لبنان... ماذا بعد تعليق سداد سندات «اليوروبوند»؟

التخلف عن سداد الديون بالعملات الأجنبية مرحلة جديدة من أزمة مالية تعصف باقتصاد الدولة

* تداعيات تعليق الدفع: انهيار أسعار سندات «اليوروبوند» في ‏السوق الثانوية، وفقدانها ما يقارب ‏‏80 % من قيمتها الاسمية
* الحجار: قرار الحكومة بتعليق الدفع كان ينقصه أمر أساسي، وهو إعداد خطة إنقاذ
* مارديني: الـ«hair cut» ستكون قاسية، وسقفها سيكون منخفضاً، وستشمل كبار وصغار المودعين

بيروت: للمرة الأولى، يدخل لبنان نادي الدول المتوقفة عن الدفع، فبعد طول انتظار وعلى ضوء أيام من الأخذ والرد، قررت الحكومة تعليق سداد استحقاق 9 مارس (آذار) من «اليوروبوند»، مما يضع الدولة المثقلة بالديون على مسار التخلف عن سداد ديون سيادية، في وقت تواجه فيه أزمة مالية كبرى.
وكشف التعثر المالي أزمة عميقة وصفها رئيس الحكومة حسّان دياب بالثلاثية المتلازمة. أزمة عملة ومصارف وديون سيادية. ليعلن تعليق سداد لبنان التزاماته للدائنين الدوليين، مع تأكيده السعي إلى التفاوض حول إعادة هيكلة الدين، في ظل أزمة مالية تطول الاحتياطات بالعملات الأجنبية.
وقال رئيس الوزراء حسان دياب، في رسالة وجهها إلى اللبنانيين عقب جلسة لمجلس الوزراء، السبت الفائت، إن الاحتياطات «بلغت مستوى حرجا وخطيرا»، ويتوجب على الدولة اللبنانية- نظريا- تسديد 1.2 مليار دولار من سندات «يوروبوند»، وهي عبارة عن سندات خزينة صادرة بالدولار، وتحوز المصارف الخاصة والمصرف المركزي جزءا منها.
ويمثل تخلف لبنان عن سداد ديونه بالعملات الأجنبية مرحلة جديدة من أزمة مالية تعصف باقتصاده منذ أكتوبر (تشرين الأول)، أفقدت الليرة نحو 40 في المائة من قيمتها، ودفعت البنوك لفرض قواعد قيدت تعاملات المودعين في ودائعهم، وأججت الاضطرابات، إذ يرزح لبنان تحت ديون تصل قيمتها إلى 92 مليار دولار؛ مما يشكل نحو 170 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، حسب وكالة التصنيف الائتماني «ستاندرد آند بورز». وتعدّ هذه النسبة من بين الأعلى في العالم.
 
