المملكة تكافح الإرهاب من «قلب العالم»

مشروع أممى ينطلق2021 بتمويل سعودي-روسي مشترك لمكافحة الاتجار غير المشروع في الأسلحة
* مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب:بفضل الدعم السعودي، نقيم حاليًا 38 مشروعًا لمكافحة الإرهاب حول العالم، إضافة إلى الخدمات المتعلقة بحقوق الإنسان
جاء الاهتمام الأممي بهذه المنطقة ذات الأهمية الجيواستراتيجية بحكم موقعها الجغرافي الذي يُمكنها من السيطرة على الممرات البرية والجوية الرابطة بين كثير من مناطق العالم
* في حالات النزاع، غالبًا ما تستخدم الأسلحة الصغيرة لارتكاب تجاوزات وانتهاكات في مجال حقوق الإنسان والقانون الإنساني، بما في ذلك القتل الجماعي والتشريد القسري والعنف
* جاء توجه موسكو إلى ضرورة التعاون مع المملكة العربية السعودية في مجال مكافحة الإرهاب، باعتبارها الدولة صاحبة الرصيد الأكبر من الخبرة في هذا المجال
* من الأهمية بمكان العمل جاهدين من أجل مواجهة هذا النوع من الأسلحة التي قد تبدو بسبب طبيعتها الخفيفة والصغيرة أن تأثيراتها محدودة، إلا أن هذا التصور غير صحيح
 

باكو: في خطوة عالمية جديدة تؤكد على التوجهات السعودية وسياستها الداعمة لكل الجهود الدولية والإقليمية المبذولة لمواجهة خطر الإرهاب، أعلنت الأمم المتحدة عن الدعم السعودي الكامل لمشروعها الأممي الهادف إلى محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة والاتجار غير المشروع في الأسلحة النارية الصغيرة والخفيفة في منطقة آسيا الوسطى، حيث يستهدف المشروع العمل على تعزيز القدرات التشريعية والاستراتيجية والتشغيلية الوطنية للبلدان الخمس، وهي: كازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان، وذلك عبر تعزيز استجابات العدالة الجنائية لمنع ومكافحة الاتجار غير المشروع بالأسلحة الصغيرة والخفيفة وتعطيل الإمداد غير المشروع لهذه الأسلحة إلى الجماعات الإرهابية.
ويمثل هذا المشروع الأممى الذي سيتم تنفيذه خلال عامى 2020 - 2021 بتمويل سعودي روسي مشترك، نقطة انطلاق لتجفيف منابع الإرهاب ومصادر تسليحه في واحدة من أهم المناطق العالمية جيواستراتيجيا حيث تمثل ما يطلق عليه «قلب العالم»، إذ إن التمركز في هذه المنطقة يتيح الإطلالة الأكثر سهولة والأقل تكلفة باتجاه العمق الحيوي الروسي باتجاه الشمال، والعمق الحيوي الصيني باتجاه الجنوب الشرقي، علاوة على العمق الحيوي لشبه القارة الهندية باتجاه الجنوب، والعمق الحيوي الإيراني باتجاه الجنوب الغربي، والعمق الحيوي لكامل منطقة بحر قزوين باتجاه الغرب. هذا فضلا عن أهميتها اقتصاديا باحتياطاتها من النفط والغاز والتي يمكن أن تعادل في كميتها تلك الموجودة في منطقة الخليج، إلى جانب احتياطاتها من المعادن المختلفة، وثرواتها الزراعية الممتدة في مساحات دولها الشاسعة.
ومن ثم، جاء الاهتمام الأممي بهذه المنطقة ذات الأهمية الجيواستراتيجية بحكم موقعها الجغرافي الذي يُمكنها من السيطرة على الممرات البرية والجوية الرابطة بين كثير من مناطق العالم، الأمر الذي جعل حماية أمن دولها واستقرارها مسؤولية تسعى الأطراف كافة إلى المحافظة عليه في مواجهة جوارها الذي يعج بالتنظيمات الإرهابية وتهديداتها المستمرة سواء تلك الموجودة في أفغانستان أو على المناطق الحدودية مع باكستان وإيران.
