لاءات مبارك: لا نائب لرئيس الجمهورية... لا لتسليم النميري... لا قوات مصرية إلى العراق

«المجلة» تحاور الرئيس المصري
* علاقتنا بالإخوة في الخليج قديمة وطيبة... وأكن تقديراً خاصاً للسعودية وقيادتها
* مستعد لزيارة أي دولة عربية شرط استقبالي الاستقبال اللائق
* لن ألتقي زعماء المعارضة حتى يلتزموا حدود اللياقة
* إذا تشدد شامير فلنا مواقفنا
* خفض التسليح يعني الاستسلام وأنا لن أقبل بذلك

أكد الرئيس حسني مبارك استعداده للذهاب إلى أي دولة عربية، شريطة أن تستقبله هذه الدولة الاستقبال اللائق به وبالشعب المصري الذي يمثله. 
وقال في حديث خاص بـ«المجلة» إنه لا يريد أن يحرج أحدًا. وأشار إلى زيارته إلى الكويت في شهر يناير (كانون الثاني) المقبل، لحضور مؤتمر القمة الإسلامي، وقال إنه سيلتقي خلال المؤتمر بعدد من الزعماء العرب والمسلمين. وتطرق إلى علاقات مصر بالسودان، وقال إنها علاقات قوية لن تؤثر فيها التصريحات الصحافية. وشدد على أن مصر لن تسلم الرئيس النميري لأن تسليمه يعني التخلي عن تقليد مصري ثابت في حماية اللاجئين السياسيين. 
ورفض الرئيس مبارك فكرة تخفيض ميزانية التسليح، وقال إن خفض التسليح يعني الاستسلام، وهذا غير وارد إطلاقًا. 
وأكد أن العراق لم يطلب إرسال أي قوات مصرية إلى الجبهة، وفي حال تقدمه بمثل هذا الطلب فإنه سيعرض على المؤسسات الدستورية المصرية.
وتحدث الرئيس المصري عن مشاكل مصر الاقتصادية الحالية، وقال إنها مشاكل موروثة، وبدأت قبل الثورة بأربعين عامًا. 
وانتقد زعماء وصحف المعارضة المصرية، وقال إن صحف المعارضة بحاجة إلى تصويب وإنها خرجت في استخدامها لبعض الألفاظ عن حدود اللياقة. وأضاف أنه لن يلتقي بزعماء المعارضة حتى يلتزموا حدود اللياقة... 
وفيما يلي نص الحديث:


