البرلمان الإيراني الجديد في قبضة التيار المحافظ المتشدد

بعد انتخابات باردة ونسبة مشاركة هي الأدنى منذ الثورة‎
* يحاول النظام الإيراني إثبات شرعيته من خلال قلب الحقائق والإحصائيات غير الدقيقة حول نسبة المشاركة والزعم بأنها بلغت مستوى عالياً وواسعاً 
* أصبح البرلمان الإيراني القادم في قبضة التيار المحافظ المتشدد
*مجلس صيانة الدستور رفض 90  شخصا ممن كانوا نوابا في الدورة البرلمانية الحالية،وتم اقصاءالاصلاحيين منا لمشهدا لانتخابي 

طهران: بنسبة مشاركة هي الأدنى منذ الثورة، أجرت السلطات الإيرانية الانتخابات البرلمانية في دورتها الحادية عشرة، بعد أيام معدودة من انشغال الرأي العام الإيراني بخبر انتشار فيروس كورونا في عدد من المدن الكبرى ووفاة العشرات من المواطنين، أجرت السلطات الإيرانية الانتخابات البرلمانية في دورتها الحادية عشرة يوم 21 فبراير (شباط).
وأعلنت السلطات الإيرانية بأن نسبة المشاركة في الانتخابات بلغت 42.5 في المائة في البلاد في الوقت الذي وصل فيه هذا الرقم في طهران إلى 25 في المائة. وهكذا نكون أمام أدنى نسبة للمشاركة في الانتخابات بعد الثورة.
في الوقت الذي بذلت فيه السلطات الإيرانية قصارى جهدها لحث المواطنين على المشاركة في الانتخابات واتخذت كافة التسهيلات، منها تمديد فترة التصويت لعدة مرات والتي كان من المفترض أن تنتهي في الساعة 8 مساء ولكنها استمرت حتى 12 مساء في عدد من الدوائر الانتخابية منها في محافظة خراسان الشمالية ولكن هذه التدابير لم تفلح في دفع المواطنين للمشاركة في الانتخابات.
وأفادت وكالة أنباء «فارس» المحسوبة على الحرس الثوري بأن المشاركة في الانتخابات التشريعية في هذه الدورة سجلت انخفاضا بـ19 في المائة بالنسبة للدورة السابقة.
وقبل الانتخابات التشريعية قال حاكم محافظة طهران أنوشيروان محسني بندبي إن عدد الناخبين الذين يحق لهم المشاركة في الانتخابات في محافظة طهران هو 9 ملايين و600 ألف شخص.
وقالت وكالة «فارس» في تقريرها حول الانتخابات ونسبة الإقبال في طهران إن «نسبة المشاركة في مدينة طهران بلغت مليونا و900 ألف مواطن».
وقد أدلى مرشد الثورة علي خامنئي الذي سبق ودعا المواطنين للمشاركة في الانتخابات: «لو كانوا يحبون إيران حتى لو لم يحبوه لأدلوا بصوتهم كالعادة في الساعات الأولى من انطلاق عملية الاقتراع». وطالب خامنئي مرة أخرى خلال إدلائه بصوته المواطنين المشاركة بكثافة في الانتخابات وذلك بهدف إضفاء الشرعية على نظام الجمهورية الإسلامية. واعتبر خامنئي أن الانتخابات «عرس وطني» قائلا إن التصويت «واجب ديني».
وأعرب خامنئي خلال جلسة تدريسه لبحث الخارج في 23 فبراير (شباط) عن تقديره لمشاركة الشعب واعتبره «نجاحا لامعا للشعب الإيراني في هذا الاختبار العظيم أي الانتخابات».
وأشار المرشد الإيراني إلى مدينة قم زاعما أن مراكز الاقتراع فيها كانت من أكثر المراكز «ازدحاما».
هذا وأفادت الإحصاءات الرسمية بأن نسبة الإقبال في مدينة قم كانت 43 في المائة، مسجلة انخفاضا بنسبة 18 في المائة عن الدورة السابقة.




فرق إنقاذ متجمعة في مكان حادث تحطم الطائرة الأوكرانية في العاصمة الإيرانية طهران (غيتي)

