فيروس ممزوج بنكهة دينية... والشعب الخاسر الأكبر

كورونا في إيران
* رئيس منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم جيبريسوس يقول إن وتيرة انتشار الفيروس في إيران مثيرة للقلق
* خامنئي: لقد تناقلوا خبر انتشار الفيروس ليلة الانتخابات وبدأوا الدعايات منذ فجر اليوم التالي ليحثوا الشعب على عدم الاقتراع
* كشف كورونا عن أزمة ثقة عميقة بين غالبية المجتمع والمسؤولين الذين باتت أخبار إصابتهم بالكورونا تتصدر عناوين وسائل الإعلام المحلية
 

لندن: يواصل فيروس كورونا حصد المزيد من الأرواح، منذ بدء ظهوره في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، في ووهان الصينية، وأصبحت إيران هي البؤرة الثانية له بعد الصين، حيث إن عدد المصابين وضحايا كورونا في إيران في ارتفاع مستمر، ولكن كيف حدث ذلك وكيف أصبحت إيران مركز انتشار الفيروس؟ وكيف يتعامل النظام هناك مع هذا المرض؟ 
وفي الوقت الذي يعاني فيه الشعب الإيراني من مصاعب اقتصادية واجتماعية وسياسية كثيرة، جاء كورونا ليكشف فشل النظام في التصدي لهذا المرض. المجتمع الإيراني الذي أنهكته المشاكل الاقتصادية والاستبداد السياسي تنتشر فيه جرائم على غرار القتل والتحرش الجنسي وهي الجرائم التي لا تهتم بها وسائل الإعلام، ولا تبالي بها السلطة الحاكمة.
وهو مجتمع يعاني 23 في المائة منه من الاضطرابات النفسية على غرار حالات الاكتئاب المؤقتة، غالبيتهم من الذين أخفقوا في الحصول على فرص وظيفية أو دراسية أو يعانون من مشاكل في بيئة الشغل أو الدراسة، حسب ما قاله الدكتور حسين نحوي نجاد مساعد منظمة الرعاية الاجتماعية الإيرانية لموقع «جام جم» أونلاين في 19 يوليو (تموز) 2017.
وعندما نواجه أزمات على غرار كورونا فإن أداء الحكومات سيؤدي إلى زيادة ثقة الشعب بها أو اتساع الشرخ بينهما. لقد جاء كورونا لإيران ليكشف وجها مخيفا للجمهورية الإسلامية وإهمالها لصحة الشعب، حيث تقول مواقع معارضة للنظام الإيراني ورواد الشبكات الاجتماعية إن الفيروس دخل إلى البلاد قبل ذكرى قيام الثورة في 11 فبراير (شباط) بشهر، ولكن المسؤولين تكتموا على الأمر ليحثوا الناس على المشاركة في مسيرات 11 فبراير وفي الانتخابات التشريعية في 21 فبراير. وقد حاول المسؤولون الإيرانيون وعلى رأسهم المرشد علي خامنئي في البداية أن يقدموا كورونا على أنه «من صناعة أعداء الجمهورية الإسلامية». فبدلا من فرض الحجر الصحي على مدينة قم (بؤرة انتشار الفيروس في البلاد) كثرت نظرية المؤامرة بين مسؤولي النظام قائلين إن انتشار كورونا من قم «مؤامرة» أميركية وغربية لـ«تشويه سمعة» المدينة.
يذكر أن خطيب جمعة قم، محمد سعيدي، هو أول من طرح هذه المزاعم قائلا إن «ترامب سيأخذ أمنية هزيمة قم معه إلى القبر». وعارض سعيدي نصائح مجلس محافظة قم حول ضرورة فرض القيود على زيارة مرقد السيدة معصومة. وقالت صحيفة «كيهان» المقربة من المرشد بعد أسبوع على تفشي الوباء في البلاد إن الولايات المتحدة لعبت دورا في صناعة الفيروس وتطويره لتوجيه الضربة لمنافسيها.
وفيما أعلن رئيس منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم جيبريسوس بأن وتيرة انتشار الفيروس في إيران مثيرة للقلق، قال خامنئي: «لقد تناقلوا خبر انتشار الفيروس ليلة الانتخابات وبدأوا الدعايات منذ فجر اليوم التالي ليحثوا الشعب على عدم الاقتراع (في انتخابات مجلس الشورى)». 
واستمرت التصريحات الرسمية ليكمل الرئيس حسن روحاني نظرية المؤامرة حول كورونا في البلاد بقوله إن ذلك «خطة الأعداء ليبثوا الرعب بين الشعب وشل البلاد».