 
هل ستلتقي بالرئيس؟
- نعم
 
* إذن عليك أن توجه إليه هذا السؤال...
وينخرط المتحدث بالسؤال الذي يتفرع ويصبح مجموعة أسئلة... وهكذا. 
وتصيبني الدهشة، فالرئيس، هذة الأيام، يتحدث بكثرة. وهو يلقي خطابًا في مناسبة، ويذهب إلى رجال الإعلام للقائهم، ثم يستقبل صحافيين من مختلف أنحاء العالم، حتى إنه تحدث إلى نحو ست صحف ومجلات من بينها «المجلة»، وهذة الملاحظة أثرتها أمام السيد ممدوح البلتاجي رئيس مصلحة الاستعلامات، ثم أمام وزير الإعلام صفوت الشريف... كما أبديتها أمام الرئيس. وهذا التكثيف الإعلامي في مجال الأحاديث الصحافية يؤدي إلى فقدان أهمية الموضوع الذي يراد إيصاله.
والرئيس مبارك الذي يداوم في قصر العروبة، في مصر الجديدة، حيث يسكن أيضاً، يحرص على أن لا ينزل إلى المدينة، لأنه سيتسبب في خنق حركة المرور. وحين فعل ذلك لتسجيل خطابه، وكذلك لقاء رجال الإعلام، تعرقلت حركة السير كليًا، إلى الحد الذي طرح في تساؤل عما إذا كان من الأفضل أن يستخدم طائرة هليكوبتر بدلا من الموكب. (لقد تعمدت ذلك- والكلام للرئيس مبارك- لكي يعرف البعض لماذا قررنا بناء قصر جمهورى. هذا القصر الذي لم يكلف خزينة الدولة مليمًا واحدًا، لقد جاءتنا 17 مليون جنيه هدية، لن أقول لك عن الجهة التي أرسلتها، لكنها هدية، في وقت حولنا المبلغ المخصص لبناء القصر إلى خزينة الدولة. تصور لو كنت أداوم في قصر عابدين، كيف ستكون عليه حركة المرور كل يوم؟ غير أن حركة المرور بمجملها ليست كلها على ما لا يرام، فبسبب الكباري المنتشرة في القاهرة، تم التخلص كثيراً من خوانق السير، وبدأت القاهرة تتحول اللى مدينة طبيعية فيها زحام ومرور، ولكنها غير المدينة ذات الأزمات المرورية الكبرى التي أشتهرت بها. وأجواء القاهرة، من مرور وإصلاح خدمات وأمن وسياسة ومعارضة وصراع داخل المؤسسات الدستورية وخارجها تنعكس كلها على تفكير الرئيس وتصرفاته وأحاديثه، فهو لا ينفعل مثلما يأتي الحديث عن القضيه الأمنية التي يعتبرها أمرا لا نقاش فيه، فمن خلال الأمن والاستقرار نزرع الثقه ومن خلال الثقة يستقر المال وتزدهر البلاد فلا مجال لأن يتلاعب أحد في القضية الأمنية.
ولا أحد يخفى عليه أن الرئيس يعيش مرحلة بين الإصرار على اتخاذ النهج الديمقراطي وبين تيار آخر يحاول أن يوقف هذه المسيرة ويعرقل الديمقراطية ويدفع الرئيس إلى العودة إلى طبيعة سابقيه، عودة إلى عصر المعتقلات والقرارات غير الديمقراطية، والملاحظ أن المشتركين في هذه العملية أجزاء من المعارضة من الطبقة التي تظهر تأييدها للرئيس، هذه الطبقة التي يدرك الرئيس كما قال لها إنها أيدت من قبله ومنها أيضا ما قبل سلفه وسلف سلفه، فبعض صحف المعارضة بدأت تفقد كثيرا من مصداقيتها من خلال تعمدها اتخاذ طريق فيه كثير من الإثارة والاختلاق، حتى قال لي محام مصري مشهور: «صدقني، أصبحت لا أثق في صحافة المعارضة»، وهناك الفئة الأخرى التي تحرض وتستعدي الرئيس على صحافة المعارضة، ومن ضمن تلك الفئات بعض من الكتاب والصحافيين، وعلى رأسهم موسى صبري الذي يجاهد مطالبا برأس المعارضة كلها، بينما هناك تيار عاقل ينادي باستمرارية هذه اللعبة، وعدم التفريط فيها، خاصة مقام الرئاسة، لأنها مظهر حضاري لدولة مثل مصر، ولأنها ضمان ضد بروز إفرازات أكثر سوءا وخطورة على الوضع السياسي والأمني في البلاد. والرئيس مبارك هو مع الرأي الأخير وإن كان لا يخفى نفاد صبره، وكذلك يلاحظ أن الضغوط عليه من جانب القوى المؤيدة يتزايد إلى الحد الذي اشترك في هذه الضغوط بعض رجال الإعلام. وهي ظاهرة تحدث لأول مرة، إذ ينادي رجال الصحافة بتعطيل حرية الصحافة، كما قال أحد كبار الكتاب. 
والجدير بالملاحظة أنه في الوقت الذي يعمل فيه الرئيس جاهدا لحل الكثير من المشاكل المستعصية الدائمة في البلاد خاصة عمليات التغيير السكاني وتزايد السكان، والهجرة إلى المدينة، وتصاعد أعباء الديون، وارتفاع الفوائد عليها عاما بعد عام. والرئيس لا يخفي امتعاضه من أسلوب المعارضة وتضايقه منه، لأنه كما يعتقد أنه أسلوب غير لائق. 
وفي المقابل الصحف المؤيدة والقومية تشن هجمات تدخل ضمن قاموس الرئيس تجاه صحف المعارضة. والحوار في النهاية شديد الانفعال. شديد الحساسية ولكنها ظاهرة جيدة تستحق الاستمرار. وهو بالتالي قدر مصر في حياتها السياسية، فمجتمعها لا يتحمل نبرة الصوت الواحد والرأي الواحد والقول الواحد، خاصة أن مشاكلها قديمة مستعصية كما قال الرئيس. وتحتاج إلى جهد مكثف. ورئيس مثل مبارك في حاجة إلى هذه الأصوات رغم حدتها لكي تساعده على عملية الإصلاح وتحرضه على استمرارية حماسه لكي يطعم كل الشعب ويرفع عن كاهله المتاعب، إنني ملزم بذلك كما يقول مبارك. وفي الساعتين اللتين جلست فيهما مع الرئيس بحضور صفوت الشريف وزير الإعلام وممدوح البلتاجي رئيس هيئة الاستعلامات، وهي جهة تعمل باقتدار على توضيح الصورة الخارجية لمصر، قال الرئيس مبارك الشيء الكثير، منه ما هو منشور ومنه ما هو غير منشور، وأزعم أن غير المنشور له من الأهمية والإثارة والسبق الصحافي الشيء الكثير. 
والملاحظ أن الرئيس مبارك يتميز بروح الدعابة واستملاح النكتة والتقاطها بسرعة. وهو كما لاحظت يروح عن مشاكله وأزماته بممارسة الرياضة التي جعلته يبدو أصغر من عمره بكثير، وذلك بتنظيم برنامجه الدقيق الذي يجعله قادرا على متابعة الأعباء، كما عبر عن ذلك من ثم بالنكتة التي يرويها ويستمع إليها ويضحك لها كأي مصري بسيط في داخل المدينة أو عمق الريف... «لا أجد وقتا للراحة... صدقني لقد ذهبت ذات يوم إلى دار القضاء العالي فوجدت كأنني ذاهب إلى مكان غريب واستمتعت بمشاهدته، وهو في قلب القاهرة»...


