اللبنانيون بين هاجس الهجرة وشبح البطالة

44 % من اللبنانيين تحت خط الفقر
* بعد 17 أكتوبر (تشرين الأول) مزيد من البطالة والفساد والمحاصصة وتراجع في الخدمات الأساسية وغلاء وتراجع في القدرة الشرائية لدى شريحة واسعة من فئات الشعب اللبناني
* الزعيم: الانهيار الاقتصادي وتدهور سعر صرف الليرة دفعني وغيري من الشباب إلى التفكير الجدي في الهجرة
* شمس الدين: هجرة اللبنانيين وسعيهم إلى السفر أصبحا بالفطرة، فقد بدأت أول موجة هجرة من لبنان عام 1885
* تقدر التوقعات لعام 2020 أن يصل عدد اللبنانيين الذين قرروا الهجرة إلى 100 ألف لبناني
* ظروف العمل في البلدان التي يهاجر إليها اللبنانيون اليوم مختلفة عن السابق، وهم بالكاد يستطيعون تأمين متطلباتهم المعيشية، فنحن اليوم نصدر يداً عاملة دون مقابل من التحويلات التي كانت تصل في السابق

بيروت:تدهور اقتصادي، وإقفال مؤسسات وشركات، وتسريح أعداد كبيرة من الموظفين، وحجز أموال المودعين من قبل المصارف، وتدهور سعر صرف العملة الوطنية مقابل الدولار، وغلاء فاحش، ولا رواتب، ولا كهرباء، ولا استقرار...
كل هذا وأكثر يعاني منه لبنان واللبنانيون مقابل حالة إنكار تعيشها السلطة السياسية التي لم تتخذ قرارا واحدا حتى اللحظة لانتشال لبنان من المجهول المظلم والكارثي الذي ينتظره.
فمنذ 17 أكتوبر الماضي تاريخ انطلاق الانتفاضة اللبنانية، ارتفعت نسبة الأمل بين الشباب اللبناني، حتى إننا شهدنا وصول مغتربين لبنانيين أتوا إلى لبنان من الاغتراب لمشاركة اللبنانيين المقيمين الذين نزلوا إلى الشارع بأعداد كبيرة مطالبين السلطة السياسية بمحاسبة الفاسدين واستعادة الأموال المنهوبة وتوفير فرص عمل وتأمين الطبابة والتعليم والكهرباء أي مقومات الحياة الأساسية التي يفقدها اللبناني منذ عقود. ولكن النتيجة أتت سلبية: مزيد من البطالة والفساد والمحاصصة وتراجع في الخدمات الأساسية وغلاء وتراجع القدرة الشرائية لدى شريحة واسعة من فئات الشعب اللبناني، مما أوصل نحو 44 في المائة من اللبنانيين إلى تحت خط الفقر، الأمر الذي دفع جزءا كبيرا من الشباب إلى التفكير مجددا في الهجرة مع إقفال عدد كبير من المؤسسات، أمّا المؤسسات الصامدة حتى الآن فجزء كبير منها يحاول تعويض خسائره عبر دفع نصف رواتب العاملين لديهم.
 
تعلقي بوالدتي يدفعني إلى البقاء
حسام نصر الدين مهندس مدني، بعد أربع سنوات من العمل في شركة مقاولات، طرد تعسفيا مع أكثر من 150 موظفا آخر بعد إقفال القسم الذي يعمل فيه بشكل كلي، بسبب الوضع الاقتصادي الذي يمر به لبنان والخسائر التي منيت بها الشركة منذ بداية الثورة بحسب ما قال لـ«المجلة».
وأضاف: «لم يعد لدي أمل في البلد، فإذا كان الوضع الاقتصادي يزداد سوءا يوما بعد يوم، فكيف أستطيع أن أحصل على وظيفة جديدة، خصوصا أنني لا أتقبل أبداً أن أعمل في وظيفة خارج دراستي وخبرتي». 
ولكن حسام يؤجل التفكير بالهجرة حاليا بسبب تعلقه بوالدته خصوصا أن شقيقه الأكبر سافر فترة طويلة للعمل خارج لبنان وذاقت عائلته لوعة الغربة.
وختم حسام: «بعد هذه التجربة تأكدت من صحة خياري بقرار عدم الارتباط، فأنا منذ أكثر من سنة وأنا أشعر بعدم الاستقرار الوظيفي».
حسام نموذج للشباب اللبناني الذي فقد الأمل بلبنان، ولكن خوفه من الهجرة والابتعاد عن عائلته يمنعانه من اتخاذ هذه الخطوة، خصوصا أنّ لا مسؤوليات عائلية تترتب عليه، ولكن في المقابل هناك كثير من الشباب اللبناني خصوصا من لديهم عائلات أو مقدمون على تأسيس عائلة، وصلوا إلى طريق مسدود، فقرروا الرحيل، تاركين خلفهم ذكريات وأحلاما بنوها على أرض الوطن، أمهات يمضين حياتهن بغصة الفراق والاشتياق، وعائلات يعيشون على ذكريات ينتظرون تكرارها، أمّا المهاجرون الذين يعيشون بغصة البعد والخوف من فقدان عائلاتهم وهم تائهون في بلاد الاغتراب يكررون «لا شيء يعوض جمع العائلة ورائحة أرض الأجداد».


