كتاب يكشف أسرار الشتات الروسي في مصر

الإسكندرية الروسية... قدر المهاجرين

* يوثق الكتاب أيضاً لتاريخ العلاقات التجارية المباشرة، حيث أنشأت الغرفة التجارية الروسية عام 1903 بالإسكندرية حين كانت بورصة الإسكندرية ثالث بورصات العالم بعد نيويورك ولندن

* بدأت أعداد الروس في التناقص عقب حرب 1948، وعقب ثورة 1952 ثم بعد حرب 1956 فترة العدوان الثلاثي على مصر. ولا تزال شواهد قبور الروس في مصر شاهدة على فترة حيوية من تاريخ مشترك بين مصر وروسيا

* حدث تزاوج بين أبناء الجالية الروسية وعدد من الجاليات أهمها اللبنانية واليونانية فضلا عن المصريين، كما عملوا في مهن متنوعة

القاهرة: كثيرة هي حكايات الجاليات الأجنبية التي استوطنت الإسكندرية منذ تشييدها على يد الإسكندر المقدوني عام 31 قبل الميلاد، فمنذ ذاك التاريخ استوطنها اليونانيون إلى جانب سكانها وجعلوا منها عاصمة لمصر واستوطنتها جنسيات من مختلف أنحاء العالم: مقدونيون ورومان وفينيقيون وهنود وأفارقة وغيرهم، لكن الكتابات والدراسات انصبت على هذه الجنسيات، خاصة اليونانية والإيطالية والشوام والمغاربة، أيضا بينما كانت هجرة الجالية الروسية من الأمور الممنوعة، ومع قيام روسيا الاتحادية وزيارة الرئيس بوتين لمقابر المهاجرين البيض بضواحي باريس، سمحت السلطات الروسية للباحثين الروس بالنبش في هذا الماضي المجهول.

يشير الكتاب إلى أنه ظهر مؤخرا في أرشيف السياسة الخارجية للإمبراطورية الروسية، صندوق رقم 317 باسم «الوكالة الدبلوماسية والقنصلية العامة بمصر» الذي يحتوي أسرار الهجرة الروسية لمصر في ثلاثينات القرن الماضي.

الكتاب تأليف جينادي فاسيليفيتش جارياتشكين، الذي عاش في مصر 10 سنوات عمل خلالها مديرا للمركز الثقافي الروسي بالإسكندرية وترجمه للعربية علي فهمي عبد السلام، يقع في 431 صفحة، وهو يتتبع تاريخ الجالية الروسية، ولكن يرسم بانوراما لتاريخ الجاليات الأجنبية بالمدينة التي يقول إنها كانت مركزا لكافة الجنسيات واللغات وكان يتداول بها كافة العملات، بينما كانت أجمل فتيات الإسكندرية هن: اليهوديات واليونانيات، في حين أن أبناء الجاليات الأجنبية كانوا غالبا ما يقعون في شباك بنات بحري وهو ما كان ملهما للمبدعين في الأعمال الأدبية والفنية.

يستشهد الكتاب في توثيقه لتعداد الجاليات الأجنبية في مصر نهايات القرن التاسع عشر بوصف الرحالة الروسي كارفاتسيف، ويشير مؤلف الكتاب بعد اطلاعه على الجرائد السكندرية في تلك الفترة إلى أن أبناء الجالية الروسية تعلموا في «كلية سان مارك» وكان غالبيتهم يجتاز الامتحانات في القنصلية الفرنسية بغرض استكمال التعليم في فرنسا وفقا لصحيفة «لاريفورم» السكندرية.

 



فتيات يهوديات في معبد إلياهو هنابي من مختلف الجاليات

بدأت الجالية الروسية في التوطن بالإسكندرية عام 1882 وكان عددهم 340 روسياً بين الأميركان (130)، والسويسريين (317)، والإسبان (383)، والألمان (611)، والبلجيك (477) والصرب (240). لكن في عام 1897 كانوا الأكثر عددا بين الجاليات الأجنبية، ووصلوا إلى 3192 روسياً.

ويشير الكتاب إلى ارتباط الروس بالإسكندرية، تحديداً بسبب القديسة كاترين، حيث يقومون بالحج إلى دير سانت كاترين بسيناء، فضلا عن الراهب السكندري جورج أمارتون الذي نشر الرهبنة المستنيرة في روسيا، بل كان يسمي الرهبان بلقب السكندري، ومنهم: كليمان السكندري، وفاسيليس السكندري، وغيرهما.

كذلك كانت الإسكندرية محطة هامة على طريق الحج لمكة بالنسبة للروس المسلمين، ومنهم من استوطن المدينة خاصة في أحياء مثل الجمرك في بحري القريب من الميناء. وأشهرهم كانت عائلة كولداش حسين كولداش الذي قطن في شارع وكالة الليمون، وكان منزله مقرا لضيافة الحجاج الروس أثناء وجودهم بالمدينة.

