 
أزمة الصحافيين السوريين والفلسطينيين
لا يفضل الصحافيون الفلسطينيون أو السوريون العاملون في قطاع الإعلام اللبناني التحدث إلى الصحافة أو التوجه إلى وزارة العمل للدفاع عن أنفسهم في حال تعرضوا لانتهاك حقوقي في وظائفهم، فعدد لا يستهان به، لا يمتلك إقامة عمل على الأراضي اللبنانية، ما يضطرهم إلى البقاء في وظائفهم دون رواتب، أو حتى تقبل قرار الإدارة في حال قررت الأخيرة طردهم من وظائفهم، نقطة الضعف هذه عند العاملين السوريين والفلسطينيين تستخدمها الوسائل الإعلامية كنقطة قوة.

 
إفلاس الشركات اللبنانية
يوميًا يواجه اللبنانيون سياسات مالية تقشفية تقرها المصارف. في التصريحات الصادرة عن الوزراء الجدد يبدو أن اللبنانيين سيواجهون في الأشهر المقبلة ارتفاعًا في الضرائب، وانحسار الدولار بشكل أكبر. لبنان يحتضر، هذه العبارة تختصر حال بلد شارف على الانهيار. في الآونة الأخيرة تزايدت ظاهرة إقفال المحال التجارية، واحتضار أسواق تجارية في معظم المناطق اللبنانية، وإعلان شركات عن إفلاسها أو قيامها بطرد موظفيها طردًا تعسفيًا، دون مراعاة لقانون العمل اللبناني. ويمكن ملاحظة حجم الكارثة الاقتصادية التي يعاني منها لبنان من خلال زيارة موقع «زوماتو» الذي يكشف عن انسحاب عدد من المطاعم اللبنانية من التطبيق نتيجة إقفالها.
من المرجح أن تفلس نهاية عام 2020 نحو 70 في المائة من الشركات اللبنانية، بسبب العجز عن توفير السيولة لتغطية رواتب الموظفين، وصولاً إلى حجز المصارف اللبنانية أموال الشركات وتقنين آليات الدفع، إذ حددت المصارف اللبنانية مبلغ 300 دولار كحد أقصى للبنانيين لسحب الدولار في الأسبوع الواحد بينما الشركات بإمكانها سحب مبلغ أكبر بقليل ضمن قيود متشددة، حدت من قدرة الشركات، وما يزيد الأمر سوءًا هو قرار المصارف في حد قدرة الشركات على التحويلات المالية مما أنعش السوق السوداء للعملات الصعبة.
نحو 120 طلبا تقدمت به شركات لبنانية إلى وزارة العمل من أجل السماح لها بالقيام بعملية الفصل التعسفي لآلاف العمال، إذ إن إبلاغ الشركات للوزارة بحاجتها إلى صرف الموظفين يسمح لوزارة العمل فتح تحقيق للتأكد من أن الشركة لا يمكنها تغطية نفقات الموظفين لديها. هذا الطلب يعفي الشركات من دفع تعويضات نهاية الخدمة أو تعويضات الصرف التعسفي، كذلك يمنع الموظف من مقاضاة الشركة لتحصيل حقوقه المالية.
حاليًا تشير أجواء بيروت، إلى أن المصارف اللبنانية ستتوقف في الأسابيع المقبلة عن إعطاء زبائنها أي مبلغ بالعملة الصعبة، ومن المرجح أن تتوجه الحكومة إلى سياسة اقتطاع الودائع، وهو إجراء تتخذه الدول المأزومة اقتصاديا وماليًا.
 
