لبنان مش قطعة «سما»

 * أحد أسباب التخلف الذي يعيشه لبنان من جراء الفلسفة التي رسخت مفهوم الطائفية والولاء الأعمى للزعيم الطائفي


على مدى عقود ظّن اللبنانيون أن بلدهم هو بالفعل قطعة من سماء، ولو كان الأمر كذلك قبل عقود من الزمن خلت فما فعله اللبنانيون بوطنهم الجميل كان كفيلا لتحويله إلى بلد أبعد ما يكون عن صفاء السماء بفعل عدم قدرتهم على إدارة هذا البلد اقتصاديا أو سياسيا أو تنظيمه مدنيا، فظل البلد في حالة من الركود بينما العالم من حوله يتغير ويتطور إلى الأحسن والأفضل.
وتعاقبت على لبنان رجالات سياسية كثيرة مرّت عليها حروب وثورات وفتن وفورات اقتصادية متقطعة من دون أن تعتبر من تلك التجارب وتقدم على تطوير النظام أو إصلاح مكامن الخطأ فيه. 
هكذا ظل النظام مؤسساً على مبدأ المحاصصة الطائفية، ينتقل بالبلد وناسه من مأزق إلى آخر، اقتصادي وبيئي ومالي واجتماعي، على خلفية توتير مذهبي دائم، وتحريض طائفي، مما أدى إلى اقتتال وحروب أهلية منذ الاستقلال، ولكن رغم ذلك لم يحاسب الناس هذا النظام الذي أفقرهم وهجّرهم وقتلهم، فظلوا أسرى ولائهم للطائفة والزعيم.
وكان لهذا النظام منظّرون، وما زال، جعلوا من موضوع تعايش المسيحيين والمسلمين في بلد واحد إعجازا، على دول العالم مراعاته على الدوام كونه مثالا نادرا يحتذى به. منظّرو هذا «الإعجاز» يتحدثون عن فرادة النظام اللبناني وتعقيداته أيضاً التي لا يفهمها أحد على ما يبدو غيرهم من أجل إبقاء المساعدات المالية والاقتصادية الآتية من محيطه العربي، ومن دول الغرب أيضاً، قائمة. فليس هناك أنبل من مساعدة وطن معقد وصعب ولكنه يسعى لتعايش الطوائف فيه، نعم يسعى، لأنه حتى هذا التعايش لم يكتمل يوما أو لم يكن دائما هادئاً ومن دون اضطرابات.
لم يبخل العالم العربي والغربي على لبنان بالمساعدات، وظن اللبنانيون وطبقتهم السياسية أن هذه المنة ستدوم ولن تتوقف، وأنه ليس عليهم تحويل تلك المساعدات إلى مشاريع اقتصادية ذات جدوى تخلق فرص عمل، وبدورها تدر على خزينة الدولة أموالا تستطيع بها تمويل مصاريفها ومشاريعها وتطوير البلد.
الأمثلة كثيرة على فساد الطبقة السياسية التي لم تجهد يوما للعمل من أجل لبنان والمصلحة العامة. نحن اليوم بلد من دون كهرباء منذ أن انتهت الحرب الأهلية، أي منذ أكثر من ثلاثة عقود، أقل من 15 في المائة من طرقات لبنان صالحة للسيارات، لا نملك خطة للنفايات، وهذا غيض من فيض، رغم كل الاستدانة والمساعدات من الصناديق الدولية والبنك الدولي والدول العربية الشقيقة والدول الأوروبية التي بدأت مع انتهاء الحرب الأهلية... لكن منظري النظام سيقولون لسائلهم عن أسباب.
اليوم لم تعد تريد أي من الدول مساعدة لبنان من دون شروط، نتيجة فضائح فساد الطبقة السياسية التي نهبت أموالا كانت مخصصة لمشاريع تؤدي لتحسين وتطوير حياة الشعب اللبناني. 
في نهاية المطاف حكومات تلك الدول، لا سيما الدول الغربية، مسؤولة أمام شعبها عن طريقة صرف أمواله المحصلة من قبلها على شكل ضرائب، من هنا يبحث البرلمان الأوروبي اليوم عن مليارات الدولارات التي قُدمت للبنان من أجل استثمارها في مسألة معالجة النفايات التي تبخرت أو دخلت جيوب الطبقة السياسية ومقاوليها المقربين من دون تنفيذ أي من هذه المشاريع التي استدعت الاستدانة والهبة.
طبعا موضوع «التعايش» لم يعد محفزا لكل الدول الصديقة للبنان التي لطالما ساعدته في محنه. لبنان ليس مثالا وحيدا في العالم في موضوع تعايش مذاهب مختلفة أو ديانات مختلفة أو إثنيات مختلفة، خاصة أن العالم أصبح، كما قيل، قرية صغيرة يتعايش فيها الجميع، وعلى هذا أصبح الناس أكثر استعدادا لتقبل الآخر باختلافاته مهما كانت. هكذا يرى شباب اليوم العالم وهكذا يتفاعل معه.
وشباب لبنان ليس بمنأى عن التغيير الذي أصاب العالم بفضل تطور وسائل التواصل بين أبنائه بشكل مذهل. فمسألة تعايش الأديان بالنسبة لعدد كبير من شباب لبنان ليس إنجازا بل مجرد أمر طبيعي لا يحتاج إلى فلسفة ومنظرين وكتاب، وهو ليس سببا لعدم تطوير البلد أو استباحته من قبل الفاسدين من الطبقة السياسية.
وهم يدركون اليوم أن أحد أسباب التخلف الذي يعيشه لبنان من جراء هذه الفلسفة بالذات التي رسخت مفهوم الطائفية والولاء الأعمى للزعيم الطائفي.
الشباب اللبناني استفاق على واقع مزرٍ لا ينفع معه العلاج. اكتشفوا أن لبنان «مش» قطعة سما، وأن جرائم أسلافهم في حق الطبيعة والمجتمع والاقتصاد بحاجة لعشرات السنين من أجل إصلاحه شرط تغيير النظام.