الجزائر.. بين مطرقة الحراك وسندان «كوفيد-19»

* إجماع وطني واسع على الحاجة إلى تأجيل المسيرات الأسبوعية وغيرها من التحرّكات الشعبيّة، التي صارت تشكّل خطرًا على الصحّة العامّة وعلى الأمن الوطني
* أصر وزير الصحة عبد الرحمن بن بوزيد على دعوة الجزائريين لوقف المسيرات الشعبية، معتبرًا أنّ «من الخطر علميّا» مواصلة التظاهر

تطلّب الأمر أكثر من ثلاثة أسابيع بعد ظهور أول حالات الإصابة بفيروس كورونا في الجزائر، لكي تشرع السلطات في الإعلان عن التدابير الأولى لمكافحة انتشار الوباء، مثل إغلاق الأماكن العامّة ومنع الحفلات، ووقف جميع الأنشطة الرياضية وكذلك المؤسّسات العامة. رغم الارتفاع المسجّل في عدد المصابين، حيث تم إحصاء أكثر من 75 حالة بتاريخ 18 مارس (آذار) الحالي، وتبدو الحكومة مترددة في إعلان قرار العزل العام، على الأقل فيما يخصّ المدن الأكثر تضررًا. وقد قررت السلطات سرعة إغلاق المدارس ودور الحضانة والجامعات والمساجد، إلا أنّها لا تزال عاجزة عن الذهاب أبعد من ذلك. من ذلك تمّ غلق كلّ المنشآت الرياضيّة والشبابيّة والترفيهيّة إلى غاية يوم 5 أبريل (نيسان)، وتأجيل لنفس التاريخ، جميع الأنشطة المرتبطة بتنقل الشباب والتوأمة بين دور الشباب إلى تاريخ 5 أبريل. وأيضًا تأجيل للفترة ذاتها، جميع الأنشطة الشبابية والمهرجانات والاجتماعات والمعارض والصالونات، المبرمجة على المستوى المحلي والجهوي والوطني، وكذلك جميع أنشطة التنزه في الهواء الطلق وغير ذلك من الأنشطة المشابهة. لكن حان الوقت لتوسيع مجال هذه الإجراءات. 
مثل هذا التردد كلّف دولاً أخرى الثمن غاليا، مثل إيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة وحتى إيران، التي تردّدت قبل اتخاذ قرارات جذرية. لمواجهة هذا الوضع القاتم، وأعلن رئيس الوزراء عبد العزيز جراد على الإذاعة الوطنية عن اتخاذ إجراءات، خاصّة في مناطق بعينها، مثل البُليدة وبوفاريك (بؤرة فيروس كورونا) لمحاصرة الفيروس. وهو إجراء يأتي قي شكل قرار بالعزل الشامل دون أن يتمّ الإعلان عن الأمر صراحة. 
ويبدو هذا القرار حكيما من أجل كسر سرعة انتقال هذا الوباء الذي انطلق من مدينة البُليدة وهو بصدد الانتشار في سرعة كبيرة من ولاية إلى أخرى، حيث أكدت التحقيقات الوبائية التي أجريت حتى الآن أن منحنى العدوى المتصاعد في الجزائر تهيمن عليه الحالات التي تم تحديدها في حاشية عائلة البليدة التي كانت تؤوي مهاجرًا جزائريا بالخارج، عمره 83 عامًا أو أناس كانوا في إسبانيا أو من فرنسا. 
وفي مسعى لطمأنة الرأي العالم أعلن رئيس الوزراء: «أسوة بالعالم بكامله، فوجئنا بهذا الوباء، ونحاول بالقدرات والموارد البشرية المتوفرة والمعدات التي بحوزتنا، التصدّي له... وفي غضون أسبوع، استوردنا معدات بقيمة ملايين الدولارات وكاميرات تصوير حراري وأدوات ومضخات لتعويض أوجه القصور التي لدينا، إضافة إلى طائرة وصلت من الإمارات العربية المتحدة. وفي المجمل، تمّ تخصيص مبلغ 4000 مليار سنتيم جزائري لمكافحة فيروس كورونا». 
من الأكيد أنّ هذا الوباء سيضع النظام الصحي الوطني موضع الاختبار، وهو نظام كان دائمًا موضع نقد شديد.