قضائيًا... حقوق العامل مهدرة
بحسب وزارة العمل اللبنانية وصل عدد المصروفين عام 2019 إلى أكثر من 18 ألف مفصول. وفي واقعٍ اقتصادي سيئ جدًا يلحق يوميًا الضرر بالقوة العاملة في لبنان، تتحرك عدة منظمات لحماية حقوق العاملين الذين استغنت عنهم الشركات والمؤسسات دون إعطائهم أيا من حقوقهم، ولكن رغم زيادة ديناميكية النشاطات التي تهتم بمتابعة قضايا المفصولين تعسفيًا أو الموظفين الذين لا يتلقون أجورهم من الشركات، إلا أن هذه التحركات الحقوقية تبقى من دون رصيد فعلي على أرض الواقع، طالما أن المسار القضائي يعاني من تكاسل في متابعة ملف العمال المهدرة حقوقهم، إذ تبقى معظم القضايا التي يرفعها العمال في لبنان ضد الشركات عالقة في المحاكم لسنوات طويلة، ما قد يدفع العامل في نهاية المطاف إلى إسقاط دعوته القضائية.
عدد كبير من العمال لا يعرفون كيف يستعيدون حقوقهم في حالة الصرف التعسفي. يقول أسعد سمور، الباحث في مركز المرصد لحقوق العامل في لبنان إنه «في حالات الصرف من الخدمة لأسباب غير قانونية يجب التقدم بدعوى أمام مجلس العمل التحكيمي في مركز المحافظة التي يعمل المفصول فيها. وهذا الشرط ينطبق على جميع العمال اللبنانيين وغير اللبنانيين».
ويضيف: «لا يميز قانون العمل لجهة تعويضات الصرف بين العمال اللبنانيين وغير اللبنانيين، إلا أنه يفرض على الأجراء غير اللبنانيين أن يحوزوا إجازة عمل».
وفي حالات كثيرة سجل التحكيم القضائي في وزارة العمل المتخصص في النظر بقضايا العمال والمؤسسة حصول تأخير في إصدار الأحكام، وهو ما يخالف أسس التحكيم المنصوص عليها قانونيًا.
بحسب سمور فإن «القضاء مهمته أن يصدر أحكامه وفقا لقانون العمل اللبناني، ومع ذلك نشهد مخالفات كبيرة حيث تنص المادة 50 من قانون العمل أن تصدر الأحكام المتعلقة بقضايا الصرف خلال 3 أشهر في حين أنها تستمر لأكثر من 3 سنوات كمعدل وسطي».
لقد أقر قانون العمل في عام 1946 ولم يشهد سوى تعديلات طفيفة: «وما نحتاج إليه هو إجراء تعديل ليس فقط لقانون العمل إنما أيضا لتحديد ووضع أصول خاصة لعمل مجالس العمل التحكيمية كي لا يبقى الأجراء في المحاكم لسنوات كثيرة قبل أن يحصلوا على حقوقهم».
 
تجمع نقابة الصحافة البديلة
في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019. أطلق مجموعة من الصحافيين والمحررين مبادرة لتشكيل نقابة بديلة عن نقابة الصحافيين والمحررين اللبنانيين، شارك في تأسيس النقابة مجموعة صحافيين وصحافيات مستقلين وقد انضم إليها صحافيون خسروا وظائفهم دون الحصول على تعويضات مالية، ودون الحصول على دعم من قبل حراس هيكل الصحافة اللبنانية.
يقول بيان نقابة الصحافة البديلة: «نريد نقابة الصحافة أن تكون موقعًا للدفاع عن المهنة ضد كل اعتداء، سواء كان من السلطة، أصحاب العمل، أو أجهزة الأمن. نريد نقابة تشكّل سدًّا منيعًا أمام هؤلاء، لا صندوق بريد للمتمولين والسياسيين، حكّام الداخل والخارج، المقتنعين بهم والمروجين لهم».
وتضيف النقابة البديلة في بيانها: «ولم يكن لأي من النقابتين قول يُذكر في ذلك... في السنوات الأخيرة أيضًا، شهدنا واقعًا خطرًا على حرية العمل الصحافي والإعلامي، يستجلب استدعاءً ومحاكمات، بعضها عسكري، لا يميّز بين معلومة ورأي، ولا يهدف إلا لتدجينهما. ولم يكن لنقابة الصحافة أو نقابة المحررين قول في ذلك، كأنهما غير معنيتين بالتعبير وحرياته في لبنان. إن نقابة الصحافة التي نطمح إليها يفترض بها أيضًا أن تحمي مساحات وساحات التعبير في لبنان، أن تحمي الصحافة وحريتها».
الصحافية مريم سيف الدين، التي تشارك في تغطية تحركات النقابة البديلة، قالت لـ«المجلة»: «إن نقابة الصحافة مسؤولة عن متابعة أمور الصحافي الذي يتعرض للصرف التعسفي أو لملاحقة قضائية. بعض الصحافيين في لبنان لا ينتمون إلى هذه النقابة، ويشعرون أنها لا تمثلهم. ففي الآونة الأخيرة لم تدافع النقابة عن الصحافيين الذين تعرضوا للصرف التعسفي، ففي الوقت الذي تكتفي فيه النقابة بالبيانات يقوم تجمع نقابة الصحافة البديلة بالتحرك على الأرض لمساندة الصحافيين والصحافيات».
تضيف سيف الدين: «هذه النقابة تحاول أن تجمع كل العاملين في الجسم الصحافي اللبناني، لحماية العاملين بالصحافة من الانتهاكات أكانت انتهاكات سلطة أم انتهاكات أصحاب العمل».
لا يبدو أن الأفق في لبنان يطرح حلولاً للضائقة المالية العالق بها الصحافيون العاملون على الأراضي اللبنانية، لذلك تقول سالي: «كنت أغطي المشاكل التي يعترضها الصحافيون اللبنانيون مع صحفهم، خصوصًا أزمة الصرف الجماعي الذي شهده لبنان أوائل عام 2019. ولكن لم أكن أعلم أنني سأخوض التجربة نفسها. في لبنان الضائقة المالية تطال الجميع، مواطنين وأجانب».