بعد وصمهم بالفيروس: كفى عنصرية... نحن لسنا «كورونا»

«المجلة» تلتقي شباباً صينيين في بريطانيا
* كان من الممكن أن تحدث هذه المصيبة لأي دولة ولأي أمّة، ما يعني أننا لسنا متّهمين
* يعتقدون أن الأمر مضحك لكنه ليس كذلك، ومن غير اللائق الضحك على مأساة الشعوب
* نحن لسنا فيروساً، هذا ليس ذنبنا
* البعض يعتبرون الأقنعة الطبية زياً صينياً
* الجثث ليست في الشوارع كما يقولون، والصور التي ينتقيها الإعلام لا تنقل الحقيقة كاملة
* انتشرت محال في مختلف دول العالم منعت بكل صراحة دخول الصينيين إليها

لندن:تلاحقهم نظراتُ تعاطف أحياناً، وتهديد أحياناً أخرى، فضّل كثير منهم الاعتكاف في البيوت إلا للضرورة، رغم عيشهم في مدنٍ تخلو من «الفيروس العدوّ»، لكنها لم تخلُ من العنصرية.
ذوو الملامح الآسيوية يعيشون اليوم عنصريّة فجّرها فيروس كورونا المستجدّ الذي بدأ من مدن صينية، ما جعل الفيروس مرتبطا في أذهان البعض، بمواطني شرق آسيا كتهمة، رغم انتشاره بشكل واسع حول العالم.

 




سو هانغ، في حديث لـ«المجلة»

 


«المجلّة» تابعت ما يتم نشره على مواقع التواصل الاجتماعي حول الإساءات التي تستهدف الآسيويين عموماً، ولاحقت الوسوم (الهاشتاغات) الدارجة، في ظل انتشار فيروس كورونا حول العالم، كما حاورت «المجلة» شباباً صينيين، حملت آلامهم ونقلتها لكم عبر صفحاتها.
سو هانغ، طالبة صينية تعيش في مدينة نوتنغهام البريطانية، أبدت تعاطفاً مع أصدقائها الذين تعرّضوا لمواقف عنصرية بسبب ملامحهم: «كان من الممكن أن تحدث هذه المصيبة لأي دولة ولأي أمّة، ما يعني أننا لسنا متّهمين. شخصياً لم أواجه مواقف عنصرية، لكنني سمعت الكثير عن الأمر، معظم من يأخذون الأمر بجدية ويرتدون الأقنعة يُتّهمون بأنهم مرضى، وكثيرون من الصينيين تعرضوا للضرب والعنصرية، سمعت الكثير في مجموعات المحادثات الصينية عن ذلك، أتفهّم أن الأمر قد يكون من منطلق الخوف على الصحة، لكنني لا أتفهّم أبداً التصرفات غير المنطقية تجاه الصينيين».
وتابعت في حديث لـ«المجلة»: «الأمر محزن للغاية، وأنا حزينة أنني بعيدة عن أسرتي وعائلتي، واحتجت وقتاً طويلاً للاستقرار نفسياً بعد الأخبار، أخشى على أسرتي، وأحاول إقناعهم طوال الوقت بالتوقف عن الخروج من المنزل، حتى إنني بكيت عدة مرات في محاولة لثنيهم عن الخروج من المنزل وإقناعهم بجدية الموضوع، لكن والدتي مصرّة على أداء واجباتها تجاه طلّابها كمعلمة».
ولدى سؤالها عن مدينة ووهان، ابتسمت وقالت: «درست فيها أربع سنوات، هي مدينة جميلة بالفعل، يؤلمني أن الناس هناك يعيشون وضعاً صعباً ومرعباً، رغم أن الحكومة تقوم بواجبها على أكمل وجه، إلا أن الوضع مؤلم، وأخشى على أصدقائي هناك بشدّة»، واستطردت: «الوضع ليس كما تنقله وسائل الإعلام، بعضه حقيقيّ، لكن الكثير منه ليس كذلك. لقد تواصلت مع أساتذتي في مدينة ووهان، وبرغم أن الوضع مخيف قليلاً، لكنهم بخير وحياتهم بخير، حتى إن أحد أصدقائي أُصيب بالفيروس وأعتقد أنه تعافى الآن. الجثث ليست في الشوارع كما يقولون، والصور التي ينتقيها الإعلام وينقلها عن المدينة لا تنقل الحقيقة كاملة، الدولة غير مقصّرة بل إنها تتعامل مع الأمر بجدية وسارعت لاتخاذ الإجراءات اللازمة. هذه المصيبة لها فوائدها، أنا أشعر بالفخر بمدينتي، وهو أمر جعلنا أقرب لبعضنا».

