لبنان: مزيد من الانهيار

* شعار «جيش- شعب- مقاومة» وصل إلى نهايته. نهاية طبعا ليست سعيدة، خاصة أن هذه المعادلة لم تكن يوما قابلة للحياة في بلد متعدد المذاهب والطوائف كلبنان

لم يكن ينقص لبنان سوى وصول مرض «كورونا» إلى ربوعه كي يكتمل عقد المصائب التي تضربه من كل حدب وصوب. كان سبق هذا المرض الآتي من إيران وصول بعثة الصندوق الدولي لتقديم الاستشارة لحكومة لبنان حول مواجهة عجز الدولة عن دفع مستحقاتها من سندات اليوروبوندز لحامليها. اجتماعاتهم مع الحكومة اللبنانية التي يديرها حزب الله يقال كانت سلبية لدرجة حدت بالمسؤولين الميل إلى تقديم المشورة فقط من دون الرغبة في الانغماس في الملف الاقتصادي اللبناني.
لا شيء، في الوقت عينه يستطيع منع الليرة اللبنانية من الانهيار حيث فقدت أكثر من 60 في المائة من قيمتها أمام الدولار، تماما كما أيام الحرب الأهلية، حيث تدهورت العملة الوطنية بشكل دراماتيكي وأفلس القطاع المصرفي معها.
إنذار الأفران بالإضراب لمدة ثلاثة أيام كاد أن يشعل البلد.
ما زال الاقتتال الأهلي ممنوعا حتى الساعة. ولكن إلى متى، في ظل خطاب متوتر ومذهبي يلقيه معظم الأفرقاء السياسيين غير آبهين بطرح حلول ما، إنما بألقاء اللوم على الآخرين.
لن يتأخر الوقت قبل انهيار الدولة اللبنانية رغم استعداد فرنسا كلاميا مساعدة لبنان، كما صرّح برونو لومير وزير المال الفرنسي في انتقاد ضمني لسياسة العقوبات التي تمارسها الولايات المتحدة على إيران وعلى كل من يدور في فلكها، مدعيا أن عدم الاستقرار اللبناني سينعكس على دول أوروبا والخليج وأنه يجب العمل على التفريق بين المؤسسات الرسمية وحزب الله في سياسة العقوبات.
وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية رد على لومير بشكل غير مباشر في حديثه الأخير لصحيفة «فري بايكون» أنه يدور حول العالم من أجل حشده ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، وأكد أن بلاده ستكون على استعداد لمساعدة لبنان «عندما يتحرر من سيطرة النفوذ الإيراني وحزب الله».
إذن من الواضح أن الولايات المتحدة الأميركية لن تتراجع عن سياسة الضغوط القصوى على إيران وميليشياتها أينما وجدت.
حاولت الولايات المتحدة التفريق بين مؤسسات الدولة وحزب الله في العقوبات التي فرضت من قبل وزارة الخزانة الأميركية ومن خلال تشددها مع المصارف اللبنانية لمنع رجال أعمال الحزب من استغلاله لتكتشف أن سيطرة حزب الله على لبنان ليست فقط سياسية وأمنية وإعلامية وإنما هي أيضا اقتصادية بشكل يجعل أي تفرقة بين الدولة والحزب أمرا شبه مستحيل.
أما في مسألة تأثير اهتزاز استقرار لبنان على دول الجوار، فهو أمر مبالغ فيه. فلبنان اليوم أصلا مهتز اقتصاديا واجتماعيا وماليا، من دون أن يكون لهذا الاهتزاز أي تأثير على الدول الغربية أو حتى دول الخليج. وإن كان هناك من تأثير ما على هذه الدول فهو إيجابي، خاصة فيما يتعلق بدول الخليج، ففيما دأب اللبنانيون قبل أعوام قليلة على إرسال عائلاتهم من دول الخليج إلى لبنان من أجل توفير بعض المال- خاصة مع الأزمة الاقتصادية التي تعرضت لها هذه الدول نتيجة حرب اليمن والمقاطعة القطرية- ها هم اليوم يعيدون عائلاتهم إلى هذه الدول التي آوتهم طوال سنين، ما سينعش اقتصادها حتما، خاصة أننا نتحدث عن مئات من آلاف العائلات اللبنانية القاطنة في تلك الدول.
طبعا يبقى التوجس الفرنسي من احتمال حرب أهلية لبنانية أخرى على غرار تلك التي شهدها عام 1975 قائما، فمن الواضح أن لبنان يتجه نحو أعمال عنف ما نتيجة الفقر والخطاب العنصري والطائفي لبعض القيادات السياسية، ونتيجة تلك المواجهة الأميركية لإيران والتي يتحمس لها بعض فئات المجتمع اللبناني الذي يرى في التدخل الإيراني العسكري في المنطقة تعديا على العرب. ولكن من الصعب التنبؤ أو التكهن إلى ما ستصل إليه الأمور في لبنان.
يبقى أن شعار «جيش شعب مقاومة» وصل إلى نهايته. نهاية طبعا ليست سعيدة، خاصة أن هذه المعادلة لم تكن يوما قابلة للحياة في بلد متعدد المذاهب والطوائف كلبنان لم تستطع أي من الطوائف الأساسية السيطرة عليه في ظل أعوام استقلاله.
 
ويبقى السؤال: ماذا بعد الاتهيار؟