 
* الإجازة؟
- لا إجازة... أين أقضيها؟
 
* في الخارج مثلاً؟
- (ضحك)، لا أعرف من الخارج شيئا...  لندن مثلا ذهبت إليها ولا أعرف منها إلا فندق «كلاردج»، و«10 داوننغ ستريت»، ومبنى السفارة المصرية.
 
* سيدي الرئيس، دعنا ننطلق من الذكرى الخامسة لتوليتكم رئاسة جمهورية مصر العربية، لنسأل: كيف يخطط حسني مبارك لفترة رئاسته الثانية بعد أن بقيت سنة واحدة من فترته الأولى؟
- الوقت ما زال باكرًا لكي أفكر في هذا الموضوع، لأنني لا أستطيع التكهن بالمستقبل. غير أن الذي أقوله هو أنني سوف أبذل أقصى جهدي وأعمل بأمانة وإخلاص لصالح الشعب ولصالح الأمة العربية. لكنك تتفق معي على أن هذه المشاكل وهذه الأزمات التي نعمل جاهدين لتلافيها لكي ننطلق إلى بحر السنوات الست الأخرى. ليست بنت هذا العام والعام الذي قبله ولا سنوات أخرى. بل هي مشاكل ورثناها قبل الثورة بثلاثين وأربعين سنة. خذ مثلاً شبكات المجاري، فقد أنشئت سنة 1906 ولم يطرأ عليها أي تغير قبل عام 1965. إذ جرت بعض الإصلاحات البسيطة بمبلغ بسيط من الملايين. والآن أمامنا مجار تحت الأرض ليس لها مواسير ولا محطات تنقية صالحة. ومن هنا جاءت مشكلة المجاري. انظر كم ستكلفنا عملية إصلاح المجاري، في القاهرة مثلاً، نحتاج إلى 4500 مليون جنيه، والإسكندرية تحتاج من 2000 إلى 2400 مليون. وهذه فقط 7000 مليون جنيه لمدينتي القاهرة والإسكندرية. فما بالك بالمحافظات الأخرى؟ كذلك الكهرباء، فقد عملنا أضعاف ما لدينا من طاقة كهربية. وفي السنوات الخمس الماضية صار عندنا طرق وكبار. فالقاهرة وحدها فيها 21 كوبري إضافة إلى محطة القطار الأرضي (الأندر جراوند)، إضافة إلى الطرق الطويلة بين الإسكندرية والقاهرة وطريق مصر-الإسماعلية، وطريق مصر-بلبيس، وطرق في الصعيد.
كذلك نحن نعمل ولا نزال من أجل تطوير الزراعة. خذ مثلاً الطريق الصحراوي. كان صحراء والآن تسير نحو 30 كيلومترًا في أراض مزروعة ونتجه حقًا إلى الزراعة لأنها عمادنا. وتطوير الصناعة أنفقنا عليه 6300 مليون... كل هذه مشاكل أمامي، وكان بالإمكان أن أنظر إليها وأجري تصليحات ظاهرة وعاجلة تستمر عدة سنوات ثم تبرز المشاكل من جديد. ثم إنني أحاول أن أعمل للمستقبل على المدى البعيد حتى لو جابهتنا بعض الصعوبات وصبرنا عليها. ومن هنا عملنا الآن ونعمل وفق خطة تنموية شاملة ذات أبعاد مختلفة لمصلحة مصر ومصلحة المواطن فيها.
 