ويذكر الكتاب وصف أحد الحجاج الروس للإسكندرية أرسيني سوخانوف عام 1651 ميلادية، قائلا: «الإسكندرية مدينة أبنية غير عادية؛ فلا توجد مدينة مثلها تم تزيينها بهذا القدر»، ووصف مسلتي كليوباترا والأعمدة الحجرية والمرمرية التي كانت تزين المدينة.

يوثق الكتاب أيضاً لتاريخ العلاقات التجارية المباشرة، حيث أنشأت الغرفة التجارية الروسية عام 1903 بالإسكندرية حين كانت بورصة الإسكندرية ثالث بورصات العالم بعد نيويورك ولندن.

يشير الكتاب إلى الجيل الثالث من المهاجرين الروس وأبنائهم الذين طبعوا بملامح مصرية سكندرية، ومنهم الشاعرة عزيزة كاتو، وأحمد يحيى عاشور. ومن خلال الدراسة المتأنية للمؤلف يؤكد أن الروس كانوا من أكثر الجاليات مناطحة للإنجليز (أسياد البلد) كما كان يطلق عليهم في بدايات القرن العشرين، في مستوى التعليم. أما توزيع الجالية الروسية في المدينة فكان ما بين المنشية وميناء البصل والعطارين والجمرك ومحرم بك بالقرب من محطة مصر. 

وفي عام 1917 سكن الروس بعض الأماكن الشعبية مثل اللبان، ثم بدأ بعضهم يسكن مناطق الشاطبي والأزاريطة وهي مناطق للطبقة الوسطى.

ويعزو المؤلف الزيادة الهائلة في أعداد المهاجرين الروس إلى الاسكندرية في الفترة التي أعقبت مذابح المائة السوداء مع بداية الثورة الروسية الأولى، وبدأت تتدفق أعداد كبيرة من اليهود من روسيا وأوكرانيا هربا من الاضطهاد، لذا قامت سيدة تدعى مدام زفينيجور دسكايا بتأسيس «اتحاد المهاجرين الروس اليهود» عام 1905 بالإسكندرية لتوزيع المساعدات المالية على المهاجرين.

 



صورة لأبناء الجالية على شاطيء الاسكندرية أما معسكر سيدي بشر

 

الإسكندرية مقراً للثوار الروس

في مطعم «سيفاستوبول» بالإسكندرية لصاحبه الروسي يوزيفوفيتش كان البحارة الروس يطلعون على الصحف والمطبوعات الممنوعة ومنها جريدة «إيسكرا» اللينينية التي تم منعها في روسيا، وكانت ترسل عبر السفن من الاسكندرية إلى روسيا، وتخزن في المطعم، وتحول المطعم لمركز للدعاية الثورية في عهد الاحتلال البريطاني لمصر.

ومع إصرار السلك القنصلي الروسي بالإسكندرية أُغلق المطعم وتمت مصادرة المطبوعات ومع إلقاء القبض على بعض البحارة الروس، هبّ أهل الإسكندرية في مظاهرات كبيرة لحماية الروس في 19 و20 يناير (كانون الثاني) 1907 وكانت بحسب الصحف في ذلك الوقت من أكبر المظاهرات التي انتقل صداها للقاهرة وتم تشكيل لجنة من المتظاهرين والثوار لمقابلة اللورد كرومر.

قصص مثيرة يرويها الكتاب عن محاولات تهريب السجناء الروس من سجن الحضرة الذي لا يزال قائما حتى اليوم وسجنت به ريا وسكينة، أشهر سفاحتين في العالم العربي، حيث كانت الإسكندرية مسرحا لجرائمهما.

كانت الإسكندرية أيضا مركزا للصحافة بكل اللغات فصدرت فيها جريدة «مورياك» الروسية وتعني «البحار»، والتي كانت تهرب إلى السواحل الروسية، وهكذا تعايشت الجالية الروسية سواء في التجارة أو الصناعة، كما انغمسوا في حركات اليسار السكندرية.

في عام 1920 وصل اللاجئون الروس إلى الإسكندرية على متن 5 سفن: «إمباري»، و«جلوتشيستر كلاس»، و«جيلمجورن كاسيل»، و«ساراتوف»، و«بارون بك»، حيث نقل ضباط وجرحي وعائلاتهم عقب هزيمة جيش دوبروفولسكي تحت قيادة الجنرال دينيكن بجنوب فرنسا، ووضعوا بالحجر الصحي «الكارانتينا» ثم تم توزيعهم على المشافي في الإسكندرية بسيدي جابر والعباسية بالقاهرة، وبعدها تم نقلهم لمعسكرات في سيدي بشر النائية آنذاك.

 



حي ستانلي في بدايات القرن العشرين الاسكندرية الكوزموبوليتانية

ويشير المؤلف إلى أن الجالية انخرطت في العمل التجاري وافتتحت المطاعم والأكشاك، وأسسوا مدارس صغيرة ومسرحا ومكتبة وكنيسة وفرقا موسيقية وغنائية وفريق كرة قدم لأبناء الجالية بمعسكر سيدي بشر.

