اللاجئون ... تجارة سياسية رائجة

هل تنجح تركيا في جر أوروبا إلى مستنقع الحرب السورية؟
* لم تعد قضية اللاجئين محض إنسانية، وإنما غدت أيضاً قضية سياسية بل «وورقة ضغط» توظفها الأحزاب والتيارات السياسية
* ارتفع عدد سكان لبنان من 4.4 مليون إلى أكثر من 5.9 مليون نسمة جراء تدفق اللاجئين، وفي الأردن، ارتفع عدد السكان بما يقارب 87 % بين العامين 2005 و2016.
* تعتبر بلدان مجلس التعاون الخليجي في مقدّمة الدول الأكثر إسهاماً في تقديم المساعدة للعمليات الإنسانية لمعالجة نتائج الصراعات في الشرق الأوسط، سيما في سوريا
* أصدرت السعودية مليونين ونصف المليون تأشيرة للاجئين السوريين، لا يزال يعيش منهم ما يقرب من 800 ألف سوري في السعودية
* تمثل تركيا واحدة من القوى الإقليمية التي تعمد إلى توظيف قضايا اللاجئين في إطار صراعاتها الإقليمية والدولية
* الكثير من التقارير التركية والدولية توضح أن اللاجئين في تركيا يتعرضون إلى «استغلال مركب». فقد تم توظيف قضاياهم من قبل الحزب الحاكم لدعم شرعيته في تركيا
* بعد أن فتحت تركيا حدودها أمام اللاجئين الراغبين في الذهاب إلى أوروبا، قررت نشر 1000 عنصر من شرطة المهام الخاصة لمنع عودتهم إلى الجانب التركي
* توضح مواقف تركيا وتصريحات الساسة الأوروبيين حيالها أن ثمة إدراكاً دولياً متنامياً بخطورة تصاعد موجات الهجرة واللجوء في إقليم الشرق الأوسط

أنقرة: أضحى تنامي الصراعات مرتفعة الحدة السمة الرئيسية لأحداث وتفاعلات منطقة الشرق الأوسط التي باتت تشهد موجات متصاعدة من اللجوء والنزوح الإنساني جراء تفاقم حدة هذه الصراعات واشتداد وتيرتها، وذلك على نحو جعلها لا تستغرق وقتا طويلا وحسب، وإنما تستنزف قدرات دول المنطقة وتحد من إمكانيات مجابهتها، ووضع حلول ناجزة لها. وترتب على ذلك أن تفاقمت أزمات إنسانية شهدت محاولات متكررة لتوظيفها سياسيا من قبل بعض دول الإقليم إن في إطار سياساتها المحلية أو في سياق تفاعلاتها مع القوى والأطراف الدولية.
ضاعف من ارتدادات حركة اللجوء والنزوح التي شهدتها منظقة الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة أنها جاءت لاحقة لموجات تراكمت تداعياتها وتعود بداياتها إلى مرحلة الحرب العالمية الأولى حينما بدأت هجرة الأرمن إلى البلدان العربية هربا من المذابح العثمانية. لحق بها هجرة نحو 1.2 مليون فلسطيني أجبروا على مغادرة أراضيهم في أعقاب حربي 1948 و1967.
ومنذ ذلك الحين لم تنقطع هذه الظاهرة المأساوية وإنما اتسع نطاقها وتفاقمت ارتداداتها بعد أن شملت حركة مواطني الصومال عبر الحدود إلى دول الجوار ومن بعدها السودان ثم العراق فليبيا واليمن. وبلغت أعداد اللاجئين في الحالة العراقية ما يقرب من 4.4 مليون شخص، هذا إضافة إلى نحو مليوني نازح. وتعد موجة اللجوء والنزوح التي شهدتها المنطقة مؤخرا الأعنف والأضخم بحسبانها جاءت على خلفية حروب وصراعات معقدة تفاقمت ارتداداتها الإنسانية في سوريا لتفضي إلى لجوء أكثر من 6 ملايين، وما يزيد على نحو 7 ملايين نازح سوري.