مرحلة المفاوضات مع الدائنين
لبنان ليس الدولة الأولى في العالم التي تتخلف عن سداد ديونها أو تعليق دفعها، بحسب التعبير الذي استخدم من قبل الحكومة، لكن الأهم هو السؤال عن الخطوة الثانية التي تلي هذا القرار، والتي تتطلب بشكل أساسي خطة عملية حول كيفية مواجهة المرحلة المقبلة، نظرًا إلى أن ما قدمه دياب لم يكن أكثر من خطوط عريضة ‏تسعى حكومته لكسرها، من خلال جملة من تعهدات، من نوع «سنسعى»، ‏و«سنعمل»، فضلا عن اجتماعات متلاحقة للبحث في الوضع ‏المالي.
فلم يتضمن خطاب دياب رؤية اقتصادية واضحة وخطة ‏طوارئ من زاوية الحاجة إلى تطمين حاملي السندات، حول طبيعة الإجراءات المتخذة، لا سيما أن الغموض لا يدعم موقف لبنان في مفاوضات الدائنين. علما بأن إعادة الهيكلة ستنتقص من قيمة الدين وفوائده في أي شكل أتت عليه. ولم يُشر بيان رئيس الحكومة إلى الموقف من إعادة الهيكلة الداخلية لدين المصارف ومصرف لبنان. وإعادة هيكلة الجانبين معًا. وهو الأمر الذي يفتح الباب أمام مرحلة صعبة من المفاوضات مع الدائنين من جهة، وأمام مواجهة كبرى حول النظام الاقتصادي القائم من جهة ثانية، بعد أن أكد دياب، عدم القدرة على الاستمرار بها.
وفيما تبدو الحكومة اللبنانية مرتاحة لقرارها بعدم تسديد سندات «اليوروبوند»، باعتبار أنه كان الخيار الأسلم، على طريق استئصال السرطان ‏الموجود الذي يعاني منه لبنان والمتمثل بالدين العام.‎
ويمكن القول إن الدولة اللبنانية اليوم في فترة انتظار، لتعرف ماذا سيكون ‏قرار المُقرضين حيال التفاوض على إعادة هيكلة الدين وجدولته. وإذا كانت المصارف ‏اللبنانية أبدَت حسن النية والاستعداد لبدء التفاوض، وعيّنت وكيلاً ماليًا وقانونيًا لخَوض ‏المفاوضات، فإنّ حملة السندات الأجانب يبدون أكثر حذرًا، ولم يتضح حتى الآن ماذا سيكون ‏موقفهم.
وقال وزير المال غازي وزني في حديث صحافي، إن الحكومة كانت غير مخيّرة في ‏قرارها بعدم تسديد السندات، لأنّ إمكانياتها المالية ضعيفة، وفضّلت أن تضع الإمكانيات ‏المتوافرة لديها حاليًا تحت تصرّف المودعين، ولتلبية احتياجات المواطنين الأساسية، من قمح ‏ودواء وسلع أساسية ومحروقات، وفي الوقت نفسه عبّرت عن جهوزيتها الكاملة للتفاوض ‏مع الدائنين، مؤكدا أن «الحكومة، وبهذا القرار، خَطت الخطوة الأولى في الطريق ‏الصحيح والسليم لمعالجة أزمة المديونية التي يمر بها لبنان».‎
فيما أشارت مصادر مالية متابعة لـ«المجلة» إلى أن المفاوضات مع الدائنين بدأت فعلاً، عشية إعلان قرار عدم التسديد، إذ فتحت المصارف اللبنانية قنوات اتصال مع الحكومة ومع ‏الدائنين توصلاً لحلول ومخارج.
ولفتت المصادر، إلى أن «قرار الحكومة هو إعادة هيكلة الدين العام، ومن شأن ذلك أن ‏يوفّر على لبنان مبالغ هائلة كان يدفعها على شكل فوائد». إلا أنها لفتت الانتباه إلى أنه «حتى هذه اللحظة ليس هناك أي توجّه نحو اللجوء إلى صندوق النقد الدولي».
 

محمد الحجار


في هذا السياق، رأى عضو كتلة «المستقبل»، النائب محمد الحجار، أن «قرار الحكومة بتعليق الدفع كان ينقصه أمر أساسي، وهو إعداد خطة، علماً بأن الحكومة كانت قد وعدت بخطة إنقاذ تضعها أمام الرأي العام في نهاية شهر شباط (شباط)، إلا أن هذا الأمر لم يتمّ». 
وتابع: «هذا هو الخطأ الذي وقعت فيه الحكومة، ففي حال كان القرار بالتسديد أو عدم التسديد، فإن الخيارين بحاجة إلى وضع خطة من شأنها الإيحاء بالثقة للدائنين والتي تنطلق منها مرحلة التفاوض».
وعن إمكانية رفض الدائنين التفاوض، قال الحجار إن «المواقف متضاربة، وبحسب ما يتم تداوله إعلاميا يقول المستشارون والقانونيون والتقنيون الذين عينتهم الحكومة إن ردود الفعل الأولى للدائنين لم تكن سلبية جدًا»، ورأى أنه «في حال صدق ذلك فإن إعداد خطة بأسرع وقت ممكن والتفاوض مع الدائنين يجب أن يكون اليوم قبل الغد».
أما فيما يتعلق بالاستعانة بصندوق النقد الدولي، فقد أشار الحجار إلى أن «المشكلة الأساسية تتلخص بعدم وجود سيولة لضخها في الأسواق، في ظل العجز الحاصل بميزان المدفوعات وعجز الموازنة، علما بأن لبنان بحاجة إلى ضخ عشرة مليارات دولار سنويا لغاية خمس سنوات على الأقل»، وتساءل: «من أين سيتم تأمين هذه الأموال، في ظل عجز الموازنة والذي يتفاقم مع تراجع الإيرادات ما بين 40 إلى 50 في المائة»، وهو ما يحتّم الاستعانة بالنقد الدولي لتأمين السيولة، وبالإشارة إلى موقف «حزب الله» وحلفائه الذي يرفض الاستعانة به تحت ذريعة الشروط التي سوف يفرضها، قال: «عليهم إيجاد الحلول وطرح البدائل لديهم لتأمين هذه الأموال».
وفي الختام، أكد الحجار أنه لا يمكن لأي جهة إقراض لبنان دون تنفيذه الشروط الإصلاحية والبنيوية والهيكلية، مشيرا: «لو التزمت الدولة اللبنانية بتنفيذ الإصلاحات التي طلبت منها في مؤتمر (سيدر) عام 2018 لكان بيدها اليوم 11 مليار دولار ولم نكن لنصل إلى هذه الأزمة».
 