ما أبرز التغيرات التي تعتقد أنها حدثت في السنوات الخمس الماضية؟
- أولا، الحرية التي لا أظن أنها موجودة في كثير من البلدان. وأظن أن الصحافة عندنا لها حرية إلى حد التجاوزات. إنني آسف لقولي تجاوزات، لأنها يجب أن لا تحدث. لكن الديمقراطية مهمة في بلد يريد أن يتطلع إلى المستقبل. ففي النظام الديكتاتوري، الفاقد للحرية يجد أمامه طبقة من المنافقين والمنتهزين، وكذلك الفساد. وهي أمور تنتعش في ظل النظام الديكتاتوري. أما في النظام الديمقراطي فإن تعدد الآراء والأصوات يمنع التفرد في عمل سيئ إلى المصلحة العامة لأن الجميع سوف يتكلم ويبدي رأيه. صحيح أن هناك عيوبا، لكن العيوب لا بد من تلافيها. وأنا أعتبر أن الديمقراطية لدينا إنجاز كبير. دعني أسألك: من يستطيع تحمل ما تكتبه عنه الصحف مثلما أفعل أنا؟
 
* سنحت لي الفرصة أن أعيش احتفالات مصر في 6 أكتوبر (تشرين الأول) والملاحظ تركيز الإعلام المصري وبعض الكتاب على الرئيس السادات وكأنه حي يرزق مما أعطاني انطباعا أن مقولة مفادها أن الساداتية مؤسسة حاكمة، هو انطباع يكاد يكون صحيحا. والسؤال الدائر دائمًا: متى يكون لمبارك نظامه وإعلامه ورجاله أيضًا؟
- اسمعني. هذا الكلام لا أوافق عليه، فليس لدي مؤسسة ساداتية، إنها اختراعات وتوليفات، بعضها من الصحافة. فحين يحين موعد أكتوبر يصير من اللازم الحديث عن السادات الذي خاض الحرب، لئلا نصبح شعبًا جاحدًا. صحيح أن هناك أخطاء وتجاوزات كثيرة في عهد الرئيس السادات، إلا أنه لا بد من التذكير بأن السادات هو الذي خاض المعركة وبدأ الديمقراطية. أما المؤسسة الساداتية أو الناصرية فهى عبارات مختلقة، إنني أدين بالعرفان لكل زعيم خدم الشعب المصري، مثل السادات وقبله عبد الناصر الذي له إيجابياته وسلبياته. أما التشهير بهما أو التعريض فهو خارج تقاليدنا وقيمنا وأعرافنا. لكن قل لي أين الساداتيون؟ هل هم موجودون في كثير من مؤسسات الحكم وما زالوا فاعلين كما يقال؟ أنا لا أحاسب أحدا على ماضيه أو موقعه السابق. وكلنا خدمنا في عهد عبد الناصر وفي عهد السادات. والعبرة في النهاية بمدى إخلاص المسؤول للأمانة الملقاة على عاتقه.
 
صحف المعارضة
* ما دمنا نتحدث، فخامة الرئيس، عن صحف المعارضة...
- (يقاطعني الرئيس) لا، إنني أقصد الصحف عموما.
 
* سوف أحصر سؤالي بصحف المعارضة، لقد لمست أن هناك نوعا من الاستعداء عليها من قبل بعض أجهزة الإعلام والكتاب...
- نحن لم نكلف أحدا بمهاجمتها، بل إننا فخورون بها، فقط يعوزها التصويب يعني لا يصح في صحيفة أيا كان نوعها وتصدر في بلد عربي أو إسلامي أن تظهر على صفحاتها ألفاظ خارجة عن حدود اللياقة مهما كان، أو الإشارة إلى أمور ليست حقيقية، وكما تعرف أنا لا أتدخل فيما ينشر في الصحف، بل إن بعضها يرد على بعض، وهذه هي الديمقراطية.
 
* إن صحف الحكومة أيضا لا تخلو من ألفاظ وعبارات مشابهة، لماذا في صحف المعارضة؟
- المطلوب هو الكتابة في الصالح العام، فأنا لا أتضايق مما يكتب لأنني واثق من وعي الشعب وإدراكه.


 
* ألا ترى أن هناك ارتفاعا في درجة الصراع بين الحكومة والمعارضة ولنقل إنها حساسية اختفت في السنوات الأخيرة ثم ظهرت مؤخرا فلغة الحوار صارت حادة وكذلك الهجوم
- أود أن توجه سؤالك إلى الصحف التي تهاجم... إن النقد ليس للإثارة أو اصطناع البطولة عن طريق اختراع حكايات وروايات لا أساس لها من الصحة وهو في تقديري غير سليم لأن هذا يورث نوعا من الرد المماثل. غير أنه حين تسود العقلانية والنقد البناء تتحول القضية إلى خطأ يمكن تصحيحه وصواب لا بد من تثمينه. فالصحف وجدت لكي تصحح مسارا خاطئا وسوء تقدير وهي مهمة الصحف الحزبية كما هي مهمة الصحف القومية، أما ما يحدث في كثير من صحفنا فهو لا يرضي المواطن المحب لبلده المقدر لدوره وإن كنت أترك هذه الأمور للشعب لكي يحكم بنفسه مقيما ما يحدث دون تدخل من جانبي أو انتظار لما يفعله فالحرية ملك هذا الشعب والديمقراطية من أجله.
 
