سليماني: درس الأسد الذي لم يتعلمه

* استطاع حافظ الأسد أن يؤمن استقراراً سورياً أمنياً سياسياً واقتصادياً بشكل أو باخر طيلة ولايته ويمسك بأكثر من محور من دون أن يستفز الولايات المتحدة الأميركية أو يستنفر إسرائيل.
إنه الدرس الذي لم يتعلمه سليماني من تجربة الأسد: شدّ الحبل من دون قطعه

لم يعد لطموح سليماني حدود، إيران لم تعد تسع الرجل الذي أراد السيطرة على أجزاء كبيرة من الشرق الأوسط والخليج العربي. اطمأن لمتانة زعامته في الداخل مع دعم المرشد الأعلى وقرر الذهاب بعيدا في كل الاتجاهات. إمبراطورية الحرس الثوري المالية مكنته من التغلغل في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن والإمارات وأفغانستان وحتى أميركا اللاتينية وأفريقيا.
استغل التواجد الشيعي في منطقة الشرق الأوسط ليشرع في بناء هلاله. حجر الأساس كان في لبنان مع «حزب الله» الذي نجح معه في السيطرة على البلاد بشكل غير معلن من خلال الترغيب كما مع عون وصهره باسيل وغيرهما من المنضمين لحلف الممانعة أو مع الترهيب كما في اغتيال رفيق الحريري وقيادات سياسية أخرى مناهضة لهذا الحلف، أو من خلال 7 أيار أو من خلال قصة القمصان السود وغيرها من الأحداث الإرهابية التي مارسها بحجج مختلفة.
العوائق في بناء استراتيجيته العسكرية كانت كثيرة، منها البسيطة ومنها المعقدة. الوجود العسكري الأميركي في العراق وفي أفغانستان كان عائقا كبيرا أمام فرض نفوذ إيران خارج حدودها، المهمة الملقاة على عاتق سليماني، لذا سعى لتكثيف هجوم ميليشيات عراقية تابعة له على القوات الأميركية بغية قتل أكبر عدد منهم بعد أن تأكد أن لا نية لتلك الإدارة في غزو إيران. 
مع مجيء أوباما إلى البيت الأبيض على أساس إنهاء الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، أحس سليماني أن أعماله آتت ثمارها. وعندما استشعر بوجود نيّة واضحة لدى تلك الإدارة في تغيير شكل التعاطي مع إيران وإرساء اتفاق يعيدها إلى حضن الشرعية الدولية كثف سليماني من مشروع الهيمنة الإيرانية الإقليمية.
استراتيجية سليماني قامت على استغلال نقاط ضعف أخصامه الكثيرين متناسيا غالبا نقاط ضعف بلاده نفسها أو حدود قوتها؛ ففي العراق استفاد من ضعف التركيبة التعددية ومن منافسة مكوناته، الكردية والسنية والشيعية ليحكم سيطرته على قرارات البلد. كما شرع في بناء تنظيم عسكري شبيه بـ«حزب الله» اللبناني، كي يلعب في الداخل العراقي نفس الدور الذي يلعبه الأخير في لبنان. 
مع الخليج العربي استعمل التهديد والإرهاب من خلال عمليات تخريب في البحرين مستغلا بعض أبنائه الشيعة ثم في تهديد الملاحة في مضيق هرمز ولاحقا من خلال استعمال ميليشيات الحوثي للهجوم على المملكة العربية السعودية ومصالحها. 
في سوريا أرخى بثقله العسكري من أجل بقاء نظام الأسد، وبالتالي إبقاء خط طهران بيروت سالكا. 
سعى إلى محاصرة إسرائيل من ناحية الجولان وشرع بتهريب صواريخ دقيقة لـ«حزب الله» في لبنان. مدّ الحوثيين بالسلاح والخبرات من دون أن يقلق من أي ردّة فعل أميركية غاضبة، خاصة أن البلدين كانا منغمسين في مشاقة المفاوضات حول الاتفاق النووي. لا أحد كان يريد إغضاب إيران خاصة الغربيين.
ثم حدث ما لم يكن في الحسبان. انتخب دونالد ترامب رئيسا لجمهورية أميركا.
كان من الواضح أساسا أن سياسة الرئيس ترامب تجاه إيران لن تكون مشابهة أو متساهلة كما مع الإدارة السابقة.
لم يتنّبه سليماني إلى الأمر، وظن أن ترامب لن يقوم بخوض حرب جديدة في الشرق الأوسط، خاصة أن المزاج الشعبي العام ضد خيار الحرب «من أجل الآخرين». فجعْل «أميركا عظيمة ثانيا» لا يمرّ عبر انغماسها في حرب في الشرق الأوسط.
سليماني ظل متمسكا باستراتيجية «الموت لأميركا» و«محو إسرائيل» عن خريطة العالم.
حافظ الأسد لعب هو الآخر دورا إقليميا في الشرق الأوسط، واستعمل نفس الأدوات التي استعملها سليماني في مسعاه للسيطرة على لبنان أو القبض على قرار القضية الفلسطينية. ولكنه كان برغماتيا إلى أبعد حدود.
أبقى خطوطه مفتوحة مع الأميركي بحجة مفاوضات السلام، وكان شعاره الأرض مقابل السلام، لا محو إسرائيل عن الخريطة أو إحراقها، وهو كاد أن يستعيد الجولان من رئيس وزراء إسرائيل السابق إيهود باراك، بالتفاوض طبعا.
كان مدركا لحدود قوته، لذا عندما ضاق ذرع التركي من استعماله الأكراد للضغط على أنقرة وحشد جيشه على الحدود مهددا باجتياح سوريا، سارع الأسد بتسليم أوجلان متراجعا خطوة إلى الوراء في هذه المواجهة.
وعندما لاحت الفرصة للسيطرة على لبنان بحجة إنهاء الحرب الأهلية مقابل الالتحاق بسرب التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية الداعم للتدخل العسكري في الكويت لتحريرها من جيش صدام حسين وافق من دون تردد.
استطاع حافظ الأسد أن يؤمن استقراراً سورياً أمنياً سياسياً واقتصادياً بشكل أو باخر طيلة ولايته ويمسك بأكثر من محور من دون أن يستفز الولايات المتحدة الأميركية أو يستنفر إسرائيل.
إنه الدرس الذي لم يتعلمه سليماني من تجربة الأسد: شدّ الحبل من دون قطعه.
استفز ترامب ظناً منه أنه لن ينجر لردة فعل مع قرب موعد الانتخابات الأميركية وطمعا بتثبيت مكتسباته على الأرض، ومحاولا رفع العقوبات عن بلاده من خلال الضغط الأمني.
انسحب ترامب من الاتفاق النووي، وأعاد نظام العقوبات القاسية ليس فقط على طهران بل على كل من يدور في فلكها،
لبنان والعراق ضمنا.
ظن سليماني أن ترامب ما زال يناور وكيف لا وقد أعطى الرئيس الأميركي رقم هاتفه الخاص للوسيط السويسري ليمرره لمن يريد مكالمته من المسؤولين في إيران من أجل بدء التفاوض بين البلدين. اليس هذا دليل ضعف؟
أعطى سليماني أوامره لميليشياته في العراق بتكثيف التهديد على الأميركيين.
كان سليماني يملك كل شيء. المال والسلطة والأمن. ولكنه افتقد حنكة الفرس في التفاوض.
أخطاء سليماني في التقدير. فالحبل الذي حاول شده أكثر من اللزوم انقطع.
فأعطى ساكن البيت الأبيض أوامره بالتخلص منه.