رحيل هادئ بعد سنوات من الاضطراب

الرئيس المصري الأسبق مبارك:

* خبراء لـ«المجلة»: السياسة الخارجية للرئيس الأسبق مبارك لاقت ترحيباً وإشادة من الغرب والدول العربية... وحياته العسكرية تاريخ مشرف وبها إنجازات كبيرة

* وزير الشؤون القانونية والمجالس النيابية المصرية الأسبق: مبارك تابع قضية استرداد طابا على مدار 6 سنوات... وكان مصمماً على استرداد كامل الأرض... وكاد أن يبكي فور صدور الحكم باسترداد طابا

* مدير إدارة الشؤون المعنوية العسكرية المصرية الأسبق: الرئيس الراحل قاد معركة المنصورة أطول معركة جوية عسكرية... وكان من أكثر الناس الذين لديهم علم عسكري

* حصل على أكاديمية برونزا لأركان الحرب من الاتحاد السوفياتي التي لم يحصل عليها إلا قليلون... وهو من درب الطيارين الذين قادوا القوات الجوية في حرب 73

كاتب ومفكر سياسي مصري: الرئيس الأسبق، تعامل مع الأحداث التي مرت بها مصر خلال 2011 بدرجة عالية من الكرامة والاتزان... ولم يهرب من البلاد

* تحمل بكرامة المواجهة القانونية في ساحة المحاكم... ورفض العنف ونقل الحكم للقوات المسلحة حماية لوطنه

القاهرة: جاءت ردود الفعل على المستوى الدولي أو المحلي المصري على نبأ وفاة الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك لتكشف عن صفحة مهمة وجزء لا يمكن إنكاره من تاريخ مصر حيث تضمنت تلك الصفحة كواليس الحكم والسياسة الدولية والإنجازات والإخفاقات لثلاثة عقود حكم فيها الرئيس الراحل مصر إلا أن الثابت أن حتى معارضي الرئيس الراحل ترحموا عليه وأكدوا على دوره البارز في ترسيخ قيم السلام بالإقليم وكذلك دوره كأحد أبرز أبطال حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973.

 

رحيل هادئ

كان رحيل الرئيس المصري الأسبق رحيلا هادئًا بعد سنوات من الاضطراب عقب ما يسمى بأحداث الربيع العربي التي عصفت بحكمه بعد فترة في سدة السلطة دامت لأكثر من 30 عامًا حيث تولى مبارك حكم مصر، وعمره 53 عاما، عقب اغتيال الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات، ليبدأ رحلة حكمه في 14 أكتوبر 1981. حتى تنحيه في 11 فبراير (شباط) 2011، في رحلة حكم تعد الأطول منذ قيام ثورة 1952 التي تم الإطاحة فيها بالنظام الملكي.

وفاة مبارك جاءت عقب إجرائه عملية جراحية منذ أكثر من أسبوعين بأحد المستشفيات العسكرية المصرية حيث كشف مصدر مقرب من عائلة مبارك لـ«المجلة» أن الرئيس المصري السابق عاني يوم وفاته من مضاعفات مرضية ليتوفي فجر الثلاثاء 25 فبراير بعد تعرضه لأزمة صحية، تم وضعه قبلها على جهاز التنفس الصناعي، وجرى استدعاء أسرته بالكامل في المستشفى قبيل دقائق من وفاته.

 

السياسة الخارجية

لاقت السياسة الخارجية للرئيس الأسبق حسني مبارك ترحيبا وإشادة من الغرب والدول العربية، خلقت له أعداء في الداخل، وتعرض لمحاولة اغتيال فاشلة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا عام 1995.

ففي عهد الرئيس الأسبق اكتملت استعادة الأراضي المصرية التي كانت تحتلها إسرائيل التي انسحبت من كامل سيناء في أبريل (نيسان) 1982 وتم حل الخلاف الحدودي حول طابا بالتحكيم الدولي وانسحبت إسرائيل منها عام 1989.

يقول الدكتور مفيد شهاب، وزير الشؤون القانونية والمجالس النيابية المصرية الأسبق، في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك في تصريحات لـ«المجلة» أنه يتذكر الكثير من المواقف لمبارك، ولكن أكثر ما يتذكره متابعته لقضية استرداد طابا على مدار 6 سنوات، حيث كان قلقا ومصمما على استرداد كامل الأرض.