وفي ضوء ذلك يستعرض هذا التقرير المشروع الأممي لمكافحة الاتجار غير المشروع في الأسلحة الصغيرة والخفيفة ودور المملكة العربية السعودية في هذا الخصوص، وذلك من خلال محورين على النحو الآتي:
 
أولا: الأمم المتحدة ومكافحة الاتجار في الأسلحة الصغيرة والخفيفة
في ظل تصاعد المخاطر العالمية والإقليمية الناجمة عن زيادة حجم الصراعات الداخلية في الكثير من بلدان العالم، تلك الصراعات التي تعتمد بشكل رئيسي على الأسلحة الصغيرة والخفيفة التي تشكل تهديدًا خطيرًا على السلامة والأمن والاستقرار. ففي حالات النزاع، غالبًا ما تستخدم الأسلحة الصغيرة لارتكاب تجاوزات وانتهاكات في مجال حقوق الإنسان والقانون الإنساني، بما في ذلك القتل الجماعي والتشريد القسري والعنف القائم على النوع والهجمات على قوات حفظ السلام والعاملين في المجال الإنساني بصفة عامة. ولا يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل خارج السياق المباشر للنزاع المسلح، تؤدي الأسلحة الصغيرة غير المشروعة إلى تفاقم النزاع بين المجتمعات المحلية والتنافس على الموارد الطبيعية، كما أنها تمهد الطريق أمام طيف واسع من الأنشطة الإجرامية.
ومن هذا المنطلق، أولت الأمم المتحدة اهتماما كبيرا بهذه النوعية من الأسلحة منذ بداية تسعينات القرن المنصرم، حينما اعتمدت مجموعة من المبادئ الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين. إلا أنه مع تزايد مخاطر هذه النوعية من الأسلحة، اعتمدت الأمم المتحدة عام 2001 بروتوكول الأسلحة النارية والمعروف باسم «بروتوكول مكافحة صنع الأسلحة النارية وأجزائها ومكوناتها والذخيرة والاتجار بها بصورة غير مشروعة»، وذلك بموجب اتفاقية مكافحة الجريمة المنظمة، حيث يُلزم البروتوكول الدول باتخاذ مجموعة من التدابير لمكافحة جريمة الاتجار غير المشروع في هذه النوعية من الأسلحة من خلال تنفيذ ثلاث مجموعات من الأحكام، وهي: وضع نظام ترخيص فيما يتعلق بالصنع والاتجار، اعتبار الصنع والاتجار غير المشروعين من الجرائم الجنائية، وضع أحكام بشأن وسم وتعقب الأسلحة النارية.
وفي العام ذاته (2001) اتفقت البلدان على برنامج عمل منع الاتجار في الأسلحة الصغيرة والخفيفة تحت اسم «برنامج العمل المتعلق بمنع الاتجار غير المشروع في الأسلحة الصغيرة والخفيفة من جميع جوانبه ومكافحته والقضاء عليه». صحيح أن هذا البرنامج غير ملزم قانونيا إلا أنه تضمن اقتراحات محددة لتحسين التشريعات والضوابط الوطنية بشأن المساعدة والتعاون الدوليين.
وفي سياق هذا البرنامج، تم الاتفاق عام 2005 على ما يسمى صك التعقب الدولي، ذلك الصك الذي يلزم الدول بوضع علامات ملائمة على الأسلحة الصغيرة والخفيفة والاحتفاظ بسجلات لها وتعزيز التعاون الدولي في تعقبها.
ولم يتوقف الأمر على ما سبق فحسب، بل وحرصا على مزيد من المواجهة الأممية لمنع الاتجار غير المشروع في هذه الأسلحة، اعتمدت الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة في 2 أبريل (نيسان) 2013، معاهدة تجارة الأسلحة والتي هدفت إلى وضع معايير دولية موحدة ممكنة لتنظيم التجارة الدولية بالأسلحة التقليدية، ويشمل نطاقها الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة، فضلا عن الذخائر وقطع الغيار والمكونات. وقد فتح باب التوقيع على المعاهدة في 3 يونيو (حزيران) 2013.
