تسعة أعوام من الثورة: عودوا إلى سوريتكم لتعود سوريا إليكم

* لسوء حظ السوريين أن سوريا تقع جغرافياً على حدود فلسطين المحتلة، وأن إسرائيل ترى في نظام الأسد ضمانة لها، بينما ترى إيران في سوريا ممراً طبيعياً للوصول إلى المتوسط، فيما تعتبرها تركيا منطقة نفوذ في طريقها لاستعادة نفوذ أكبر وأوسع

تمر في مثل هذه الأيام الذكرى التاسعة لانطلاق الثورة السورية مع ما يرافقها من غصة وحنين على أيامها الأولى، حيث كان الأمل الممزوج بالسذاجة وحده هو المسيطر على عقول أغلب السوريين، أمل بالخلاص من نظام ديكتاتوري يقبع على صدورهم منذ خمسين عاما، وسذاجة أن الخلاص من هذا النظام لن تكلف ما كلفته وتكلفه من دماء وأرواح ودمار.
مرت الثورة بمراحل كثيرة، وفي كل مرحلة كان البعض يظنون أن الثورة قد انتهت، من المظاهرات السلمية التي قابلها النظام بعنف ممنهج، إلى الانشقاقات وبداية تشكيل الجيش الحر لحماية المتظاهرين، ومن ثم بدء تحرير المدن والقرى إلى ظهور المتطرفين من تنظيم القاعدة ومن ثم داعش، وصولاً إلى الحرب على الإرهاب ومحاولة الضغط على إيران في سوريا وغيرها من الدول التي تصدر لها ميليشياتها، كل هذا ولا يزال السوريون كلما توقف القصف فوق رؤوسهم خرجوا ونادوا للحرية، فلا النظام انتصر ولا الثورة هُزمت، ووحدها الحرب في وعلى سوريا مستمرة.
ولكن هل يكفي بعد تسع سنوات أن نقول إن السوري لا يملك إلا حنجرته؟ صحيح أن النظام هو المسؤول الأول عن الدمار والقتل، فهو لم يدع وسيلة إلا وقتل بها السوريين من التعذيب حتى الموت إلى البراميل المتفجرة فوق رؤوس المدنيين واستخدام السلاح الكيماوي، حتى الحصار والموت جوعا وبرداً، نظام يكن العداء ليس فقط للسوريين ولكن أيضا لسوريا، ومحيطها الطبيعي، حيث استقدم الميليشيات الطائفية من إيران والعراق ولبنان وباكستان ليدمروا البلاد ويهجروا العباد، بل وأكثر من ذلك، ليتم تجنيس الكثير منهم ليحلوا مكان السوريين المهجرين، ومع ذلك فشل وفشلوا بإخماد نيران الثورة، فأتوا بالروسي لينقذهم ويشاركهم في قتال السوريين، ولكن من عرف طبيعة هذا النظام لن يتفاجأ بمدى حقده على سوريا.
كل ذلك ترافق مع غياب قيادة حقيقية للمعارضة السياسية، فإذا اعتبرنا أن الفصائل لطالما حد الدعم من استقلالية قرارها، إلا أن المعارضة السياسية اختارت بملء إرادتها أن تجلس في الصفوف الخلفية.
تميز حلفاء النظام بأنهم موحدون واستراتيجيتهم واضحة، ولأنهم من طينة النظام، فأي شأن إنساني يعتبر غير ذي قيمة بالنسبة لهم، أما ما كان يعرف بأصدقاء الشعب السوري، وهي المجموعة التي تشكلت في فبراير (شباط) 2012 وضمت نحو 70 دولة، غابت هي أيضاً مع الوقت عن المشهد السوري، وتميزت العلاقات بين أعضائها بالخلافات المعلنة وغير المعلنة، وصارت تتقلص مع الوقت حتى تلاشت، وتقلصت معها فاعلية المعارضة حتى تلاشت إلا من مجموعات تخدم أجندات دول تتصارع في سوريا.
تسع سنوات من الأحداث والتطورات، ومن الدماء التي لم تتوقف، وأطماع دول تدخل وتخرج إلى ساحة سوريا، حروب بالمباشر وأخرى بالوكالة، تسع سنوات ولم يبادر من يعتبر نفسه نخب سوريا إلى عقد اجتماع وتشكيل جسم بأدوات ذاتية، فعدا تشكيل المجلس الوطني في نهاية العام 2011. لم يجتمع السوريون ولا مرة دون رعاية ودعوة من دولة أخرى.
إحدى أبرز العوائق كانت غياب قيادة للثورة السورية، والقيادة ليست بالضرورة قائدا، بل قد تكون مؤسسة تملك رؤية واضحة وتضع استراتيجية وتخطط بدل انتظار التقاطعات الدولية والإقليمية لتصب في صالح قرار من هنا أو اجتماع وبيان من هناك.
لسوء حظ السوريين أن سوريا تقع جغرافياً على حدود فلسطين المحتلة، وأن إسرائيل ترى في نظام الأسد ضمانة لها، بينما ترى إيران في سوريا ممراً طبيعياً للوصول إلى المتوسط، فيما تعتبرها تركيا منطقة نفوذ في طريقها لاستعادة نفوذ أكبر وأوسع، ومن سوء حظ السوريين أن الإسلاميين لم يتعلموا الدرس لا مما حصل في سوريا في ثمانينات القرن الماضي ولا مما حصل في مصر قبل أعوام، ولكن سوء الحظ لا يكفي ليكون مبررا للاستسلام، فالمعارضة المدنية الوطنية التي فشلت في إنتاج استراتيجية بناءة، وكانت أفعالها دوما عبارة عن ردود أفعال آنية، مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى التحرك الجدي والفاعل ونبذ خلافاتها الشخصية والفكرية جانبا لإنتاج رؤية تتوافق مع ما ضحى السوريون من أجله طيلة الأعوام التسعة الماضية، ولإعادة تمسكها ببيان «جنيف-1» كأساس للحل، (فالقرار 2254 لا يزال القرار الدولي الملزم لحل القضية السورية) وللتصدي لمحاولات تقاسم سوريا وتسليمها أشلاء لدول محور سوتشي وآستانة من خلال التوافقات والتفاهمات الروسية الإيرانية التركية، وإلا فسوريا أمامها أعوام طويلة من الصراعات والحروب العبثية، بعد أن حولها الأسد إلى محرقة وساحة. تذكروا حمزة الخطيب ورفاقه في مدارس درعا، تذكروا غياث مطر وورود داريا، تذكروا رزان زيتونة، عودوا إلى سوريتكم أولا لتعود سوريا إليكم.