انتحابات مجلس الشورى
 
* لاحظت فخامة الرئيس ارتفاع نسبة الحضور في انتخابات مجلس الشورى بطريقة أثارت استغرابي
- هذه النسبة لم تحدث في تاريخ مصر، لماذا لم ترسل أحدا ليتأكد منها.
 
* أنا استغربت النسبة العالية من الحضور التي تفوق في حجمها دولا أكثر عراقة في ممارستها الديمقراطية، يعني هل معقول أن تصل النسب إلى هذا الحد؟
- أقدر أقول لك إنه نوع من التحدي من جانب الشعب، ليس أكثر. ومن هنا، لماذا نزوّر طالما ليست لي مصلحة شخصية ولا أقبل كلمة التزوير ولا أسمح لأحد ولا أوحي لأحد من قريب أو بعيد بأي لعب في الانتخابات.
 
* كنت قد أرسيت تقليداً بلقاء زعماء المعارضة ثم رفضت اللقاء. هل ترى أنه لو كانت هناك تجاوزات كان ممكنا أن تحل بالنقاش معهم؟
- حتى تلتزم حدود اللياقة، أي إن كل شخص ملزم بحدود اللياقة لأن الممارسات التي فاتت بصراحة كانت غير مريحة، وليست معقولة. يعني أن صحيفتك مستمرة في الشتم بطريقة لا تليق وبعبارات غير موزونة ثم تطالبني بالجلوس معك وهذا ليس عدلا في تقديري.
 
* إنهم ينتقدون الحكومة وليس أنت؟
- ما يهمنا هو لغة الحوار وأساسياته وأخلاقه وقيمه التي أرحب بها، أما ما يحدث فهو ليس حرية بل هو تآمر على الحرية وهذا ما يفسر طول بالي.
 
* وزير داخليتك متهم بالقسوة تجاه المعارضة؟
- لا توجد إجراءات قاسية لأن النظام والقانون يحكمان تعاملنا، واختياري لوزير الدخلية أو لأي وزير آخر قائم على توخي المصلحة العامة، ولست آخذاً بعين الاعتبار المزاجية أو اعتبارات الآخرين الخاصة.
 
الجماعات الإسلامية
 
* هل تشكل الجماعات الإسلامية خطورة في مصر الآن؟
- الجماعات الإسلامية موجودة في كل مكان في العالم، وليس في مصر فقط.
 
* هل تشكل هذه الجماعات درجة من الخطورة أو عدم الاستقرار داخل البلاد؟
- إذا تركت أي مرض ينتشر يصبح خطراً.
 
* ما هي سياستكم في التعامل مع هذه الجماعات؟
- أنا لست ضد أي واحد يعمل لمصلحة الشعب، أنا ضد التدمير والهدم وأنا حريص على استقرار البلد لأن أي هزة لهذا الاستقرار معناها هروب رأس المال والاستثمارات.
 
* هناك أصوات تطالب بتوجيه ضربة لهذه الجماعات لإجهاضها من البداية؟
- نحن نستطيع أن نجري بحوثا في هذا المجال للوصول إلى أفضل الطرق للتعامل مع المتطرفين وهم قلة، والشعب المصري يرفض التطرف.
 
* بخصوص إنتاج القمح، أعلنتم مرارا أن مصر ستصل إلى مستوى الاكتفاء الذاتي من القمح، والسؤال متى يحدث ذلك؟
- لا أعتقد أنه من السهل تحقيق الاكتفاء الذاتي، لأن رقعة الأرض محدودة والمياة محدودة ولو زرعت قمحاً سوف تخسر مشروعات أخرى، فهناك فواكه وخضراوات ومحاصيل أخرى والتوسع في زراعة القمح سيأتي على حساب هذه المحاصيل، والاتحاد السوفياتي نفسه لم يحقق الاكتفاء الذاتي في القمح.
 