وأضاف وزير الشؤون القانونية والمجالس النيابية الأسبق أن مبارك كاد أن يبكي فور صدور الحكم باسترداد طابا، لافتا إلى أن مبارك اختاره رئيسا لجامعة القاهرة كنوع من التكريم والتشريف، وكان يتابع وضع الجامعات بنفسه ويلتقي بالطلاب، وكان يشعر بسعادة كبيرة عندما يتحدث مع الشباب.

ويرى كثيرون بمن فيهم معارضو الرئيس الأسبق أن مصر حافظت في عهد الرئيس الأسبق بحكم موقعها الجغرافي على سياستها الخارجية التي تعتبر علاقتها مع أفريقيا، إلى جانب الشرق الأوسط وأوروبا، محورية، حيث انتخب مبارك رئيسا لمنظمة الوحدة الأفريقية عامي 1989. و1993.

كما انضمت مصر في عهده إلى «مجلس التعاون العربي» الذي تشكل عام 1989 بعضوية العراق ومصر والأردن واليمن.

واتسمت السياسة الخارجية لمبارك بشكل عام بكونها سلمية، وظل حليفا قويا للولايات المتحدة، ما جعله وسيطا مهما في عملية السلام العربية – الإسرائيلية.

كما كان مبارك مهندسا لعودة مصر إلى الصف العربي في ثمانينات القرن المنصرم بعد نحو عقد من العزلة، بسبب توقيعها على اتفاقية السلام عام 1979 مع إسرائيل.

 

تاريخه العسكري

اتسمت الحياة العسكرية للرئيس الأسبق محمد حسني مبارك بالتميز والتفوق، لما تضمنته من أحداث وإنجازات كبيرة، من كونه طالب بالكلية الحربية إلى بطل قومي وأحد أبرز قادة حرب أكتوبر ثم رئيسًا للجمهورية.

في كتاب للكاتب أمير عكاشة بعنوان «ملوك ورؤساء صنعوا تاريخ مصر» يذكر خلاله مولد مبارك بأحد قرى محافظة المنوفية في دلتا مصر عام 1928، حيث أنهى مرحلة التعليم الثانوي بمدرسة المساعي الثانوية بشبين الكوم إحدى مدن المحافظة، وعقب انتهائه من المرحلة الثانوية، التحق بالكلية الحربية وتخرج منها بدرجة البكالوريوس في العلوم العسكرية عام 1949. وبرتبة ملازم ثان ليلتحق بعدها مباشرة بسلاح المشاة، ضابطًا باللواء الثاني الميكانيكي لمدة 3 أشهر، لتأتي لحظة فارقة في حياته عندما أعلنت كلية الطيران عن قبول دفعة جديدة بها من خريجي الكلية الحربية، فتقدم حسني مبارك للالتحاق بالكلية الجوية، واجتاز الاختبارات مع أحد عشر ضابطًا قبلتهم الكلية.

يقول اللواء سمير فرج مدير إدارة الشؤون المعنوية المصرية الأسبق وأحد أبرز القادة العسكريين المصريين في تصريحات لـ«المجلة» إن الرئيس الراحل مبارك له تاريخ عسكري منذ حرب 67 مرورا بنصر 73 مؤكدا أن الرئيس الأسبق كان له مجهود كبير في حرب الاستنزاف ومعركة المنصورة التي استمرت 52 دقيقة شارك فيها 120 طائرة إسرائيلية و80 طائرة مصرية فضلا عن دوره الكبير في مساعدة الكويت في حرب الخليج.

وأضاف مدير إدارة الشؤون المعنوية المصرية الأسبق أن الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، من أكثر الناس الذين لهم علم عسكري، لأنه حصل على أكاديمية برونزا لأركان حرب من الاتحاد السوفياتي، وتلك لم يحصل عليها إلا عدد قليل وهم الجمسي والشاذلي وأحمد إسماعيل مؤكدا أن دوره في عام 1967 معروف لجميع القادة العسكريين على مستوي العالم عندما كان قائد لواء القاذفات الثقيلة كي يو، عندما ضربت مطاراتنا، خرج بطائراته الـ13 طائرة وذهب بهم إلى مطار أسوان فضلا عن دوره في تدريب الطيارين الذين قادوا القوات الجوية في حرب أكتوبر.