 




جونثان موك، من سنغافورة، تعرض للضرب بتهمة «كورونا»

 


 
الاعتداءات لا تقتصر على الصينيين
«كل الأمراض تأتي من الصين»، «أنتم الفيروس»، «مرضى حقيرون»، عبارات عنصرية نقلها ضحايا العنصرية عن معتدين، اختاروا ضحاياهم بناءً على ملامحهم، كما كل عنصري آخر.
جيرابراباسوك، أميركية تايلندية الأصل، تعرضت لعنف لفظي من قبل راكب في مترو الأنفاق في لوس أنجليس، استمرّ بالصراخ في وجهها لأكثر من 10 دقائق، حمّل خلالها الصين مسؤولية كل أمراض العالم. وفي فيديو نشرته على «فيسبوك» موثقة الحادثة، قال المُعتدي: «الشعب الصيني مُهلِك ومسؤول عن كل الأمراض في العالم، هم أذكياء نعم، ولكنهم لا ينظّفون أنفسهم» ناعتاً إياها بـ«المقرفة».
جونثان موك أيضاً (23 عاماً)، من سنغافورة، تعرّض للضرب المبرّح في شارع أكسفورد، أحد أكثر الشوارع ازدحاماً في العاصمة البريطانية لندن، وفي منشور له عبر «فيسبوك» قال إن رجلا مع ثلاثة آخرين وامرأة قالوا له بضع كلمات عن فيروس كورونا ثم اعتدوا عليه.
وأضاف أن أحد المعتدين قال له: «لا أريد فيروسك في دولتي»، قبل أن يضربه على وجهه ويتسبب له في نزيف حاد، سارع بعدها المعتدون إلى الهرب قبل وصول الشرطة. وقد أعلنت الشرطة أن موك تعرض لعدة كسور في الوجه، وقد يحتاج إلى جراحة ترميمية.
وتابع: «العنصرية ليست غباء، العنصرية كراهية. يجد العنصريون دائماً أعذاراً لتوضيح كراهيتهم. وفي هذه الأحداث الحالية لفيروس كورونا، وجدوا عذراً آخر... العنصرية موجودة في كل الدول».
 
النكات تلاحق الصينيين
وفي عنصرية من نوع آخر، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي نكات و«ميمز» تتناول قضية الفيروس ومواطني شرق آسيا بأسلوب ساخر، وتربط المرض بأهالي تلك المنطقة فقط، في ربط غريب وغير منطقيّ، كما تداول روّاد هذه المواقع هاشتاغ #coronaphobia(كورونافوبيا)، استخدموه للتوعية بالمرض أحياناً، وللسخرية منه ومن حامليه أحياناً أخرى.
وعليه علّقت سو هانغ: «الضحك على الموضوع غير مقبول، هذا يحدث للصينيين فقط، ماذا لو بدأ الفيروس من دولة أخرى؟ الناس لا يملكون الحق في فعل ذلك، علينا أن ندافع عن أنفسنا وأن نوقف هذه التصرفات الغبية ضد أهلنا وأصدقائنا».
فيكتور جويو، شابة صينية تدرس علم النفس في بريطانيا، علّقت على الموضوع في حديث لـ«المجلة»: «الأمر مضحك! لأنه فيروس، ولا تستطيع أن تحكمه بدولة معينة. تابعتُ بعض النكات على مواقع التواصل الاجتماعي، لم أشعر أنني بخير، لكنني حاولت تجنب هذه المنشورات. أعتقد أنه أمر لئيم وعنصري ولا نستطيع مناقشة هذا النوع من الناس، أقول لهم: استيقظوا!».

 




لافتة عند مدخل بار في إيطاليا، تمنع دخول الصينيين، أزالتها الشرطة لاحقا

 


 
محال تمنع دخول الصينيين
الفيروس انتشر رسمياً في دول عدة، ولم يعد حكراً على الصين أو شرق آسيا، حيث تشير الأرقام الرسمية إلى 3500 إصابة في إيران على سبيل المثال، ونحو 3000 في إيطاليا، بينما وصلت أعداد الإصابات حتى تاريخه إلى 300 فقط في اليابان. ورغم ذلك، فإن الممارسات العنصرية تتفاقم بحق الصينيين كمتّهمين رئيسيين بفيروس لا ذنب لهم في انتشاره.
وفي سياق متصل، تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صوراً كثيرة لمحال في مختلف دول العالم تمنع بكل صراحة دخول الصينيين إليها، عازية ذلك إلى «حماية زوارها». الأمر الذي أثار حفيظة الكثيرين على مواقع التواصل الاجتماعي، وفجر حملات مضادّة للدفاع عن مواطني شرق آسيا.