وبالتالي لم يرضخ المسؤولون لتجربة سائر البلدان على غرار الصين حول جدوى فرض الحجر الصحي على مدينة قم، مما أدى إلى تسارع وتيرة انتشار الفيروس إلى المدن الأخرى في أقل من أسبوع. وتعتبر مدينة قم العاصمة الدينية لإيران، حيث مرقد السيدة معصومة والكثير من الأماكن الدينية التي تستقطب الزوار الشيعة. 
وعزت مواقع إيرانية معارضة سبب انتشار كرونا في قم إلى وجود 700 طالب من الصين يدرسون في جامعة المصطفى الحوزوية في قم، ولم يتم منعهم من دخول البلاد بعد تفشي الفيروس في الصين مما أدى إلى تكذيب الخبر من جهات رسمية.
وبعد أن وجد الشعب أن النظام وعلى غرار الأزمات الأخرى لن يقف إلى جانبهم في أزمة كورونا بدأوا يشعرون بالرعب أكثر فأكثر. وقامت السلطات الإيرانية باعتقال الأفراد الذين يقومون بنشر التوعية حول مدى انتشار المرض في المدن ونقص التجهيزات الطبية في المستشفيات، والجثث المتراكمة في مستشفيات قم في أوائل الأزمة، ودفن الجثث من دون الالتزام بالتوصيات الطبية، على مقربة من البيوت، وأعلنت عددا من الحلول الحكومية مثل تشكيل فرق مؤلفة من 300 ألف من أعضاء قوات التعبئة لفحص الأفراد في بيوتهم والتأكد من سلامتهم وإعطائهم نصائح طبية بشأن ضرورة البقاء في بيوتهم. الأمر الذي أثار استياء واسعا في الشبكات الاجتماعية وبين الخبراء الطبيين الذين حذروا من فشل هذه الخطة التي قد تشكل مصدرا جديدا لانتشار الفيروس من قبل هذه الجماعة المتنقلة من بيت إلى بيت. واعتبر رواد الشبكات الاجتماعية بأن هذه الخطوة الخطيرة لا تضع حدا لانتشار الفيروس بل ستساهم بانتقاله بشكل أكبر ويطالبون بعدم فتح الأبواب أمام قوات التعبئة الذين كان لهم دور في قمع الحركات الاجتماعية والسياسية في البلاد.
وحذر الدكتور مصطفى سيد مير رمضاني، مساعد رئيس جامعة العلوم الطبية في أصفهان من القيام بمثل هذه الإجراءات قائلا: «كأن السيد وزير الصحة لم يميز بين فيروس كورونا والبكتيريا التي تتسبب في مرض السل. قدرة كورونا على الانتقال تزداد قوة، فإن أفضل وسيلة لمكافحة كورونا هو التوعية العامة ومتابعة حالات الإصابة ورصد أقرباء المصابين».
وأضاف: «قد تنقل هذه المجموعات البشرية الفيروس من بيت إلى بيت عن طريق ملابسهم وتجهيزاتهم الطبية وحتى إلى عوائلهم وأصدقائهم مما سيشكل كارثة كبيرة».
وقد وجد الناس بأن النظام الذي كذب عليهم سابقا بشأن إسقاط الطائرة الأوكرانية وأرسل قواته المدججة بالسلاح لقمع المحتجين المستائين من الظروف المعيشية المتدهورة والغلاء والبطالة سيكذب عليهم مرة أخرى بشأن كورونا.
يقول بعض المراقبين بأن النظام الإيراني قام بإخفاء انتشار كورونا في البلاد بسبب علاقاتها الوطيدة مع الصين والناتجة عن العقوبات وسياساته المعادية للعالم؛ إذ أصبح الاقتصاد الإيراني شيئا فشيئا تابعا للصين. لقد أنكر المسؤولون تصريحات نائب مدينة قم في بدايات انتشار المرض حيث تحدث عن وفاة 40 شخصا في قم تم تسجيل أسمائهم وعناوينهم.
وحصل ما حصل، حيث أصيب إيرج حريرجي نائب وزير الصحة، بكورونا. وكان حريرجي من ضمن الذين فندوا الانتشار الواسع لكورونا. وعندما صارت أخبار الوفيات والضحايا تنشر في وسائل الإعلام المعارضة أو «المعادية» على حد قول النظام، بادرت السلطات بإضفاء هالة «أمنية» على كورونا وصار الحديث عن أوضاع المستشفيات وحالات الإصابة المنتشرة من قبل المعارضين «تهديدا أمنيا» وهددت السلطات الإيرانية بـ«التعامل بالحزم» مع الذين يقومون بنشر الحقائق عن كورونا.