يكمل الكاتب أمير عكاشة في كتابه «ملوك ورؤساء صنعوا تاريخ مصر» أن مبارك في عام 1950 تخرج من الكلية الجوية بعد حصوله على درجة البكالوريس في علوم الطيران، ثم تدرج في المناصب القيادية العسكرية، فعين بالقوات الجوية بالعريش في نفس العام ثم نقل إلى مطار حلوان 1951 للتدريب على المقاتلات، واستمر به حتى بداية عام 1953. ثم نقل إلى كلية الطيران ليدرس بها، فمساعدا لأركان حرب الكلية، ثم أركان حرب الكلية وقائدا لسرب في نفس الوقت حتى عام 1959، حيث لم يكتف بالتعليم العسكري في مصر فقط، فسافر عام 1964 إلى روسيا (الاتحاد السوفياتي سابقًا) في بعثة، ليتلقى الدراسات العليا في أكاديمية فرونز العسكرية، وليتدرب على القاذفة (إليوشن 28) والقاذفة (تي يو16)، وبعد عودته أصبح قائدًا للواء قاذفات القنابل، وقائدًا لقاعدة غرب القاهرة الجوية بالوكالة حتى عام 1966.

وفي فترة حرب الاستنزاف عام 1967. عين مديرًا للكلية الجوية، ثم ترقى لرتية عميد عام 1969 وشغل منصب رئيس أركان حرب القوات الجوية، ثم قائدًا لها 1972 قبل حرب أكتوبر بعام واحد.

 

معركة المنصورة وعيد القوات الجوية المصرية

يقول اللواء سمير فرج مدير إدارة الشؤون المعنوية العسكرية الأسبق في تصريحاته لـ«المجلة» إن الرئيس الراحل حسني مبارك هو من خطط لمعركة المنصورة التي استغرقت 52 دقيقة بين 120 طائرة إسرائيلية، و80 طائرة مصرية، وكانت نتيجتها سقوط 18 طائرة إسرائيلية، ونحن خسرنا 5 طائرات».

وتابع مدير إدارة الشؤون المعنوية العسكرية المصرية الأسبق أن معركة المنصورة هي أطول معركة جوية في التاريخ الحديث والتي يتم تدريسها في المعاهد العسكرية حول العالم، وقد انتهت بانتصار القوات الجوية المصرية على القوات الجوية الإسرائيلية حيث اندلعت المعركة الجوية في سماء المنصورة في 14 أكتوبر 1973 عندما حاولت الطائرات الإسرائيلية الانقضاض على المطارات العسكرية وقواعد الصواريخ في منطقة شمال شرقي الدلتا.

وأضاف مدير إدارة الشؤون المعنوية العسكرية الأسبق أن الطائرات الحربية المصرية تصدت بنجاح للطيران الإسرائيلي واستمرت المعركة نحو 53 دقيقة، ودمرت خلالها القوات الجوية المصرية 17 مقاتلة فانتوم إسرائيلية، رغم أن إمكانيات سلاح الطيران المصري كانت أقل من حيث قلة عدد المقاتلات ونوعية الطائرات الحربية فكانت من طراز ميغ-21 ولذلك اقترح الرئيس الراحل حسني مبارك تركيب صواريخ في طائرات التدريب لتتمكن من الاشتباك في المعركة مؤكدا أن الرئيس الراحل كان صاحب فكرة عيد القوات الجوية المصرية في يوم 14 أكتوبر من كل عام في ذكرى الاحتفال بانتصار معركة المنصورة الجوية.

 

مبارك المحب للرياضة

كان معروفا عن الرئيس الأسبق الراحل محمد حسني مبارك حبه للرياضة، وممارسته لرياضة الاسكواش تحديدًا، فنظرًا لخلفيته العسكرية، عرف بأنه رجل صاحب روتين رياضي صارم، يحافظ على ممارسة الأنشطة التي تحسن صحته العامة، ولا يدخّن وأدى اهتمام المسؤولين بها بالتبعية إلى انتشارها في الأندية المصرية، حتى أصبح اللاعبون المصريون يحتكرون بطولاتها العالمية.