 




صورة من موقع «تويتر»، للافتة محل في فيتنام تحظر دخول الصينيين

 


 
حملات مضادّة
انتشر هاشتاغ #JeNeSuisPasUnVirus #imNotAVirus(أنا لست فيروساً) باللغتين الإنجليزية والفرنسية، بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، ما يعكس حجم المعاناة التي لا يعيشها الصينيّون فحسب، بل الشرق آسيويّون حول العالم.
زينغهاو ليو، شاب صيني يدرس في جامعة نوتنغهام، قال بحزن: «نحنا لسنا فيروساً!»، «هذا ليس ذنبنا، لا نريد لذلك أن يحدث، بل نحن أشخاص لطيفون ولا نتعامل مع الناس بعنصرية. سمعت الكثير عن معاناة أصدقائي من مواقف عنصرية وكلمات جارحة، وحتى اعتداءات جسدية، وعلينا حماية أنفسنا من هذه الممارسات» وأضاف لـ«المجلة»: «لا يعرفون ما نعاني منه في الصين ولا يفهمون الأمر، يعتقدون أن الأمر مضحك لكنه ليس كذلك، ومن غير اللائق الضحك على مأساة الشعوب. أنا أتجنب الخروج من المنزل الآن». 
وعن ارتداء الأقنعة الطبية قال: «البعض يعتبرون الأقنعة الطبية زياً صينياً، لذلك تعرض الكثير من الآسيويّين للهجوم بمجرد ارتدائه، لكنه ليس كذلك، القناع الطبي مهم للحماية من الأمراض».
واستطرد: «أنا غاضب بشدة، لأن الإعلام يجتزئ الأخبار وينقلها وهو ما يؤثر فعلاً على الناس. أقرأ الكثير من الأخبار السيئة عن الصين التي ينتقيها الإعلام بعيداً عن الأخبار الإيجابية، ويؤثر على الناس بعناوين سيئة، على الناس أن تقرأ الأخبار بحكمة أكبر».

 




زينغهاو ليو، في حديث لـ«المجلة»

 


 
لماذا ارتبط الفيروس بالصين؟
ما حدث أن الفيروس بدأ بالانتشار نهاية العام الماضي 2019. حتى أعلنت السلطات الصحية الصينية مطلع يناير (كانون الثاني) 2020 أنها تمكنت من عزل وتحديد نوع الفيروس الذي يطلق عليه اسم «2019 إن-كوف» وينتمي إلى عائلة الفيروسات التاجية، التي تشمل السارس (متلازمة الجهاز التنفسي الحادة الوخيمة)، وميرس (متلازمة الجهاز التنفسي في الشرق الأوسط)، وينتشر عبر القطيرات المحمولة جواً.
وبعد يومين، وتحديداً يوم 9 يناير 2020. أعلنت الصين عن أول وفاة ذات صلة بـكورونا في ووهان. ورغم أن معدل الوفيات المرتبط بكورونا منخفض نسبياً مقارنة بسارس، لكنه لا يزال ينذر بالخطر.
 
إجراءات الوقاية
بحسب منظمة الصحة العالمية فإن فيروس كورونا الذي يصيب البشر، تتراوح أعراضه بين نزلات برد بسيطة، والتهاب رئوي أو التهاب حاد في الجهاز التنفسي.
وذكر الدكتور أمجد الخولي، استشاري وبائيات منظمة الصحة العالمية، أن منظمة الصحة لم تصرح حتى الآن بعلاج محدد للفيروس المستجد، ولكنه ذكر عدة خطوات للحماية من الفيروس، تمثلت في النظافة الشخصية، واتباع آداب العطاس والسعال بتغطية الأنف والفم، وتجنب المخالطة اللصيقة مع من لديه أعراض مرض في الجهاز التنفسي، بالإضافة إلى طهي الطعام بشكل جيد، وتجنب التعامل غير الآمن مع الحيوانات.
وعليه، لم تذكر منظمة الصحة العالمية أي إرشادات لتجنب أشخاص بناء على ملامحهم أو جنسياتهم أو انتماءاتهم وأصولهم..