هذه الموجات المتتالية جعلت من الشرق الأوسط مصدرا أساسيا لحركة البشر عبر الحدود، سواء بين أقطاره أو في إطار الهجرة منه إلى أقاليم أخرى؛ فمن أصل 60 مليون لاجئ في العالم، يأتي 40 في المائة من المنطقة العربية، ومن دول مختلفة تشمل سوريا والعراق وليبيا والسودان والصومال واليمن.
ورغم تزايد طلبات اللجوء بحسب التقارير الدولية المختصة، فإن أكثر من ثلثي هذه الطلبات تركز في خمسة بلدان تتمثل في ألمانيا والولايات المتحدة وفرنسا والسويد وإيطاليا. الأمر الذي يشير إلى الأبعاد المتداخلة لقضية اللاجئين والتي تدفع إلى تسييس القضية ليكون لها توظيف في تشكيل العلاقات الإقليمية في الشرق الأوسط. هذا إضافة إلى تحولها لتغدو إحدى أدوات الصراعات والمساومات سواء على الساحات المحلية، أو بين الفواعل الإقليمية والدولية.


 
اللاجئون... قضية إنسانية أم سياسية؟
لم تعد قضية اللاجئين محض إنسانية، وإنما غدت أيضا قضية سياسية بل «وورقة ضغط» توظفها الأحزاب والتيارات السياسية في بعض دول الإقليم في إطار التجاذبات والمنافسات الانتخابية، كما أنها باتت تخلق مشكلات اقتصادية وتُلقي بأعباء مالية على كاهل دول عربية قدراتها وإمكانياتها محدودة ورقعتها الجغرافية صغيرة نسبيا مقارنة بالدول المصدرة لحركة الهجرة واللجوء.
برز ذلك في الحالة اللبنانية والأردنية، حيث استقبلت الدولتان هجرة مكثفة من الفلسطينيين والسوريين والعراقيين، لتغدو قضايا هؤلاء جزءا رئيسيا من تفاعلاتهما السياسية، كما غدت محركا رئيسيا لسياستهما الإقليمية ومواقف القوى الدولية حيالهما. وأدى التنامي السريع لأعداد اللاجئين للدولتين إلى إثارة مخاوف تتعلق بهويتيهما الوطنية، سيما في ظل قلة عدد السكان وانخفاض الموارد وتراجع القدرة على استيعاب «طوفان البشر» العابر للحدود، وذلك على نحو حد من القدرة على الاستمرار في اتباع استراتيجيات الدمج، والاستعاضة عنها بانتهاج سياسات الإبعاد وحث اللاجئين عبر أدوات مختلفة للعودة إلى بلدانهم.
وعانى الأردن من موجات هجرة لم تنقطع من كل من فلسطين والعراق وسوريا. وكذلك لبنان الذي استقبل بدوره موجات متتالية من الهجرة من سوريا ومن قبلها الأراضي الفلسطينية. وفي كلا البلدين، ما زالت مخيمات اللاجئين الفلسطينيين موجودة منذ إقامتها قبل أكثر من سبعين عاما.
وقد ارتفع عدد سكان لبنان من 4.4 مليون إلى أكثر من 5.9 مليون نسمة جراء تدفق اللاجئين، وفي الأردن، ارتفع عدد السكان بما يقارب 87 في المائة بين العامين 2005 و2016. وأغلب هذه الزيادة السكانية من غير الأردنيين، بخاصة العراقيين ثم السوريين الذين هربوا من الصراعات التي احتدمت في البلدين. ويحتل البلدان المرتبة الأولى ثم المرتبة الثانية في حصة الفرد من اللاجئين في العالم؛ فلبنان يستضيف 164 لاجئا لكل 1000 شخص من السكان، بينما يستضيف الأردن 71 لاجئا لكل 1000 مواطن.
ينطبق ذلك أيضا على اليمن الذي يعد أكبر بلد مستضيف للاجئين الأفارقة. وأكدت تقارير منظمات محلية ارتفاع عدد اللاجئين وطالبي اللجوء من دول القرن الأفريقي إلى أكثر من مليون لاجئ، وهو العدد الذي تقول مفوضية اللاجئين في اليمن إنه يشكل حاليا موضع اهتمام من قبلها.
وخلال سنوات أربع وحسب، وصل عدد اللاجئين إلى اليمن من دول القرن الأفريقي، وفق المفوضية، إلى قرابة ربع مليون شخص، بواقع 65 ألف لاجئ عام 2013. و91.500 لاجئ عام 2014. و82.446 لاجئ عام 2015. و255 ألفا عام 2017. معظمهم من دولتي إثيوبيا والصومال.