تداعيات التخلّف
لم يمرّ اليوم الأول على استحقاق دين اليوروبوندز بقيمة 1. 2 مليار دولار، من دون تداعيات، رغم أنّ أمام لبنان مدة أسبوع كفترة سماح قبل أن يُعتبر ‏متخلّفًا عن السداد ويستحق كامل الدين الخارجي البالغ نحو 30 مليار دولار.‎
‎ ‎وفي سياق هذه التداعيات، انهارت أسعار سندات «اليوروبوندز» في ‏السوق الثانوية، إذ تَدنّت إلى ما دون الـ20 سنتًا للسند. وبذلك تكون السندات فقدت ما يقارب الـ‏‏80 في المائة من قيمتها الاسمية. وهو ما يعتبر خطيرًا بكل المقاييس، وقلة من الدول ‏المتعثرة خسرت ديونها هذه النسبة قبل أن تبدأ التفاوض على إعادة جدولتها.‎
وأكدت نائبة رئيس وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني، إليسا باريسي كابوني، أن ‏تخلف لبنان عن سداد استحقاق سندات «اليوروبوند» لشهر مارس سيكون له «تأثير سلبي كبير ‏على الصحة المالية للبنوك، وسيقوّض الاقتصاد».
وحذّرت الوكالة الثلاثاء الفائت، من أن الدائنين من القطاع الخاص واجهوا خسائر كبيرة نتيجة لقرار ‏الحكومة تأجيل سداد السندات. وأشارت إلى أن احتياطيات النقد الأجنبي القابلة للاستخدام «قد تقلّصت إلى ما بين 5 مليارات و10 مليارات دولار». وهذا التقلّص «يعني أن الضغط ‏على الليرة اللبنانية شديد، وسيؤدي إلى تغير مفاجئ وكبير محتمل في سعر الصرف».
لكن السؤال الأهم في هذه المرحلة: ماذا بعد تعليق الدفع، لا سيما في ظل وجود مخاوف من انعكاسات سلبية، قد تظهر في وقت ‏قريب، مع غياب تفاهم مسبق وعدم وضع آلية ‏محددة مع حاملي السندات المحليين والدوليين، إذ يخشى مطلعون، من أن الدائنين ولا سيما الأجانب لا يقتنعون بالخطة اللبنانية للإنقاذ، أو أقله ‏قد لا يثقون بجدية الدولة اللبنانية في التنفيذ، استنادًا إلى تجارب سابقة، فيصار حينذاك إلى ‏إقامة دعاوى إفلاس على الدولة وحجز ممتلكات، وهو ما لمح إليه موقع «بلومبرغ» الذي ‏لفت إلى احتمال لجوء الدائنين الأجانب إلى القضاء وفي مقدمتهم مجموعة «أشمور».‎
ويستند هؤلاء في خشيتهم، إلى خلو الخطة أو أقله عناوين البرنامج الإصلاحي، من أي دور ‏لصندوق النقد الدولي، حيث لم يظهر أي طلب رسمي لعودة الصندوق إلى بيروت من أجل ‏المزيد من الاستشارات.

 