مواجهة الخطر الذري الإسرائيلي
 
* أمامي أرقام مخيفة نشرتها صحيفة «صنداي تايمز» الأسبوعية حول التسلح النووي الإسرائيلي، وفي ذهني مصر كدولة عربية كبرى، ما هي أخبار تسليحها ومحاولات خفض ميزانيتها الدفاعية؟
الخفض يعني الاستسلام أولا وأخيرا، فالذي يدعو إليه يدعو إلى الاستسلام، وهذا موضوع لن أقبله، لأنها دعوة إلى أن تسيطر علينا دول أجنبية وخلق جيش قوى بالنسبة إلينا هو خيار لا بد منه، فحين يحدث اعتداء لا سمح الله على بلدنا من دولة صغيرة مسلحة فإن الشعب سيثور ويطالبني أنا بمسؤوليتي في هذا الإطار لكونها مسؤولية تاريخية لا أحد يقبل التفريط بها أو المساومة عليها.
 
* اسمح لي أن أعود إلى الخيار الذري الذي لم يعد لكم مفر منه؟
- أنا لا أفكر في موضوع كهذا، لأننا ندين من يتسلح نوويا وننتقده بشدة لخطورته على السلام والحياة البشرية.
 
* ألا ترى معي أن هذا الأمر مهم في مسألة التوازن العسكري؟
- دعنا من التطرق إليه، فهذا موضوع سابق لأوانه كي أناقشه على صفحات الجرائد والمجلات.
 
المؤتمر الدولي
* تحدثتم عن المؤتمر الدولي وكأنه شيء جديد... فقد طرحت فكرته وعقد في جنيف قبل مبادرة السادات كأحد الحلول الجاهزة للسلام. فهل تعني دعوتكم قفزا على كامب ديفيد؟
(انفعل الرئيس وأجاب بحماس مغلف بالهدوء):
- في كامب ديفيد ورقتان: الورقة الأولى هي المشكلة المصرية – الإسرائيلية، وهذه الورقة حلت نهائيا بتوقيع معاهدة السلام بيننا وبين إسرائيل. والورقة الثانية هي حل القضية الفلسطينية، واختلافنا مع إسرائيل اختلاف في تفسير هذا المعنى، فنحن ملتزمون بالاتفاقية والإسرائيليون غير ملتزمين بها، إلى درجة أن كارتر قال لقد حورتم في مفهوم اتفاقية كامب ديفيد. 
أما المؤتمر الدولي فالعرب كلهم يطالبون به، وكذلك الفلسطينيون، والحكاية ليست كما سميتها (القفز على كامب ديفيد) بل هي تطور في الموقف وتكيف مع الظروف الجديدة. أي إنه نوع من البحث عن حلول جديدة بدلا من الجمود في موقف واحد. ونحن في هذا النطاق إلى إجماع عربي.
 
الإجماع العربي
 
* دائماً نتحدث عن إجماع عربي من أجل إحراز مكاسب لقضيتنا. فهل من الممكن إعطاؤنا فكرة عن تصورك لهذا الإجماع؟
- تصور عملي، ليس إجماعا فقط، فنحن في حاجة إلى لمّ الشمل الفلسطيني أولا. فالانشقاق في المنظمة. وتدخل دول عربية في صناعة قرارها وشل يدها كلها أمور لا بد أن تتوقف لكي يتمكن الممثل الشرعي للفلسطينيين من أن يقول رأيه بما يخدم أماني ورغبات شعبه، وحين يتفق الفلسطينيون يمكن للعرب أيضا الاتفاق، ومن هنا نملك القدرة على مخاطبة إسرائيل بقوة الإجماع وإقناع الدول المحبة للسلام بعدالة موقفنا.
 
* إجماع عربي وتضامن عربي وجهود عربية، لكن أين الجهود الفعالة؟ أعني: لماذا لا تكون هناك خطوة فعالة؟
(يسأل الرئيس: ماذا تقصد؟).
 
* أقصد عودة مصر وعدم عودتها، لماذا لا تتخذ خطوة تاريخية من موقعك ومن قدر مصر الحضاري والقومي؟
- اقترح لي الخطوة وأنا أنفذها.
 
* لا أملك سيدي الرئيس لكن لنأخذ مثلا القيام بزيارات مفاجئة للدول العربية؟
 - يعني تريد مني إحراجهم ووضعهم في موقف محرج؟
 
* لا طبعا
 - دعنا نتصارح تقصد مثل من؟
 
* مثل سوريا مثلا...
 - لهم شروطهم وأنت تعرفها، وهي غير منطقية، ثم إنني حاولت إجراء اتصالات، أما غيرها من الدول العربية، فإنني ذاهب إلى الكويت في يناير (كانون الثاني) المقبل لحضور مؤتمر القمة الإسلامي، وأنا أقول إنني لن أتاخر وليس لدي مانع في زيارة أي دولة عربية، لكنني لست راغبا في إحراج أحد.
 