ومن الجدير بالإشارة أن الأمم المتحدة كانت قد أعلنت في 29 أغسطس (آب) 2012، على هامش المؤتمر الاستعراضي الثاني المتعلق بالأسلحة الصغيرة، حزمة من المعايير الدولية لتحديد الأسلحة الصغيرة والتي تهدف إلى تبسيط رسم السياسات والبرمجة والممارسة المتعلقة بالأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة عبر وكالات الأمم المتحدة، ومن أبرز هذه المعايير: إدارة المخزونات، وإجراء الدراسات الاستقصائية بشأن الأسلحة الصغيرة، والوسم وحفظ السجلات، وتعقب الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة غير المشروعة، وتدمير الأسلحة غير المشروعة وفائض الأسلحة، ومراقبة الحدود، والتعاون في مجال إنفاذ القانون. ويذكر أن وكالات الأمم المتحدة المعنية بهذه العملية تشمل كلا من؛ مركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، عبر البرنامج العالمي المعني بالأسلحة النارية، بالتعاون الوثيق مع المديرية التنفيذية للجنة الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب (CTED)، ومكتب الأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح (UNODA)، وكذلك منظمة شنغهاي للتعاون (SCO).

 




فلاديمير فورونكوف، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب


 
ثانيا: المملكة العربية السعودية والمشروع الأممي في آسيا الوسطى لمكافحة الاتجار غير المشروع في الأسلحة
لم يكن الاهتمام السعودي بالمشروع الأممي الهادف إلى مكافحة الاتجار غير المشروع في الأسلحة الصغيرة والخفيفة في منطقة آسيا الوسطى وليد الصدفة، وإنما يأتي ضمن توجهات السياسة الخارجية السعودية الهادفة إلى محاربة الإرهاب بصفة عامة، وتعزيز تقاربها مع موسكو في مجال مكافحة الإرهاب عالميا وإقليميا على وجه الخصوص، وكذلك في إطار الاهتمام الذي توليه المملكة لمنطقة آسيا الوسطى منذ استقلال دولها الخمس في أوائل تسعينات القرن المنصرم مع تفكك المنظومة السوفياتية.
وفي ضوء ذلك، يمكن رصد أبرز المنطلقات التي دفعت الرياض إلى دعم وتمويل هذا المشروع الأممي بالتعاون مع موسكو في منطقة آسيا الوسطى، والتي يمكن أن نجملها في عاملين، هما:
1- استكمال دورها العالمي في مكافحة الإرهاب، ذلك الدور الذي أكد عليه فلاديمير فورونكوف، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب بأن الدعم السعودي يسهم في إقامة 38 مشروعًا لمكافحة الإرهاب حول العالم، إذ جاء في محاضرته التي ألقاها عن مكافحة الإرهاب في جامعة نايف للعلوم العربية بالرياض في سبتمبر (أيلول) 2019 بأنه: «بفضل الدعم السعودي في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، نقيم حاليًا 38 مشروعًا لمكافحة الإرهاب حول العالم، إضافة إلى الخدمات المتعلقة بحقوق الإنسان، مثل دعم ضحايا الإرهاب، ومكافحة الأسلحة الذرية والبيولوجية، وتوفير الأمن السيبراني». 
والحقيقة أن الدعم لم يقتصر على ذلك فحسب، بل تجلت جهود المملكة إضافة إلى هذه المشروعات، في تأسيسها لمركزين لمكافحة الإرهاب، وهما: مركز مكافحة الإرهاب في الأمم المتحدة، ومركز مكافحة الإرهاب في فيينا بالنمسا، مع التأكيد على أن دور هذه المراكز لا تقتصر على تبني الرؤية الأمنية لمواجهة الإرهاب، وإنما تتبنى المسار الفكري المكمل للمسار الأمني، وهو ما انعكس على النواحي الاقتصادية والاجتماعية. 
وعليه، يأتي الدعم السعودي للمشروع الأممي لمكافحة الإرهاب والاتجار غير المشروع في الأسلحة في منطقة آسيا الوسطى ضمن هذه المجهودات العالمية، وهو ما أكد عليه عضو وفد المملكة الدائم لدى الأمم المتحدة المستشار عبد المجيد البابطين، في كلمة المملكة بهذه المناسبة، بقوله: «إن مشكلة الاتجار غير المشروع بالأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة وتحويلها إلى جماعات إرهابية هي شاغل عالمي... وأن المملكة تدعو إلى اتخاذ الكثير من التدابير والإجراءات من مختلف الجهات الفاعلة، من أجل وضع آليات وقائية واستجابة ناجحة».