وبصفة عامة، يشهد العالم أعلى مستويات من اللجوء والحركة عبر الحدود أكثر من أي وقت مضى، حيث شرد نحو 59.5 مليون شخص في جميع أنحاء العالم من أوطانهم، ومن بين هؤلاء هناك ما يقرب من 20 مليون لاجئ، أكثر من نصفهم تحت سن الـ18. ووفق بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فإن نحو 53 في المائة من إجمالي اللاجئين في جميع أنحاء العالم جاءوا من ثلاث دول في الشرق الأوسط هي أفغانستان، وسوريا، والصومال.


على المستوى الدولي، شكلت أيضا قضية اللجوء من المنطقة العربية جزءا من السياسات المحلية على الساحات الغربية، التي شهدت تنامي تيارات اليمين المتطرف المناهض لحركة اللجوء بسبب الهجمات الإرهابية التي شهدتها بعض البلدان المستقبلة للاجئين، رغم أن من تورطوا فيها هم في الغالب إرهابيون مندسّون بين اللاجئين، أو لاجئون جرى تحويلهم إلى إرهابيين في بيئات اللجوء نفسها.
وقبل نحو عامين، صعد تيار اليمين المتطرف، في الدول الأوروبية، مع تزايد «الشعبوية» المطالبة بالحفاظ على الهوية القومية، ومواجهة تدفق اللاجئين والمهاجرين. ومع تمكن أحزاب يمينية متطرفة من الوصول للسلطة أصبح الأمر أكثر جدية. ويُشارك نحو 100 نائب من اليمين المتطرف للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية في مجلس النواب الألماني، وهو أمر يمتد إلى كثير من البلدان الأوروبية الأخرى.
ولم يقتصر الاستغلال للاجئين على الدول، فقد حذرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أن يؤدي تسرب 63 في المائة من اللاجئين الواصلين إلى شرق السودان حديثا، إلى عمليات استغلال من قبل المهربين وتجار البشر، من جراء تسربهم من معسكرات اللجوء. وأطلقت المفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة نداء متواصلا تدعو فيه إلى زيادة الدعم للسودان وتوفير 477 مليون دولار أميركي لمساعدة أكثر من 900 ألف لاجئ في البلاد، مع ما يقرب من ربع مليون من مضيفيهم السودانيين. وحسب المفوضية، من المتوقع أن يعيش في السودان بحلول نهاية عام 2020 أكثر من 1.14 مليون لاجئ يحتاجون إلى المساعدة، يأتي أغلبهم من جنوب السودان، بالإضافة إلى جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإريتريا وإثيوبيا والصومال وجنوب السودان وسوريا واليمن.
على جانب آخر، أشار كثير من التقديرات الدولية إلى أن ميليشيات الحوثي عمدت إلى تدعيم صفوفها بمقاتلين أفارقة من اللاجئين تحت الضغط والإجبار، خصوصا بعد الخسائر البشرية الكبيرة التي تكبّدتها في مختلف ميادين المواجهات. وعينت الميليشيات الحوثية، مشرفين على عمليات التجنيد ممن لديهم خبرات باللاجئين الأفارقة، بهدف إتمام مهمة الحشد والتعبئة للاجئين وفرز وتصنيف المجندين وفق خبراتهم في حمل السلاح.
ولم يقف الحد عند استغلال الميليشيات الحوثية فاقة وظروف اللاجئين الأفارقة وإجبارهم بقوة السلاح وبالمال والمساعدات على الانخراط في صفوفها، بل سعت دول عربية وإقليمية، إلى لعب الدور ذاته من خلال استغلالها فقر وعوز سكان دول أفريقية بعضها مجاور لليمن، في تقديم الدعم المادي لهم مقابل تجنيدهم وإرسالهم للقتال بصفوف الميليشيات الحوثية. وأشارت تقديرات إلى قيام أذرع تابعة لقطر وتركيا في الصومال، وتشاد، وإريتريا، ومالي، وإثيوبيا، ونيجيريا، بتشكيل شبكات سرية مهمتها استقطاب الشباب والجماعات شديدة الفقر والحاجة في تلك الدول، لتجنيدها وتدريبها عسكريا وإرسالها بعد مدها بكل الإمكانات للقتال مع جماعة الحوثي الانقلابية في اليمن.