* وما هو إذن ذنب الرأي العام العربي؟
- قلت لك إذا كانت الزيارات المفاجئة حلا فإنني مستعد لفعل ذلك، لكن بشرط ليس لدي استعداد لإحراج أحد ولست مستعدا أيضا كرئيس لمصر أن أعامل بطريقة لا تتفق مع كرامة مصر. إننى أعلم أن هناك دولا لا تفعل مثل هذا، لكن هناك دولا قد تفعلها، ووقتها فإن الهوة ستتسع ولا بد أن يكون مفهوما أنني أمثل الشعب المصري وتصرفاتي لا بد أن تتصف بصفات معينة تتفق مع الواقع المصري، فلا أستطيع خذلان الشعب الذي انتخبني بالقيام بعمل غير لطيف فأضع الشعب كله في حرج.
 
* بمناسبة الحديث عن المؤتمر الإسلامي، هل لديكم ورقة رسمية لتقديمها إلى المؤتمر؟
- سوف ألقي خطابا يتضمن رأينا في القضايا التي لها علاقة بمستقبل أمتنا الإسلامية.
 
* وفيما يتعلق بالمحيط العربي، هل لدى مصر تحرك ما له رائحة عربية؟
- سوف ألتقي بإخواني العرب هناك، وكلهم أصدقائي وتربطني بهم صداقة شخصية مثل جلالة الأخ الملك فهد، والأخ سمو الشيخ جابر، وغيرهما من زعماء الدول الذين التقيت بهم وتربطني بهم صداقات أعتز بها.
 
* لو عدنا إلى المؤتمر الدولي، هناك تساؤل حول هذا المؤتمر، فكل الأطراف تعلن عن موافقتها إلا أن لكل طرف فهمه الخاص لهذا المؤتمر فما هو تصوركم أنتم؟
- اللجنة التحضيرية هي التي تضع التصور، ولو أن للعرب كلمة واحدة لجلسوا معا واتفقوا على إطار المؤتمر، ولن يكون هناك مؤتمر دولي ما دام كل طرف عربي يعمل بمفرده.
 
العلاقة مع السوفيات
 
* وأنتم مقبلون على المؤتمر الدولي، هل سنرى تطوراً معيناً في علاقاتكم بالاتحاد السوفياتي؟
- هناك اتصالات مستمرة ولقاءات، والاتحاد السوفياتي قوة عظمى لا يمكن تجاهلها ولا يوجد ما يشوب علاقتنا بهم.
 
* هل تتوقع تغيرا في الموقف الإسرائيلي تجاه المؤتمر الدولي أثناء تولي شامير رئاسة الوزارة الإسرائيلية؟
- حينما يتشدد شامير فنحن لنا موقفنا من جميع القضايا.
 
* ورأيك في تعيينات إسرائيل الجديدة لعمداء الضفة؟
- نحن نراقب ماذا سيحدث بعد التعيين، ونحن في حيرة بين الفلسطينيين في الداخل والخارج الذين لا يملكون موقفا محددا من القضايا الأساسية.


 
مصر وحرب الخليج
 
* سبق وصرحتم بأنه ليست هناك نية لإرسال قوات مصرية إلى جبهة الخليج، وفي الوقت نفسه كانت هناك تصريحات كثيرة من جانبكم وجانب عدد من المسؤولين المصريين عن أن مصر ملزمة بحماية العالم العربي في حال تعرضه للعدوان والدفاع عنه فكيف نفهم نحن هذين الموقفين؟
- الدفاع ليس بالضرورة أن أبعث الجيش لأنني حينما أرسل القوة أساهم في اشتعال النار أكثر، وليس من مصلحتنا ولا مصلحة الأمة العربية ولا مصلحة أي دولة في المنطقة زيادة اللهيب ولو كانت لدينا اتصالات لحاولنا أن نكون وسطاء بين الطرفين لنحفف من مخاطر الوضع، أما إرسال القوات فليس بالسهولة التي تتصور، لكن هذا يحتاج إلى اتصال وتنسيق في وقت كاف، وكذلك الأمر يحتاج إلى موافقات دستورية من جانبنا، وطالما أن أحدا لم يطلب مني فماذا أقول للمؤسسات الدستورية لدي؟ هل أتطوع بنفسي؟ أما إذا كانت هناك دولة عربية محتاجة إلى ذخائر وأسلحة فنحن لا نبخل عليها بذلك، وأعتقد أن العراق لديه من الجنود والقوات للدرجة التي لا أعتقد معها أنه في حاجة إلى قوات من دولة أخرى وهو لديه معداته وقواته الجيدة جدا.
 
