مجلة «المجلة»: الدخول إلى العقد الخامس بأربع لغات... والخروج من الورقة إلى الشاشة الافتراضية

1- المجلة التي اسمها «المجلة»!
اسمها هو جسمها؟
نعم هذا هو اسمها البسيط، وقد أصرت عليه منذ أن صدر عددها الأوّل في فبراير (شباط) من سنة 1980 كما سماها الأخوان المؤسسان: هشام ومحمد علي حافظ.
ولـ«المجلة» أصل وفصل وسلالة: فهي أخت صغرى لجريدة («الشرق الأوسط»: جريدة العرب الدولية) وكلتاهما تصدران عن الشركة السعودية للأبحاث والنشر التي أسسها الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز سنة 1978.
 
2- الغلاف مبتدأ والخبر في الداخل
لـ«المجلة» موضوع رئيسي تحليه صورة غلاف (فوتوغرافية أو رسمة فنية) وكلمات موجزة تلخص جوهر الموضوع وترغّب القارئ، وتغريه بالتوسع إلى داخل «المجلة».
وقد صدر ذاك العدد الأول من «المجلة» تحت عنوان «ماذا تخطط أميركا؟» مع صورة بالقلم الملون لجندي أميركي.
 
3- خط التحرير: انفتاح عربي عالمي
ولدت «المجلة» بخط تحرير ملتزم بخطى الأخت الكبرى (جريدة «الشرق الأوسط») فلا تطرف في التحرير، ولا انحياز في الموضوع الصحافي المقترح على القراء، مع تنويع في المواد والمواضيع دون حصرها في السياسة وحسب، فهناك وجهات النظر المختلفة، تماما كالدنيا.
 
4- منبر لنجيب محفوظ والطيب صالح وعبد القدوس وكحيل والحيدري وآخرين
حرصت إدارة تحرير «المجلة»، منذ انطلاقها على استكتاب أبرز الكتاب العرب.
هكذا ازدانت بمقالات الكاتب العربي السوداني الأشهر: الطيب صالح (1929- 2009) فصار صاحب زاوية أسبوعية في «المجلة» وكانت له أكثر من حلقة تحدث فيها عن بطله (المنسي) وحكاياته التي امتدت على حلقات كثيرة. وكان لها قراء متابعون من عشاق أسلوبه السهل الممتنع، وسوف تنشر هذه المادة الصحافية مبوبة ضمن أعمال الطيب صالح الكاملة عن (منشورات رياض نجيب الريس).
وكان الكاتب المصري إحسان عبد القدوس قد اشتهر بمقالته الأسبوعية «على مقهى في الشارع السياسي»، واستطاع أن ينقل حوارات المقاهي في صورة حوار يدور بين شاب وعجوز وكيف تختلف آراؤهم في ما يدور من أحداث في الفترة من 76 إلى 78.
وكذلك صاحب نوبل الأديب نجيب محفوظ، والكاتب الساخر محمود السعدني، كان يحكي بأسلوب الحياة مغامرات الشقاوة التي عاشها في السياسة والحياة، وكذلك فهمي هويدي، وأحلام مستغانمي، ولطيفة الشعلان، وجعفر عباس، وعلي العميم، وكذلك كان الصحافي البريطاني باتريك سيل، من بين المحررين في «المجلة» وحاليا الدبلوماسي المخضرم دينس روس، وجوزيف براودي، وحنين غدار، ونخبة منتقاة من الكتاب العرب والغربيين، إضافة إلى محررين صحافيين أكفاء.
أما الشاعر العراقي الكردي القومية العربي اللسان وأبرز رواد الشعر الحر بلند الحيدري (1926- 1996) فقد كان مشرفا على القسم الثقافي والتشكيلي الذي بات يتوسع حتى إن إدارة مجلة «المجلة» قررت أن توسع له المجال بإصدار مجلة ثقافية داخل مجلة «المجلة» في فترة من الفترات.
 
5- رؤساء تحرير عرب عابرون للحدود القطرية
كان لا بد لمجلة «المجلة» أن تستجيب لقانون الطبيعة والقائل بأن عمر المؤسسات الناجحة يتجاوز عمر المؤسس، أو رئيس التحرير في حالة الصحافة.
وتجاوزت مجلة «المجلة» العربية السعودية حدود الجنسيات العربية الأخرى فلم تلتزم بجنسية عربية محددة على مستوى رؤساء التحرير لتعرف اللبناني عبد الكريم أبو النصر، ثم المصري عماد الدين أديب، ثم السعوديين عثمان العمير، فعبد الرحمن الراشد، ونائبه مطر الأحمدي، ثم عبد العزيز الخميس، تلاه هاني نقشبندي… وصولا إلى يومنا هذا برئاسة الأستاذ اللبناني غسان شربل.
 