كان المعسكر تحت الإدارة البريطانية والتي رغم تقديمها الدعم والمساعدات لهم قررت إغلاق المعسكر وإعادة اللاجئين لبلادهم.

يستعرض الكتاب الكثير من اليوميات والمذكرات والأحاديث التي جمعها من أبناء الجالية الروسية حول الحياة اليومية للجالية وذكرياتهم عن تلك الفترات في سرد شيق ممزوج بالتوثيق التاريخي الدقيق، وهنا لا بد أن نشيد بالترجمة السلسة والمفردات العربية المعبرة التي استعان بها المترجم والتي تشعر معها أثناء القراءة أنها لغة الكتاب الأصلية وليست الروسية.

ويلفت الكتاب إلى أن حياة الجالية الروسية تأثرت فور اعتراف مصر بروسيا السوفياتية مما أدى لتضرر الدبلوماسية الشعبية التي كانت قائمة بين الجالية والجاليات الأخرى في الإسكندرية. وباتت الصحف تنوه باعتراف الحكومة بالبلاشفة.

هنا جاء التحول الدراماتيكي للمهاجرين الروس وبدأت المواجهات وتمت محاكمة الشيوعيين المصريين، وتمت مراقبة الطلاب المصريين بموسكو باعتبارهم محرضين على الثورة، فيما شددت السلطات الإنجليزية - المصرية إجراءات دخول المهاجرين الروس للقضاء بسبب الدعاية للشيوعية.

بدأت بعد ذلك إجراءات ترحيل الروس من مصر. وبدأ حرمان الروس من الحصانة السياسية وخضعوا لرقابة مشايخ الحارات.

يستعرض المؤلف أيضا شعر الحرب الذي كتبه الروس بالإسكندرية تأثرا بتلك الحقبة التي عايشوا فيها أجواء الحرب العالمية الأولى.

 



المقابر الروسية بالعلمين

ينقلنا الكتاب إلى الأجواء الأدبية والحياة الثقافية الروسية والتواصل بين ليو تولستوي ومحمد عبده والمراسلات التي تمت بينهما، وتأييد عبده له عقب طرده من الكنيسة، فيما يشير الكتاب إلى القصيدة التي كتبها بوشكين في الإسكندرية وتضمنتها روايته «ليالي مصرية»، ومنها:

ها هو النهار قد اختفى

ويشرق قمر ذهبي القرون

غطت القصور السكندرية

ظلال حلوة

تدق النوافير، تشتعل المصابيح

تدخن بخور خفيفة

وبرد حسي شغوف

يستعد لآلهة الأرض

في مرقدها الفاخر الظليل

بين عجائب مغرية

تحت مظلة ستائر أرجوانية

يلمع سرير ذهبي

كذلك كتب بريوسوف، رائد الرمزية الروسية في بدايات القرن العشرين شعرا اعتبره استكمالا لقصيدة بوشكين في عشق الإسكندرية وكليوباترا. وكذلك ألهمت الإسكندرية عددا كبيرا من الشعراء الروس ومنهم: إي بونين (1870-1953)، وأخماتوفا (1889-1966) وميخائيل كوزمين، الذي كتب:

عندما يقولون لي الإسكندرية

أرى غروبا شاحبا أحمر فوق البحر الأخضر

ونجوما شعثاء تتلالأ

وعيونا ملونة تحت حواجب كثيفة

أراها أيضا

عنما يقولون لي: الإسكندرية!.

 



المقابر الروسية بالشاطبي

يشير الكتاب إلى أن الروس السكندريين أيضا كانوا متابعين لكل ما يحدث في روسيا وتم التبرع منهم لجوعى روسيا تحت رعاية محافظ الإسكندرية هداية باشا، وتم تشييد قوس نصر في شارع فؤاد أمام مبنى محافظة الإسكندرية بمشاركة الفنانين السكندريين على مدار 10 أيام، وأقاموا ألعاباً وعروضاً وياناصيب وكله تم إرساله للمتضررين في روسيا، في كرنفال خيري حيث كانت الجاليات كلها تقيم الكثير منها في شوارع المدينة.

كما حدث تزاوج بين أبناء الجالية الروسية وعدد من الجاليات أهمها اللبنانية واليونانية فضلا عن المصريين، كما عملوا في مهن متنوعة. وبدأت أعداد الروس في التناقص عقب حرب 1948، وعقب ثورة 1952 ثم بعد حرب 1956 فترة العدوان الثلاثي على مصر. ولا تزال شواهد قبور الروس في مصر شاهدة على فترة حيوية من تاريخ مشترك بين مصر وروسيا. 

وذيل الكتاب بمجموعة من المراجع والوثائق والمراسلات التي صنفت بأنها «سرية للغاية» بين أبناء الجالية ومواطنيهم في روسيا وصور نادرة تعكس الحياة الروسية في الإسكندرية وصور قديمة للإسكندرية الكوزموبوليتانية ليرصد صفحة هامة من العلاقات المصرية الروسية بين الشعبين.