لقد تبنى نظام الجمهورية الإسلامية نظرة مذهبية أمنية في مواجهة كورونا وذلك بدلا من اعتماد نهج علمي وعملي، بهدف تضمين بقائه في السلطة. هذه النظرة الدينية الأمنية تفرض نفسها على مراكز صنع القرار خلال السنوات الحادية والأربعين الماضية من عمر الجمهورية الإسلامية.


ويأتي كورونا ليشكل تحديا لنظام الجمهورية الإسلامية، فلا تستطيع الجمهورية الإسلامية التغلب عليه من خلال استخدام وسائل القمع والاعتقال والاعترافات الإجبارية واتهامه بالارتداد وإقصائه عن المشهد. 
ويبقى رجال الدين والمتشددون، وعلى رأسهم المرشد، الذي يرى نفسه نائبا للإمام المعصوم على الأرض، مكتوفي الأيدي في مواجهة الفيروس، ولكنهم لا يقبلون الإذعان لآراء المتخصصين والخبراء في هذا المجال.
في هذه الظروف وفي ظل الحكومة الدينية وغياب وسائل الإعلام المنتقدة وحرية التعبير والوعي تنتشر الخرافات والمعلومات غير العلمية كافة في المجتمع، بهدف التخلص من كورونا على غرار قراءة الأدعية.
وكان انتشار فيديو عن شخص أقدم على لعق ضريح الإمام الثامن للشيعة في مدينة مشهد إحدى نتائج أداء النظام خلال الأعوام الأربعين الماضية والترويج للخرافات والوسائل غير العلمية لعلاج المشاكل. عندما يرد مسؤولو إدارة ضريح السيدة معصومة على مطالبات بإغلاق الضريح قائلين إن الفضة المستخدمة فيه تمنع انتقال الفيروس، ويدعي محمد سعيدي خطيب جمعة قم والمسؤول عن إدارة ضريح السيدة معصومة في مقطع فيديو مسرب قبل الاحتجاجات في 2009 بأن خامنئي تكلم بعد ولادته مباشرة، قائلا: «يا علي» أو عندما يبرز جدل حول طريقة غسل المتوفين بكورونا ودفنهم في الوقت الذي يطالب فيه الناس بتوفير أبسط معدات الحماية لهم من الفيروس أو عندما يقول ممثل الولي الفقيه لإدارة شؤون مسجد جمكران في قم والرئيس السابق لمنظمة الشهيد محمد حسن رحيميان إنه كان شاهدا على لقاءات سرية بين المرشد خامنئي والإمام المهدي (يزعم الشيعة أنه غاب عن الأنظار ولكنه على قيد الحياة) وأوضح في تصريحات أدلى بها في فبراير 2017 بأن عدد اللقاءات كان 13 مرة في سرداب مسجد جمكران في مدينة قم وأن خامنئي يتخذ الكثير من القرارات بعد لقاءاته السرية مع الإمام المهدي، فماذا يمكن أن نتوقع من نظام يتبنى زعماؤه هذه النظرة غير مزيد من التصرفات والتصريحات الغريبة.
ویقع جمكران على بعد 6 كيلومترات من مدينة قم، ويدعي النظام أن الإمام المهدي أمر بإنشاء المسجد.
لقد كشف كورونا عن أزمة ثقة عميقة بين غالبية المجتمع والمسؤولين الذين باتت أخبار إصابتهم بالكورونا تتصدر عناوين وسائل الإعلام المحلية. فئة من المجتمع وعدد كبير من رواد الشبكات الاجتماعية يتبنون نظرة الشك إلى مدى صدق المسؤولين حول أخبار إصابتهم بالفيروس ويعتبرون أن ذلك ليس حقيقيا بل إن بعضهم يتظاهرون بالإصابة بكورونا للتملص من مسؤولياتهم والبقاء في البيت والوقاية من المرض. ويقول البعض إن عددا من المسؤولين يسعون لتقديم كورونا على أنه أمر عادي والادعاء بأنهم تحسنوا بعد العمل بالتوصيات الطبية والأدعية والصلاة، و...! وقام عدد من رواد الشبكات الاجتماعية بالتعبير عن عدم ثقتهم بإصابة المسؤولين بكورونا بقولهم: «لا نصدقكم ما دمتم أحياء»!
ولمسألة تهريب التجهيزات الطبية والمواد المعقمة والغسيل والكمامات حكاية أخرى طويلة تكشف مدى استغلال الجهات الحكومية والدوائر المقربة من الحرس الثوري والمرشد للأزمة، حيث يشكلون مافيا مرعبة في أركان النظام تقوم باحتكار المستلزمات الطبية مما تسبب في نقص المعدات الطبية والكمامات والغسيل في البلاد في وقت ينبغي فيه إيصال كل الخدمات للمراكز الصحية والمستشفيات للتقليل من الهلع والقلق في أوساط المجتمع.