ومن حب مبارك للإسكواش كان من أشد المشجعين باللاعب المصري الدولي أحمد برادة 1996. الذي اشترك في بطولة الأهرام الدولية الأولى للإسكواش التي نظمتها مؤسسة الأهرام، والتي أقيمت على هضبة الهرم الأكبر بالجيزة ورغم خسارة برادة في النهائي، فإن قوة أدائه داخل الملعب جعلت مبارك يشجعه لأنه كان يمارس رياضة الاسكواش ومتحمسًا لها، وبعد ذلك فاز أحمد بالميدالية عام 1998.

وقال أمير وجيه بطل مصر السابق للإسكواش ومدرب منتخب مصر بين عامي 1994 و2012 في تصريحات لـ«المجلة» إن الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك زاد من شهرة الرياضة في التسعينات حيث قام مبارك بزيادة التمويل الحكومي لهذه الرياضة ودعم بطولة الأهرام الشهيرة.

 

أحداث الربيع العربي

بوفاة حسني مبارك سقطت آخر ورقة من شجرة ما يسمى «ثورات الربيع العربي»، التي اندلعت بالكثير من البلدان العربية في عام 2011، حيث انطلقت الشرارة الأولى بتونس في ديسمبر (كانون الأول) 2011، وتلتها مصر في 25 يناير (كانون الثاني) 2011، ثم ليبيا واليمن، وعلى أثر ذلك تخلى رؤساء الدول الأربع عن حكم بلادهم إلا أن الرئيس الراحل لم يترك بلاده وتخلى عن حكم مصر حفاظا على وحدة واستقرار أراضيه... 

يقول الدكتور عبد المنعم سعيد الكاتب والمفكر السياسي المصري إن الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، حكم مصر في مرحلة تاريخية، هامة جدًا، ستأخذ مكانها في التاريخ المصري الحديث والمعاصر على السواء، برغم خروجه من السلطة، قبل تسعة أعوام.

وأضاف الكاتب والمفكر السياسي المصري أن الرئيس الأسبق، تعامل مع الأحداث التي مرت بها مصر خلال 2011 بدرجة عالية من الكرامة والاتزان، مقارنة برؤساء دول آخرين، في الجوار من الذين هربوا خارج البلاد أو رفعوا السلاح في وجه أهاليهم وشعوبهم لكنه لم يفعل ذلك وتحمل بكرامة المواجهة القانونية، في ساحة المحاكم، كما أنه لم يدخل في صدام وجدل حول ما حدث، أو لم يحدث لكنه قال كلمات معبرة، ومؤثرة بأن «الأمر سوف يترك للتاريخ لتقييم هذه المرحلة»، ورفض العنف. وأخيرا يحسب نقله الحكم للقوات المسلحة حماية لوطنه وأبناء وطنه.

وأوضح الكاتب والمفكر السياسي المصري أن مبارك حكم خلال 30 عامًا في السلطة حافظ فيها على استقرار مصر واجتهد بقدر كبير من أجل ذلك الغرض، إضافة إلى أن مصر تقدمت أثناء عهده تقدمًا ملحوظًا، وكان من الممكن أن تتقدم أكثر، خاصة إذا كان قد جاء قبل عام 2005، وهذه الفترة ظهر فيها دول كثيرة في آسيا، على سبيل المثال الصين، التي أصبحت من دول العالم المتقدمة.

وأكد الكاتب والمفكر السياسي المصري أن مبارك وضع أساس الكثير من الأفكار التي طبقت بعده، مثل كيف نخرج من النهر إلى البحر، فهي توجهات تاريخية جديدة ولنا في المدن الجديدة خير مثال، تلك المدن التي أصبحت مزدهرة، وقد بدأت في عهده، وهناك أشياء ستظل موضع حوار ومناقشة في التاريخ مثل ما حدث مع زعماء ورؤساء مصر السابقين.

وكان التلفزيون الرسمي المصري قد أعلن عن وفاة الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك عن عمر يناهز 91 عاما بعد صراع مع المرض لتأتي ردود فعل دولية كثيرة حيث نعت المملكة العربية السعودية وفاة الرئيس المصري الراحل حسني مبارك فبعث خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، برقية عزاء ومواساة للرئيس عبد الفتاح السيسي في وفاة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، كما بعث الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، برقية عزاء ومواساة للرئيس عبد الفتاح السيسي.

كما نعاه أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، وولي عهد الكويت الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، وملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، والرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن، وعدد كبير من أمراء ورؤساء الدول العربية.