يوضح ذلك طبيعة التوظيف السياسي للاجئين، والذي يمتد إلى سنوات طويلة سواء على الساحة الدولية أو الإقليمية. فعالميا استخدِم اللاجئون كسلاح خلال الحرب العالمية الثانية. واستخدم الرئيس الكوبي السابق فيديل كاسترو أيضا الهجرة كسلاح ضد الولايات المتحدة عدة مرات، أشهرها هروب ماريل الجماعي عام 1980. كذلك طرد الرئيس اليوغوسلافي سلوبودان ميلوسوفيتش خلال حرب كوسوفو عام 1999. مئات الألوف من اللاجئين في محاولة لردع الناتو عن قصف قواته.
وعلى المستوى الإقليمي، توعد الزعيم الليبي السابق معمر القذافي بـ«جعل أوروبا سوداء» في أكثر من مناسبة، مهددا بذلك الاتحاد الأوروبي في حال عدم استجابته لمطالبه برفع العقوبات عن ليبيا، كما استعمل التهديد نفسه ليطالب بإيقاف دعم أوروبا للمحتجين في ليبيا 2011‏. وعلى الساحة الليبية جرى لاحقا أيضا عمليات قصف لمراكز إيواء اللاجئين، ما استدعى تنديدا دوليا واتهامات متبادلة بين أطراف الصراع الليبي بالمسؤولية عن الحادث الذي عدّ المبعوث الدولي إلى ليبيا غسان سلامة أنه يرقى إلى مستوى «جريمة حرب».


 
الدول العربية ومواجهة استغلال اللاجئين
تنوعت المواقف الإقليمية والسياقات المحلية، بيد أن ثمة الكثير من الدول العربية التي رفضت استغلال اللاجئين في إطار الصراعات الإقليمية، بل قامت بالعمل على تقديم الكثير من أوجه الدعم، وتعتبر بلدان مجلس التعاون الخليجي في مقدّمة الدول الأكثر إسهاما في تقديم المساعدة للعمليات الإنسانية لمعالجة نتائج الصراعات في الشرق الأوسط، سيما في سوريا، ففي عام 2015، أسهمت المملكة العربية السعودية بمبلغ 88.8 مليون دولار، والكويت بـ313.6 مليون دولار، والإمارات العربية المتحدة بـ71.9 مليون دولار للعمليات الإنسانية المتعلقة بالأزمة السورية، بما فيها العناية باللاجئين.
ويبرز في هذا السياق التصريحات السعودية التي عبر عنها وزير الشؤون الخارجية السعودي عادل الجبير، حينما سألته صحافية تركية عن دور المملكة في قضية اللاجئين السوريين، حيث قال: «أعتقد أننا يمكننا شرح موقفنا تجاه قضية اللاجئين السوريين، حيث إن العاهل السعودي أمر باستقبال كافة اللاجئين السوريين». وأضاف: «أصدرت السعودية مليونين ونصف المليون تأشيرة للاجئين السوريين، لا يزال يعيش منهم ما يقرب من 800 ألف سوري في السعودية». وتابع: «حرصنا على أن لا يعيش أحد منهم في خيمة أو في مخيمات، بل حصلوا على الإقامة الكاملة، حتى يتمكن أبناؤهم من التعلم، ويحصلوا على الرعاية الصحية اللازمة، والتأمين الاجتماعي، وفق ما أمر به العاهل السعودي». واختتم حديثه: «حرصنا أن لا نتفاخر بهذا الأمر في الإعلام والتلفزيون، لأنهم في بيتهم، وهذه أخلاقنا؛ حماية ما يحتاج إلى الحماية، وهو ما قمنا به مع اليمنيين أيضا».