باتريك مارديني


‎‎في هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي باتريك مارديني، لـ«المجلة»، إن «لبنان اليوم في محل التفاوض مع الدائنين، والدولة تعمل على جمع أوراقها؛ ورقة الضغط الأولى كانت بإعلان تعليق سداد الدين إلا أنها تركت الباب مفتوحا أمام التفاوض، علما بأن رئيس الحكومة أشار إلى أنه تم تعليق وليس التخلف عن الدفع». وتابع: «الورقة الثانية هي من خلال الضغط على المصارف اللبنانية، بدليل القرار الذي اتخذه المدعي العام المالي القاضي علي إبراهيم، بتجميد أصول عدد من المصارف، علما بأن الدائنين هم على الشكل التالي: 70 في المائة من إجمالي ديون «اليوروبوند» (ليس فقط الذي استحق الاثنين الفائت) تعود للمصارف اللبنانية، فيما الـ30 في المائة المتبقية هي لمستثمرين أجانب، وبالتالي يتطلب إجراء إعادة هيكلة للدين موافقة 70 في المائة من حاملي السندات على هذا الأمر، أي مواقفة جميع المصارف اللبنانية لذا لجأت للضغط، عليهم، إلا أنه تم التراجع بعدما تبين أن ثمة جزءا كبيرا من السندات يحمله الأجانب، لذا لم يعد ممكنا الضغط كما كان مخططا».
وأشار مارديني إلى أن «المشكلة تكمن في أن الدولة اللبنانية تحتاج إلى سيولة بأسرع وقت ممكن، ولا يمكنها أن تبقى على خلاف مع الدائنين، لا سيما في ظل العجز الكبير بالموازنة العامة وضرورة تأمين سيولة لتغطية نفقاتها الأساسية بين رواتب للقطاع العام ومحروقات للكهرباء والطبابة ومواد غذائية، فيما لبنان لم يعد قادرا على الوصول إلى سوق الاقتراض، ما يعني أن عليها البحث على موارد أخرى لتأمين هذه السيولة».
ولفت مارديني: «الخيارات المتاحة لدى الدولة اللبنانية هي الأموال المتبقية في المصرف المركزي والتي تعود للمودعين، وهي 22 مليار دولار من أصل 120 مليار دولار، بعدما قامت المصارف بإقراض الدولة اللبنانية والقطاع الخاص، وبالتالي يمكن للدولة أن تأخذ ما تبقى من هذه الأموال الـ22 مليار دولار إلا أن هذا المبلغ بالكاد يكفي حتى نهاية هذا العام، لذا هذا الخيار لم يعد متاحا لدى الدولة لا سيما أنه عبر هذه الأموال يتم الاستيراد (يحتاج لبنان سنويا 15 مليارا لاستيراد المواد الأساسية)، وبالتالي لن تؤمن إيرادات إضافية للخزينة». وأضاف: «بما أن رئيس الحكومة وعد أيضا أنه لن يتم المس بأموال صغار المودعين أي من يمتلك أقل من مائة ألف دولار والتي تقدر بـ12مليار دولار، فالخيار هو إما عدم دفع الرواتب والأجور والتوقف عن الاستيراد ما يعني كارثة كبرى على اللبنانيين، وإما أن الدول مضطرة للتفاوض والتوافق مع الدائنين للاستدانة منهم مجددا».
وعن احتمال أن يصطدم لبنان بتصلّب الدائنين، وتلويحهم بمقاضاته، قال مارديني، إنه «ممكن، في حال عدم التوصل إلى اتفاق مع الدائنين»، مشيرا إلى أنه «قبل إعلان الحكومة عن تعليق سداد الديون، كان يتم التداول بسندات الخزينة بنحو 30 سنتا على الدولار أي «haircut» بنحو 70 في المائة على سعرها النهائي، وعلى الأرجح أنه في حال عرضت الحكومة أن تدفع للدائنين أكثر من 30 في المائة من سعر السند فقد يوافقون، لافتا إلى أن «الدائنين من مصلحتهم أيضا إنجاز (haircut)، أكثر من التوجه إلى مقاضاة الدولة لأن هذا الأمر يتطلب وقتا وهي غير مضمونة، وهو ما يفرض بالتالي التوافق والتراضي على صيغة معينة بين الطرفين بشكل سريع».
كما أكد مارديني أنه «لم يعد هناك خيار أمام الحكومة سوى الذهاب نحو الـ(haircut) أي إعادة هيكلة الدين العام، ولكن يبقى التوافق حول حجمها»، مشيرا إلى أنها يمكن أن تتراوح بين 5 حتى 95 في المائة، ففي الأرجنتين على سبيل المثال، بلغت نسبة الـ«haircut» على الدين بنحو 70 في المائة، فيما دولة أخرى حُسم من ديونها ما يقارب الـ10 في المائة، وهذا الأمر الذي يجب التفاوض عليه». لافتا إلى أن «المشكلة في لبنان تكمن في أن الجزء الأكبر من الدائنين هي المصارف اللبنانية، وفي حال هيكلة الدين ما يعني أنها خسرت نصف الأموال التي أقرضتها للدولة التي هي أصلا تعود للمودعين وبالتالي ستنعكس حتما بشكل سلبي عليهم، ما يعني أن ثمة مودعين سوف يخسرون قسما من ودائعهم».
ورأى مارديني أن الـ«haircut» ستكون قاسية وسقفها سيكون منخفضا، مشيرا إلى أنه «في وقت الدولة اللبنانية تؤكد أنها لن تجري (haircut)، إلا أنه يبدو أنها سوف تستعيض بهذه العبارة عبر استخدام توصيف آخر، على سبيل المثال تجميد أموال كبار المودعين على مدى 5 سنوات، أو تحويل الودائع إلى أسهم في المصارف (كما جرى في قبرص) لكنها ستكون أقل بكثير من قيمة الودائع، وفي كلتا الحالتين هذا يعني «haircut»، وهؤلاء المودعون خسروا أموالهم بمكان ما، أما فيما يتعلق بصغار المودعين فسيتم وضع «كابيتال كونترال» قاس، كما يجري حاليا، على أن يتم في المرحلة المقبلة توحيد وتحديد هذه القيود المفروضة على السحوبات المالية، علما بأن الدولة اللبنانية لم تحسم قرارها، إلا أن هذه الخيارات هي من جملة المسائل التي تتم دراستها.