* في هذا الإطار كيف ترى مقدرة العراق؟
- أنا واثق من مقدرة العراق، فميزان القوى يميل معه، وفي الوقت نفسه نقول لإيران إن الحرب ليست إلا استنزافا للموارد وخفضا لمستوى المعيشة وتدميرا لقدرات الشعوب وإسالة الدماء وبث الكراهية والحقد بين البلدان.
 
السودان ومصر
 
* لننتقل إلى ما يجري بين مصر والسودان؟
- لا شيء هل سمعتمونا نقول شيئا عن السودان؟
 
* لكن هناك أشياء يعرفها الجميع...
- نحن ليس لدينا أشياء، أنا فقط لا أعلق على التصريحات التي تقال، لأن العلاقة بيننا أقوى من أي تصريحات، نحن لدينا 3 ملايين سوداني يعملون ويعيشون هنا غير الطلبة الذين يتعلمون هنا، وغير فرع جامعة القاهرة في الخرطوم الذي فيه طلبة أكثر من الجامعات التي في السودان، هناك علاقة أزلية، أما التصريحات وغيرها فهي لن تؤثر على تلك العلاقة.
 
تسليم النميري
 
* إذن هل يمكن أن تصف السياسة التي تتبعها بأنها سياسة الصبر والسكوت؟
- لا السكوت موضوع آخر، عندما تكون هناك إهانة لا أسكت، ولكن أنا لا أتكلم حتى لا أحدث فجوات، لأن الشعبين لا مجال للفصل بينهما، يتحدثون عن قضية النميري إذا كانت هناك مصادر سودانية قالت لي إنك لو سلمت النميري سيكون أول من يهاجمك نحن، نتخذ هذا الموقف لأن هذا يعني تخلي مصر عن مبادئها وقيمها ولم يحدث في تاريخها أن سلمت لاجئا سياسيا، ونحن قبلناه لأنهم رفضوا أخذه، قلنا لهم خذوه قالوا لا نحن لا نريده وإلا قامت حمامات دم، لو عاد. هذا ما حدث. 
عندما وصل إلى القاهرة وبعده بأسبوع بدأت الإشاعات تظهر في أننا نهرب النميري عبر بورسودان.
 
* يقولون إن له مكتبًا في أحد قصور رئاسة الجمهورية؟
- لا أعتقد أن لنا مصلحة في أن نستقبل لاجئا يعمل ضد نظام بلده، ثم هو في النهاية رئيس دولة سابق ولا بد أن أبدي له مشاعر الضيافة المصرية.
 
* إذا كنت فخامة الرئيس تقول هذا الكلام عن عمق العلاقة بين الشعبين، فلماذا إذن هذه الحساسية الموجودة؟
- نحن ليست لدينا حساسية، فنحن لم نفعل شيئا، هل سمعتم منا تصريحا ضد السودان إطلاقا؟
 
* الصادق المهدي لم يزر القاهرة رغم تجواله في أكثر من بلد عربي وغربي..
- له مطلق الحرية أن يزور ما يشاء فنحن لا نتدخل في هذه الأمور.
 
العلاقات مع الخليج
 
* فيما يخص العلاقة مع دول الخليج، كيف تعلق فخامة الرئيس على القول: إن بعض الدول العربية ضالعة في عرقلة عودة مصر ومن بينها دول الخليج؟
- علاقتنا بالإخوة في الخليج قديمة وطيبة وفيما يتعلق بالسعودية، فإنني أكن تقديرا خاصا لها ولقيادتها، وعلاقتنا وثيقة على كل المستويات وهي متماسكة وطيبة. أما ما يشاع حول علاقات مصر بتلك الدول فإنني لا أصغي له، لأنه صادر عن مجموعة لا يهمها مصلحة الأشقاء هنا وهناك.
 
* لقد تحدثت عن خططك لفترة الرئاسة المقبلة، فهل لنا أن نسألك: متى ستختار نائبا للرئيس؟
- لن أختار أبداً نائبا للرئيس وسوف أدع مهمة هذا الاختيار للشعب وللمؤسسات الدستورية حتى لا يقال إنه اختار خليفة له أو فرض الشخص الذي يريد.
 ​
* منذ أكثر من ثلاثين عاما والعسكر يحكمون مصر، فمتى ستحين الفرصة للمدنيين؟
- لماذا الخلفية العسكرية؟ أليسوا مواطنين مصريين مثل صاحب الخلفية الطبية، والقانونية، إنني لا أرى مبررا لعزف هذه النغمة، خاصة أن الشعب المصري شعب واحد بصرف النظر عن مواقعه في خدمة البلاد، وهذا في النهاية خيار الشعب وهو حر في خياره.

«المجلة» العدد:349 (15 أكتوبر) عام 1986