وقد تبنت الدولة المصرية الموقف نفسه، حيث أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي، أن الدولة المصرية وافقت على تواجد اللاجئين داخل أراضيها، قائلا: «إذا كانت النتيجة أن يبقوا في مصر، فليبقوا ولا نتحمل أمام أنفسنا وأمام التاريخ والإنسانية أن نكون السبب في قتلهم». وأعرب السيسي في كلمته بـ«منتدى شباب العالم» عن رفضه وصف «اللاجئين»، مشيرا إلى أنه يفضل تسميتهم بـ«ضيوف مصر». وقال إن الأرقام تفصح عن وجود 6 ملايين «لاجئ»، مؤكدا أن ذلك نتيجة منع خروج أي مركب غير شرعي من البلاد عبر البر أو البحر منذ سبتمبر (أيلول) 2016.
وقد أعاد وزير الخارجية المصري، سامح شكري التأكيد على الثوابت المصرية في هذا السياق، وذلك خلال اللقاء الذي عقده في جنيف مع فليبو جراندي المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، حيث أكد أن مصر ترفض فكرة عزل اللاجئين في معسكرات إيواء بل وتحرص على دمجهم في المجتمع ومشاركة المواطنين كافة الخدمات العامة التي توفرها الدولة لمواطنيها، سيما في قطاعات التعليم والصحة.


 
تركيا واللاجئون... التوظيف السياسي
في مقابل ذلك، تمثل تركيا واحدة من القوى الإقليمية التي تعمد إلى توظيف قضايا اللاجئين في إطار صراعاتها الإقليمية والدولية. فمؤخرا فتحت حدودها متجاوزة مقتضيات الاتفاق التركي - الأوروبي بشأن اللاجئين بهدف الضغط على البلدان الغربية فيما يخص قضايا الاشتباك بين الجانبين. وقال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إن بلاده أبوابها مفتوحة أمام المهاجرين الراغبين بالتوجه إلى أوروبا بسبب عدم وفائها بالتزاماتها بموجب اتفاق الهجرة وإعادة قبول اللاجئين الموقع بين أنقرة والاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) 2016. وأضاف إردوغان أن الاتحاد الأوروبي، الذي تعهد بتقديم 6 مليارات دولار لمساعدة تركيا في مواجهة أعباء اللاجئين، خاصة المتدفقين من سوريا، لم يقدم حتى الآن نصف هذا المبلغ.
وعلى الرغم من تصريحات الرئيس التركي فإن الكثير من التقارير التركية والدولية توضح أن اللاجئين في تركيا يتعرضون إلى «استغلال مركب». فقد تم توظيف قضاياهم من قبل الحزب الحاكم لدعم شرعيته في تركيا، ومُنح البعض منهم الجنسية لكي يضطلع بأدوار سياسية في دعم الحزب الحاكم في الانتخابات البلدية الأخيرة. ومع وصول المعارضة إلى إدارة الحكم في بعض البلديات والمدن الرئيسية اتجهت الحكومة التركية إلى ترحيل مئات الآلاف وإبعادهم عن آراضيها.
وعلى المستوى الاقتصادي، تشير التقديرات السورية إلى أن تركيا استفادت بنحو 3 مليارات دولار تمثلت في مدخرات حملها اللاجئون السوريون معهم إلى أنقرة وتم ضخها في الاقتصاد التركي عبر مشروعات اقتصادية وتجارية أفادت الاقتصاد التركي، كما تم توظيفهم بمرتبات أقل مقارنة بنظرائهم الأتراك. على المستوى الإقليمي تم تجنيد الكثير منهم للقتال إلى جانب الميليشيات المسلحة المدعومة من تركيا على الساحتين السورية أو الليبية.
وقد هدفت تركيا إلى أن تبقى قضية اللاجئين «ورقة ضغط» في مواجهة القوى الغربية. وكان إردوغان قد قال إن البلدان الأوروبية تسعى لثني تركيا عن قرارها الخاص بعدم عرقلة تدفق اللاجئين والمهاجرين غير النظاميين إلى أوروبا، قائلا: «يقولون لنا سنرسل لكم مليار يورو، من تخدعون؟ فتركيا أنفقت 40 مليار دولار». وبعد أن فتحت تركيا حدودها أمام اللاجئين الراغبين في الذهاب إلى أوروبا، قررت نشر 1000 عنصر من شرطة المهام الخاصة لمنع عودتهم إلى الجانب التركي.