 
لم يكن أمامنا خيار سوى الهجرة
سيرين شابة في أواخر العشرين متزوجة ولديها طفلة صغيرة هاجرت وعائلتها الصغيرة بعد شهر من بدء الثورة، القرار اتخذ بسبب التطورات السياسية والوضع الاقتصادي خصوصا بعدما خسرت وزوجي عملنا، تقول لـ«المجلة».
وتضيف: «خسرت عملي منذ أكثر من عام، فأنا أعمل كمدرسة للغة الإنجليزية، وفي الأشهر الأخيرة من عملي بدأت الأزمة المالية في المدرسة، من تأخير في دفع الراتب، إلى أن وصلنا إلى نصف راتب شهريا، هذا الوضع جعلني أشعر أنّ دراستي وتعبي لسنوات أوصلني إلى التعب بدل أن أصل إلى الراحة، حتى إنّ أموالنا ومدخراتنا في المصارف لا نستطيع الحصول عليها بسبب الحظر الذي تطبقه المصارف، كل هذه الأسباب دفعتنا إلى أخذ قرار السفر إلى لندن دون تردد، فلم يكن أمامنا خيار آخر إلى حين تحسن الوضع في لبنان».
 
أخاف على أولادي من الطعام الذي يأكلونه
أمّا هشام الزعيم، رب عائلة ثلاثيني، وهو المعيل الوحيد لهذه العائلة المكونة من زوجة وطفلين، لم تكن فكرة الهجرة تراوده سابقا، إلا أنّ الوضع المأساوي كما يصفه الذي وصل إليه الوطن دفعه إلى التفكير بالهجرة، يقول الزعيم لـ«المجلة»: «قراري جاء بعد فقدان الأمل بالسلطة السياسية، فالفساد المستشري وأقلّ حقوقنا كمواطنين لنعيش بشكل لائق ومحترم غير مؤمنة، لا كهرباء، تلوث بيئي وهوائي، أصبحنا نخاف على أولادنا من الطعام الذي نطعمهم إياه».
ويضيف: «أما المدارس فلها حكاية أخرى مع اللبنانيين، فالمدارس الرسمية ليست على المستوى المطلوب بسبب إهمال الدولة لها، والمدارس الخاصة تحتاج ميزانية كبيرة تستنزف المواطن اللبناني الذي يعمل ليلا نهارا لتأمين عائلته».
ويؤكد أنّ «الانهيار الاقتصادي وتدهور سعر صرف الليرة دفعني وغيري من الشباب بالتفكير الجدي في الهجرة، وحاولت منذ بداية الأزمة أن أسافر إلى لندن لكي أبحث عن فرصة عمل هناك قبل أن أتخذ القرار النهائي بأخذ عائلتي معي ولكن للأسف لم أستطع أن أحصل على الفيزا، فأنا منذ 7 سنوات أي بعد خمس سنوات من زواجي، قدمت على الهجرة إلى كندا، ووصلني القبول ولكن عدلت عن قراري وبقيت في بلدي، ولكن حاليا أشعر بالندم، وأحاول التقديم على هجرة ولكن أبحث عن الفرصة المناسبة، لأنني لا أريد أن أذهب إلى أي بلد وأبدأ من الصفر».
 
