بعد غزو الكويت هاجموا إدوارد سعيد حتى توقف عن الكتابة لـ«المجلة»

مر عام 1990 عصيبا على الجميع في الصحافة كما في السياسة، فقد انقسم الإعلام العربي إلى معسكرين، وأعلنت الحرب على كل المستويات، وتاه الصحافيون غير المنتمين، وأغلقت السلطات الفرنسية المؤسسات الإعلامية العربية المرتبطة بنظام صدام في أعقاب احتلاله الكويت، ووجدنا أنفسنا في رحى معركة لم نخطط أو نتهيأ لها.

وكنا في مجلة «المجلة» نلعب دورا مهما في تلك المعركة، ننقل أخبار الغزو والاستعداد الدولي لمواجهته. وعلى الجبهة الأخرى، كان الإعلام الموالي لصدام أيضا قويا ومنتشرا، وارتكز على مقولة أن العراق يواجه التحالف الغربي، ويدعي مؤامرة مزعومة على بغداد، متجاهلا حقيقة تشريد أكثر من مليون إنسان، كويتيين وغيرهم، وجرائم إعدامات بشعة ارتكبتها قواته ضدهم.

وضمن الصراع نفسه قامت ضدنا في «المجلة» حملة من جماعات موالية لصدام، وكتب بعضهم مهاجما المفكر والكاتب المعروف إدوارد سعيد، رحمه الله، الذي كان من كبار كتاب مجلتنا، وطالبته بالانسحاب والانضمام إلى معسكر صدام لا دول النفط، كما كانوا يصنفوننا.

وفوجئت في أواخر العام برسالة من الدكتور سعيد.. رسالة يعتذر عن الكتابة في «المجلة» معترفا بأنه يواجه ضغوطا هائلة تطالبه بالتوقف، وتحرجه سياسيا، وتبادلت معه المراسلات. لم يكن في حاجة لأوضح له طبيعة الخلاف السياسي، إنما كنت حريصا في تأكيدي له بأننا في «المجلة» لم نكن نحاسب كتابنا على مواقفهم أو ميولهم، وهم بدورهم يفترض أن لا يتوقعوا منا مواقف سياسية تنسجم مع مواقفهم. والحق أن سعيد ميز موقفه بانتقاده صدام ورفضه احتلال الكويت، طبعا مع رفضه لازدواجية الخطاب الغربي بالسكوت على استمرار الاحتلال الإسرائيلي، من دون أن يربط بينهما.

لكنه بكل أسف خضع للضغوط واحتجب عن الكتابة، فقد كان في واشنطن عدد من أصدقائه المنحازين مع صدام، من الشخصيات العربية العاملين في مجتمع العرب الأميركيين والدبلوماسيين والمفكرين، الذين شكلوا تجمعا معاديا ومتحالفا مع العدوان العراقي حينها!

إدوارد سعيد ظل يزورنا في لندن، وكان يدرك ويقدر أن «المجلة» المطبوعة العربية الأولى، التي نقلته إلى عالم القراء العرب، بعد أن كان العرب يقرأون هذه القامة الثقافية الكبيرة مترجما، مما يكتبه في الإعلام الأميركي، وما تنشره دور الكتب الغربية.

«المجلة» كانت تجربته الأولى في الكتابة للعرب، وكشفت له ما كان يجهله، أن له شعبية واحتراما واسعين بين المثقفين العرب. وكنت قد عرفت سعيد من أيامي في الولايات المتحدة، وحضرت له أول محاضرة في الجامعة الأميركية في واشنطن، عندما كنت أدرس هناك أوائل الثمانينات، وعملت بعدها مراسلا لجريدة «الجزيرة» في العاصمة أيضًا. وكان سعيد قد تجاوز حدود شهرته الأكاديمية، حيث كان أستاذ الأدب الإنجليزي المقارن في جامعة كولومبيا، وصار من أبرز الحاضرين في النقاشات الإعلامية السياسية في الولايات المتحدة، وعرف بكتابه الأشهر «الاستشراق»، ومؤلفاته من بينها خارج المكان، أيضًا كان عازف بيانو مميزا.

وعندما بدأ يكتب لـ«المجلة» واجهتنا مشكلة ضعف قدراته باللغة العربية، وقال لي إنه يستعين بوالدته التي كانت تصحح له، فكان موقفا غريبا حقًا، لكن ذلك لم يقلل من قيمته، حيث كان يكتب النص الأصلي بالإنجليزية أولا. بعدها اتفقنا على أن نقوم بترجمته تحاشيا لركاكة النص العربي، الذي يترجمه مع أمه.

قيمة سعيد الكبيرة في الغرب، لم تصل إلى نفس القدر في مشرقنا العربي إلا بين النخبة، وهذا ما جعلنا في «المجلة» نحرص على استكتابه، وكان أحد أعمدتها لسنوات.