في هذا السياق، نفى المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، أن تكون غاية تركيا بفتح حدودها أمام طالبي اللجوء في أوروبا، تتمثل في افتعال أزمة لتشكيل ضغط سياسي بهدف تحقيق بعض المكاسب، قائلاً: «لم ننظر إلى قضية اللاجئين كمدخل للابتزاز السياسي». وشدد على أن تركيا ستواصل تقديم المساعدات إلى اللاجئين في إطار إمكاناتها وقدراتها، لكن لم يعد بإمكانها تحمل أعباء اللاجئين بمفردها ما لم يتم تقاسم الأعباء واتخاذ الخطوات في إطار الاتفاق التركي-الأوروبي حول اللاجئين. ويبدو أن الدول الأوروبية تعي أهداف السياسة التركية، حيث قال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس: «الواضح بالنسبة لنا أنه يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يواصل ويعزز الدعم المالي لتركيا».
وتسعى تركيا إلى تحقيق مكاسب سياسية وعسكرية أيضا عبر توظيف قضية اللاجئين، سواء فيما يخص مطالبها بشأن نشر منظومة باتريوت الصاروخية التابعة لحلف الناتو على أراضيها، أو فيما يتعلق بدعم خططها العسكرية في سوريا، سيما أن الرئيس التركي سبق له التلويح بفتح الحدود مع أوروبا عدة مرات، كان آخرها بالتزامن مع شن الجيش التركي عمليات عسكرية ضد مسلحي تحالف قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مناطق شرق الفرات، ضمن العملية التي أُطلق عليها «نبع السلام» التي عارضتها دول الاتحاد الأوروبي، ودعت عبر برلمانها المشترك إلى تشكيل لجان تحقيق دولية حول الأنباء التي تحدثت عن استخدام أنقرة لأسلحة محرمة دوليا خلال العملية، من بينها الفوسفور الأبيض الحارق.

ويرى فادي حاكورة، خبير الشؤون التركية في المعهد الملكي للشؤون الدولية في لندن، أن تركيا «تبتز» أوروبا وتهدف من خلال فتح الحدود إلى «جر أوروبا إلى مستنقع الحرب السورية». ويضيف: «تركيا تريد، من جهة، أن تحصل على تأييد أوروبي لعملياتها العسكرية في شمال سوريا وخصوصا في إدلب، كما أنها تريد، من جهة أخرى، الحصول على مزيد من الأموال من أوروبا».
وعلى الرغم من تزايد الرغبة الأوروبية في الوصول إلى توافقات دائمة مع تركيا بشأن قضايا اللاجئين، فإن المعارضة تتصاعد داخل كثير من دول الاتحاد الأوروبي لتحذر من الخضوع لما يطلق عليه «الابتزاز التركي» عبر توظيف قضية اللاجئين السوريين. وقد ندد المستشار النمساوي سيباستيان كورتز بما وصفها محاولة تركيا «ابتزاز» الاتحاد الأوروبي عبر فتح حدودها أمام آلاف المهاجرين واللاجئين الساعين للتوجّه إلى أوروبا. وقال للصحافيين إن ما حصل يعد بمثابة «هجوم تشنّه تركيا على الاتحاد الأوروبي».
بدوره، قال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان إن «ابتزاز» تركيا التي تهدد بالسماح بعبور ملايين المهاجرين إلى أوروبا إذا لم تحصل على مساعدات من الاتحاد الأوروبي، أمر «غير مقبول على الإطلاق»، وأضاف وزير الخارجية الفرنسي «توصلنا إلى اتفاق في 2016. يجب احترام هذا الاتفاق، إن أوروبا تحترمه وكل الدول الأعضاء تطبقه منذ أربعة أعوام، يجب أن تحترمه تركيا أيضا وخصوصا أن الالتزامات المالية كبيرة جدا».
توضح مواقف تركيا وتصريحات الساسة الأوروبيين حيالها أن ثمة إدراكا دوليا متناميا بخطورة تصاعد موجات الهجرة واللجوء في إقليم الشرق الأوسط. بيد أن المخاطر الأكبر ربما تتعلق بتصاعد التوجه لاستخدام البشر كأوراق ضغط وأدوات سياسية وعناصر قتالية بفعل القهر والإجبار لتحقيق أهداف ومصالح خاصة لبعض الجماعات الإرهابية وبعض القوى الإقليمية الداعمة لها.