سعي اللبنانيين إلى الهجرة أصبح بالفطرة
وبالأرقام يتحدث الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين لـ«المجلة» بلمحة تاريخية عن أعداد اللبنانيين الدين قرروا ترك لبنان، فقال: «هجرة اللبنانيين وسعيهم إلى السفر أصبحا بالفطرة، فقد بدأت أول موجة هجرة من لبنان عام 1885، فعلى مرّ السنوات شهد لبنان موجات هجرة كبيرة خصوصا في الحرب العالمية الأولى وفي الحرب الأهلية وخلال الاجتياحات الإسرائيلية التي شهدها لبنان».
ويضيف: «يقدر عدد اللبنانيين الذي يحملون الهوية اللبنانية ويعملون خارج لبنان بمليون و300 ألف لبناني، أي ما يعادل نسبة ربع اللبنانيين المقيمين في لبنان. أمّا بالنسبة للأرقام التي تتحدث عن أكثر من 10 ملايين لبناني مهاجرين، فهذا الرقم غير رسمي ولا يوجد إحصاء رسمي، لأنّ هذا الرقم يمثل أناسا هاجروا قديما من لبنان وهم من أصول لبنانية أي إنّ جدودهم كانوا في لبنان ولا يحملون الهوية اللبنانية».
ويشرح شمس الدين أنّ «اللبنانيين الذين يعيشون خارج لبنان ينقسمون إلى قسمين، جزء منهم موجودون في أوروبا وأستراليا وهم مهاجرون لن يعودوا إلى لبنان إلا زيارات، وآخرون يعملون في الخليج وأفريقيا لمدة 20 عاما تقريبا ويعودون في النهاية إلى لبنان لأنّهم لا يتجنسون بجنسية البلاد التي يعملون فيها بعكس المهاجرين إلى أوروبا أو القارة الأميركية».
وبالأرقام يؤكد شمس الدين أنّ «نحو 600 ألف لبناني من أصل المليون و300 ألف مهاجر تركوا لبنان خلال الحرب الأهلية، والعدد نفسه هاجر من لبنان منذ عام 1990 حتى الآن. وفي السنوات الأربع الماضية مع تراجع الوضع الاقتصادي هاجر 11 ألف لبناني عام 2016، و19 ألفا في عام 2017، وفي عام 2018 وصل عدد الذين تركوا لبنان إلى 33 ألف لبناني، في حين تضاعف عدد المهاجرين إلى 66 ألفا عام 2019، منهم 19 ألفا تركوا لبنان في الثلاثة أشهر الأخيرة من العام المنصرم مقارنة بـ14 ألف لبناني تركوا لبنان عام 2018 في الفترة نفسها».


 
تصدير يد عاملة دون مقابل
ويؤكد شمس الدين أنّ «مع تدهور الوضع الاقتصادي تقدر التوقعات لعام 2020 أن يصل عدد اللبنانيين الذين قرروا الهجرة إلى 100 ألف لبناني وهذا رقم خطير خصوصا أنّ من يتركون لبنان هم من الفئات الشابة الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و40 عاما، فلبنان يخسر شبابه ولكن الإيجابية الوحيدة من الهجرة هي تخفيض نسبة البطالة».
ويختم شمس الدين: «في السابق كان لبنان يستفيد من اليد العاملة التي يخسرها عبر التحويلات المالية التي يرسلونها إلى ذويهم في لبنان، أمّا اليوم فظروف العمل في البلدان التي يهاجرون إليها مختلفة وهم بالكاد يستطيعون تأمين متطلباتهم المعيشية، فنحن اليوم نصدر يدا عاملة دون مقابل».
حال هؤلاء الشباب حال كثير من اللبنانيين، منهم من حالفهم «الحظ» ونجحوا بالرحيل لتأمين مستقبل أفضل لهم ولعائلاتهم، فقد تركوا وطن الأرز ببحره وجبله المكلل بالغار والثلج الأبيض، تركوا الأحلام والماضي والمستقبل وقرروا البداية من جديد، في وطن يحترم حقوقهم ويقدر إنجازاتهم ولا يصنفهم بحسب طوائفهم وانتماءاتهم، وينظر إليهم كأرقام في صناديق الاقتراع. هاجروا إلى أوطان لا تحتجز أموالهم في مصارفها، ولا يموتون فيها على أبواب المستشفيات وإن حالفهم الحظ ونجوا فيموتون بألف طريقة وطريقة يوميا. رحلوا من وطن الزعماء إلى أوطان المؤسسات والعدل. أمّا من بقوا فهم إما ينتظرون اتصالا من سفارة ليحققوا النجاة من المستقبل المظلم، وإما يعيشون على أمل لعلّ المستقبل يخبئ فرجًا لهذا الوطن «المنحوس».