2- التوافق مع موسكو في أن قضية الإرهاب سواء في منطقة آسيا الوسطى أو الشرق الأوسط تمس بشكل مباشر أمنهما القومي، وذلك في ضوء تخوفاتهما الدائمة من التيارات الدينية المتطرفة والجماعات الإرهابية التي ترفع شعارات دينية، والتي تملك تمددات كبيرة وأذرعا كثيرة متشابهة في كل من روسيا وشبه الجزيرة العربية، ومنها جماعة الإخوان المسلمين وتنظيمات القاعدة و«داعش» وغيرها. 
ومن هذا المنطلق جاء توجه موسكو إلى ضرورة التعاون مع المملكة العربية السعودية في مجال مكافحة الإرهاب، باعتبارها الدولة صاحبة الرصيد الأكبر من الخبرة في هذا المجال، وذلك بحكم مواجهتها للكثير من تهديدات هذا الخطر الدولي الرهيب. مع الأخذ في الحسبان مدى إدراكهما بأن تعاونهما في هذا المجال الحيوي ليس موجهًا ضد دولة ما، وإنما موجه في الأساس ضد الإرهاب والجماعات المتطرفة التي تنمو وتنشط في المناطق التي تتقارب فيها المسافات الجغرافية بين روسيا وشبه الجزيرة العربية، وفي مقدمتها منطقة آسيا الوسطى وأهمية حمايتها من تمددات التنظيمات الإرهابية إلى هذه الدول، وهو ما أشار إليه المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينيزيا، بأنه: «في السنوات الأخيرة، أصبحت طبيعة التهديدات التي يواجهها العالم تتغير بسرعة، وأن العدو ليس القوات المسلحة للدولة، ولكن الجماعات الإرهابية والعصابات».
خلاصة القول إن جهود نزع السلاح عالميا إنما هي جهود تصب مباشرة في تحقيق الأمن الإنساني، هذه هي طبيعة تشابكية العلاقة بينهما. إذ إنه إذا كان صحيحا أن تحقيق هذا الأمن يتطلب أكثر بكثير من نزع السلاح، إلا أنه من الصحيح كذلك أنه من دون بذل جهود ذات شأن لنزع السلاح، فإنه من الصعوبة بمكان بناء أمن إنساني متكامل، وذلك لأن المجتمع الذي يغمره انتشار الأسلحة غير المشروعة تقل أو تتراجع فيه مؤشرات الأمن، حيث إن هذه الأسلحة هي المفضلة لدى الإرهابيين والمجرمين المنظمين لشن هجماتهم، ذلك أنها زهيدة الثمن، خفيفة الحمل، سهلة الاستخدام والإخفاء.
ولذا، فمن الأهمية بمكان العمل جاهدين من أجل مواجهة هذا النوع من الأسلحة والتي قد تبدو بسبب طبيعتها الخفيفة والصغيرة أن تأثيراتها محدودة، إلا أن هذا التصور أو الفهم غير صحيح نظرا لما ترتبط بهذه النوعية من السلاح من مخاطر وتحديات يصعب مواجهاتها بصورة سهلة، ومن بين تلك التحديات أن معظم هذه الأسلحة يتم بيعها ونقلها بطرق غير مشروعة، مع تباين أنماط هذا الاتجار وتعقد شبكاته وتنوعها. الأمر الذي يحتاج إلى مزيد من الجهود الدولية والإقليمية التعاونية عبر حزمة من التدابير الوقائية وكذلك العلاجية، على غرار ما تقوم به المملكة العربية السعودية التي تمثل نموذجا مهما في كيفية التعاون دوليا وإقليميا فضلا عن توجهاتها الوطنية في مكافحة الإرهاب واجتثاث جذوره وتجفيف منابعه كما أكد على ذلك الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي بأن: «السعودية أصبحت نموذجًا عالميًا في العزيمة القوية والفاعلة في مكافحة الإرهاب وتفكيك آيديولوجيته الضالة».