6- «المجلة» في زمن التحولات
كانت الرحلة من الورق إلى العالم الافتراضي أمرا لا مناص منه، فتحولت مجلة «المجلة» مع العصر الإعلامي الجديد، في عام 2014 وانتقلت من الإصدار الورقي إلى الإلكتروني.
 
7- النقلة النوعية ومجلة متعددة الألسنة
تولى الدكتور عادل زيد الطريفي في عام 2010 مهام إعادة هيكلة مجلة «المجلة» اللندنية، بعد توقفها مؤقتًا عن النشر الورقي وإطلاقها النسخة الإلكترونية، وقد تم تحت رئاسته تطوير «المجلة» وإطلاقها بلغات عدة، قبل إعادة إصدارها ورقيًا في طبعة شهرية برؤية وإخراج جديدين. ثم تنتقل إلى نسخة أسبوعية رقمية في رئاسة الأستاذ غسان شربل.
 
8- «المجلة» عابرة للغات
حرصت «المجلة» على أن تكون متعددة الألسنة، فحافظت على شكلها الجمالي وقطعها الورقي، ورغبت في أن تمس قراء في لغات أخرى، وتتحاور مع الطرف القادر على الاستماع إلى وجهة نظر عربية في مختلف قضايا العالم، وصدرت بغير اللغة العربية بالإنجليزية والفرنسية والفارسية...
 
9- مشاهير في «المجلة»
كان الفنان اللبناني محمود كحيل من أبرز الكاريكاتيريين العرب الذين اشتغلوا في «المجلة»، وقد اشتهر بتوقيع (الغراب)
كما يعمل الفنان العراقي علي المندلاوي على إضفاء لمسات جمالية عبر زاوية بروفايل، ويسعى كاتب هذه السطور أن يرسم بالقلم شخصية البروفايل، وأن ما يحسب لمجلة «المجلة» هو أنها لم تضق ذرعا بالكاريكاتير كأغلب المجلات العربية.
ولم تدخر «المجلة» جهدا في التعريف بمواهب أهل الكاريكاتير العرب، فأجرت تحقيقات وحوارات مع أهل الكاريكاتير العرب أمثال محمد الزواوي، والراحل الفلسطيني ناجي العلي، وصولا إلى السوداني الشاب المقداد.
 
10- الانتصار للكاريكاتير
قبل ثلاثة عقود من الزمان، في لندن 1989. قررت مجلة «المجلة» أن تحتفل بالكاريكاتير العربي، ورموزه في «المجلة» وخارج «المجلة»، فأقامت في العاصمة البريطانية مهرجانا كان له الصدى الواسع في الصحافة العربية والأوروبية، وكان بعنوان «مهرجان لندن الأول للكاريكاتير العربي».
 
11- «المجلة» وأمّ المتاعب
يقاس عمر المجلات بمدى إسهامها في إنارة الرأي العام، واقتحام المواضيع القادمة، وفتح بوابة الحرية لمحرريها، وبهذا تؤسس لعلاقات جديدة بين التحرير والقراءة.
إن صمود مجلة «المجلة» في بلاد الضباب يحسبه التاريخ في سجل «المجلة» التي حرصت على أن تكون صامدة رغم العواصف.
علما بأن هناك أكثر من مجلة عربية أغلقت دكانها، ثم انسحبت، ولكن مجلة «المجلة» صمدت، وهي التي لم يكلفها أحد بمهمة حراسة الصحافة العربية في بلاد مثل بريطانيا فعاشت مؤمنة بقوة الرأي لا برأي القوة.
 
12- نصف القرن غير بعيد
قال الكاتب الفرنسي ألبير كامو Albert Camus: «الصحافي هو مؤرخ اللحظة»، ومجلة «المجلة» كانت تأريخا أسبوعيا للحياة من وجهة نظر عربية خلاصتها: الأمل في استشراف اللحظة القادمة أو النظر في عين اللحظة النائمة…
وتحتفل مجلة «المجلة» هذا العام 2020 بسن الأربعين، وما توحي به الأربعون من النضج والقدرة على القيادة نحو استكمال عقد آخر لبلوغ نصف القرن…
والعاقبة لاحتفالية القرن في فبراير 2080 دون أن تنسى مجلة «المجلة» يوما أن أمها هي جريدة عريقة خضراء اسمها («الشرق الأوسط») وأن مجلة «المجلة» هي حياة… عابرة للسنوات ولا تصلح إلا… للحياة.