وفي الوقت الذي يحاول فيه النظام الإيراني إثبات شرعيته من خلال قلب الحقائق والإحصائيات غير الدقيقة حول نسبة المشاركة والزعم بأنها بلغت مستوى عاليا وواسعا فهو يمتنع عن الإعلان عن عدد الذين قتلوا واختطفوا واعتقلوا خلال الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) 2019. كما أن محاكم الثورة أصدرت أحكاما بالسجن لفترات طويلة بحق نشطاء أصدروا بيانا طالبوا فيه مرشد الثورة بالاستقالة.
لقد اتسمت الانتخابات التشريعية التي أجراها نظام الجمهورية الإسلامية خلال عقده الرابع من الحكم على البلاد بالفتور والبرودة في الوقت الذي تزداد فيه الفجوات الطبقية والقومية والمذهبية والتمييز بين الجنسين يوما بعد يوم. كما أن الانتخابات البرلمانية في دورتها الحادية عشرة التي لم يشارك فيها إلا ثلث الناخبين يأتي في الوقت الذي يزداد فيه السخط والاستياء الشعبي من نظام لم يقدم الحقائق والإحصائيات الدقيقة حول مدى انتشار فيروس كورونا. وألقت الاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت البلاد في ديسمبر (كانون الأول) 2017 ونوفمبر (تشرين الثاني) 2018 بظلالها على الانتخابات. وبالتأكيد فإن الشعب الإيراني لم ينس بعد كارثة إسقاط الطائرة الأوكرانية من قبل الحرس الثوري الإيراني مما أدى إلى مقتل 176 من الأشخاص الأبرياء كما أنه لم ينس كيف كذب المسؤولون والقيادات العسكرية عليهم لمدة 3 أيام في محاولة للتستر على الحادث وعدم تقبل المسؤولية. هذه العوامل كلها أدت إلى انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات.
ورغم عدم الاكتراث الشعبي للمشاركة في عملية الاقتراع فإن حملات كثيرة فعالة وهادفة انطلقت في الشبكات الاجتماعية لحث الناخبين على مقاطعة الانتخابات وذلك على غرار «لا للتصويت»، و«اسفند بلا صوت». واسفند هو الشهر الثاني عشر والأخير في التقويم الهجري الشمسي، وهو التقويم الرسمي في إيران. وتجري الانتخابات البرلمانية عادة في هذا الشهر.
وأصدر 164 ناشطا سياسيا ومدنيا في خارج إيران خلال الأسابيع التي سبقت الانتخابات البرلمانية بيانا بعنوان «اسفند بلا صوت».
ورأى الموقعون على الرسالة بأن مقاطعة الانتخابات تشكل فرصة مناسبة لـ«العصيان المدني» واستمرار الاحتجاجات والتحرك نحو «تشكيل حركة اجتماعية شاملة ومقتدرة».

 




سيدة إيرانية تصوت في الانتخابات البرلمانية في مركز اقتراع في طهران، إيران. (غيتي)


وبناء على هذه الظروف كان من المتوقع أن تقوم السلطات بعدم تقييد الحريات وتفتح مجال الحريات قليلا ولكن هذه التوقعات لم تكن صحيحة. فلم يؤيد مجلس صيانة الدستور في ظل الأجواء المشحونة بين السلطات والشعب من جهة وبين النظام والعالم من جهة أخرى أهلية الكثير من المرشحين للخوض في الانتخابات. فأراد مجلس صيانة الدستور تشكيل بارلمان يهيمن عليه المتشددون ويخلو من أصوات معارضة للسلطة الحاكمة. ولم يؤيد مجلس صيانة الدستور أهلية الكثير من المرشحين غير المنتمين للتيار المتشدد بل ورفض 90 شخصا ممن كانوا نوابا في الدورة البرلمانية الحالية منهم علي مطهري ومحمود صادقي وطيبه سياوشي ومحمد رضا تابش. ونتيجة لعملية الفرز التي قام بها مجلس صيانة الدستور تم إقصاء الإصلاحيين من المشهد الانتخابي.
على غرار المزاج الشعبي فإن القوى السياسية والمجتمع المدني والنخبة لم يكونوا متحمسين للترشح في الانتخابات. ولم يتمتع الكثير من المرشحين للانتخابات بالتجربة وكان يعاني عدد ممن قدموا ترشحهم للانتخابات من اضطرابات شخصية.
قبل الانتخابات، نقلت وكالة فارس للأنباء عن أحمد نادي رئيس مركز الدراسات الاجتماعية في جامعة طهران في 15 فبراير قوله إن استطلاعا للرأي أشار إلى أن نحو 24 في المائة من الناخبين في طهران يشاركون في الانتخابات.
وأضاف أحمد نادي أن 93 في المائة ممن شاركوا في استطلاع الرأي قالوا إنهم يشعرون بالاستياء من أسلوب إدارة البلاد.
وبعد الانتخابات فإن التيار المحافظ نجح في الاستيلاء على غالبية المقاعد وإن محمد باقر قاليباف القيادي الأسبق في الحرس الثوري والرئيس السابق لبلدية طهران والمرشح للانتخابات الرئاسية لدورتين، ومصطفى مير سليم، القيادي البارز في التيار المحافظ ووزير الثقافة والإرشاد الإسلامي في فترة رئاسة هاشمي رفسنجاني الثانية، ومرتضى آقاطهراني الأمين العام لجبهة الاستقامة، تصدروا نتائج الانتخابات في طهران.
وهكذا أصبح البرلمان الإيراني القادم في قبضة التيار المحافظ المتشدد.