إدلب وسيزر واللاجئون: السباق مع الوقت

* ما من شعب ضحى من أجل الحرية كما فعل السوريون، وما من عُنف مورس بحق شعب كما مورس بحق السوريين، فهل بعد كل هذه العذابات والتضحيات يُترك مصيرهم ليقرره الآخرون على هامش اجتماعاتهم

في سوريا حدثان متلازمان لم يستطع أحدهما أن يلغي الآخر، فمنذ تسع سنوات انطلقت ثورة سلمية ضد نظام بشار الأسد، فرد الأسد بإعلان الحرب على السوريين متذرعا بحجة الإرهاب. عندما لم يكن المتظاهرون يملكون سوى حناجرهم، كانت مدفعية الجيش السوري وعناصره تدك المدن وتعتقل المدنيين وتقتلهم. بعد تسعة أعوام. صارت سوريا تشهد حروبا ونزاعات دولية وإقليمية مرات بأدوات سورية وأخرى دون الحاجة حتى لهذه الأدوات.
منذ أسابيع تشهد محافظة إدلب ومدنها معارك بين الجيش التركي والجيش السوري واشتباكات مباشرة لأول مرة منذ بداية الثورة السورية. لإدلب أهمية استراتيجية بالنسبة لتركيا كما الأمر بالنسبة لروسيا ونظام الأسد، فشلت الاتفاقات بين الجانبين الروسي والتركي ومعهما الإيراني بتحييد إدلب كما كان يتمنى الرئيس التركي، عن الصراع الدائر في سوريا. روسيا أيضا تحت اسم مكافحة الإرهابيين، تسعى لفرض سيطرتها والجيش السوري على كامل الجغرافيا السورية باستثناء المناطق الشرقية حيث التواجد الأميركي، قبل دخول قانون قيصر حيز التنفيذ في بداية الشهر السادس يونيو (حزيران)، حيث سيطال روسيا ويكبل من قدرتها على استخدام العسكرية في سوريا، فقانون سيزر يعاقب كل «شخص أو مقاول عسكري أو مرتزق أو قوة شبه عسكرية يعمل عن عمد بصفة عسكرية داخل سوريا لصالح حكومة سوريا أو باسمها أو حكومة الاتحاد الروسي أو حكومة إيران»، كما نص القرار. 
بينما يسعى إردوغان إلى إقامة منطقة آمنة تخلصه من عبء لاجئين جدد قد يصلون بلاده نتيجة المعارك الجارية، فما يُقارب الـ800 ألف هُجروا من منازلهم في إدلب مؤخرا، دون أن يصلوا إلى تركيا، يهربون من القصف إلى المجهول.
هدد إردوغان بإرسال اللاجئين الموجودين في تركيا إلى أوروبا ونفذ تهديده على غير عادته، فسارعت الدول الأوروبية لإيجاد حل يلبي طموحات إردوغان بمناطق آمنة، لا أحد يرغب في مزيد من اللاجئين. لقد تحول المدنيون إلى لاجئين، واللاجئون إلى ورقة ضغط تستخدمها الدول والسياسيون في صراعاتهم، حتى وصل الحال إلى أن يستشهد نواب لبنانيون من تكتل الرئيس عون بما يقول ويفعل إردوغان، حيث كتب النائب جورج عطا الله: «الحل هو أن نعبئ عدة مراكب بالنازحين ونبعتها على أوروبا».
في الواقع، ما يحصل في إدلب هو تتمة لما يحصل في سوريا منذ بدء الاتفاقات الروسية الإيرانية التركية، المعروفة بسوتشي وآستانة، فبينما كان إردوغان يمني نفسه والسوريون معه بمناطق خفض التصعيد، كان الروسي بالتعاون مع الإيراني والنظام السوري يعملون على قضم المناطق الواحدة تلو الأخرى، فما فشل الأسد في السيطرة عليه بالجملة، سمحت له هذه الاتفاقيات بالسيطرة عليه بالمفرّق.
مأساة السوريين مستمرة، كذلك ثورتهم وإن خف وهجها بسبب كمية العنف والدمار، والجميع في سباق مع الزمن ومع قانون قيصر، ولكن لا استراتيجية حل، بل إن تكتيكات الحرب هي المستمرة. الغائب الأكبر عن كل ما يحصل في سوريا اليوم هو المعارضة السورية «الرسمية»، بالكاد يُسمع لهم صوت إن طلبت الدول الراعية إسماع صوتهم. ولكن هل تعجز المعارضة السورية المدنية الملتزمة بالثورة وسوريا الجديدة المدنية الديمقراطية في الذكرى التاسعة لانطلاقتها عن الاجتماع لتقييم أخطاء وخطايا السنوات الماضية، هل هم عاجزون عن إيجاد مشروع وطني يحقق ولو القليل من طموحات السوريين وتضحياتهم. ما من شعب ضحى من أجل الحرية كما فعل السوريون، وما من عُنف مورس بحق شعب كما مورس بحق السوريين، فهل بعد كل هذه العذابات والتضحيات يُترك مصيرهم ليقرره الآخرون على هامش اجتماعاتهم.