 
استغلال فيروس كورونا لأغراض أخرى؟
من ناحية أخرى، دحض رئيس الوزراء الاتهام الذي وجهه مناضلو الحراك، باستغلال فيروس كورونا، بغاية منعهم من التظاهر. من ذلك تطرّق رئيس الوزراء، لأوّل مرّة إلى «مواصلة التظاهر»، محذرا من كلّ محاولات الاستغلال. معتبرا أنّ الحكومة لا تسعى بأي حال من الأحوال إلى استغلال الوضع سياسيا، كما يعمد البعض... «ماذا تريدون منّي أن أقول أمام هذه الكلام الغريب. البلد يقف في وجه وباء عالمي، وهناك من يعلن أن الحكومة تقف وراء هذا الأمر. قمّة في السخافة». في السياق ذاته، دعا الجزائريين الذين يتظاهرون يوم الجمعة إلى توخي الحذر واليقظة واتخاذ الاحتياط لأن الأمر يتعلق بحياتهم وصحتهم وصحة جيرانهم وآبائهم وأطفالهم، وأكّد رئيس الوزراء قائلا: «عندما أرى نساءنا وأمهاتنا وأخواتنا يخرجن للتظاهر، لا أريد منعهن من القيام بذلك. لكنني أقول لهنّ إنّ هذه لحظة حساسة للغاية، عندها يجب أن يفهمن أننا في وضع استثنائي وأن هناك حاجة إلى اتخاذ إجراءات استثنائية»، ويرى كذلك أنّ «هناك في الحراك، من يعتقد أنّ الدولة تبحث عن ذرائع سياسيّة لمنعه»، ودعا الجزائريين إلى أخذ الحذر من التلاعب ومن الأصوات التي تريد جرّ البلاد نحو الفوضى. 
من جانبه، أصر وزير الصحة عبد الرحمن بن بوزيد على دعوة الجزائريين لوقف المسيرات الشعبية، معتبرًا أنّ «من الخطر علميّا» مواصلة التظاهر، مؤكّدُا: «حين نضع جانبا المطالب الشعبيّة التي أحترمها، فإنّ الحراك لا يعدو أن يكون سوى تجمع بشري، يمكن أن يحمل بعض المشاركين فيه، فيروس كورونا، وما يعنيه ذلك من انتقال للعدوى. لذلك، من منظور علمي، تشكّل مواصلة الحراك خطرا أكيدًا». 
من جانبه، أعلن رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، في 17 مارس (آذار)، عن سلسلة من الإجراءات الوقائية للتصدّي لوباء فيروس كورونا، تتمثّل أساسًا في غلق الحدود البريّة، حتى إشعار آخر، باستثناء حالات خاصّة. كما أعلن رئيس الجمهورية، في خطابه إلى الجزائريين، عن حظر المسيرات والتجمعات العامة الأخرى، في إشارة إلى الحراك، وكذلك إغلاق المساجد، مع الحفاظ على الأذان. كما ندد الرئيس تبون بالتجار الذين يقفون وراء النقص في البضائع، حين يعمدون إلى سحبه من السوق، رغبة في رفع ثمنها بشكل كبير، محذرًا المضاربين من المتابعة جنائيا. كما ستشمل المتابعة مروّجي الأخبار المكذوبة الذين يعملون على نشر الذعر بين السكان.


 
هل يجب تعليق الحراك؟
من ذلك ارتفعت لحسن الحظّ، كثير من الأصوات، في مواجهة بعض المتشددين الذين يدافعون بتهوّر عن استمرار المسيرات الأسبوعية في هذه الفترة العصيبة من انتشار «كوفيد-19»، وتدعو الجزائريين إلى تغليب صوت العقل، مثل المحامي والمناضل الحقوقي مصطفى بوشاشي، الذي دعا إلى التعقّل وتعليق مؤقت للمسيرات، معلنًا على صفحته في «فيسبوك»: «الحكمة تتطلب الوقف المؤقت للمسيرات حفاظا على الصحة العامة. في انتظار تطور الوضع، هذه هي أفضل طريقة للحفاظ على الطابع الحضاري للحراك، مع وجوب التفكير سويّا في بدائل أخرى». من ناحيته اعتبر الناشط السياسي جمال زناتي أنّ هذا الوباء «وجب أن يطرح على الضمائر أسئلة بخصوص الوضع المتداعي لمنظومتنا الصحيّة وعدم تحلّي من يحكمون بالمسؤوليّة». 
وفي صفحته على «فيسبوك»، يدرك جمال زناتي رغبة السلطة في وأد الحراك، مع إدراك المخاطر التي يشكلها فيروس كورونا على الجزائريين، حيث «يكمن دورنا أيضًا في هذه اللحظة العصيبة في التوفيق بين الحماية والاحتجاج، وليس جعلهما في وضع تناقض. بعبارة أخرى، الجمع بين التصميم والمسؤولية. هذا ممكن طالما هناك اتفاق حول أشكال النضال المتكيفة مع هذا السياق الاستثنائي والظرفي». من جانبه، يوافق الدبلوماسي السابق عبد العزيز رحابي، وهو أيضا من الحراكيين هذا التمشّي، وعبّر عن ذلك في رسالة نشرها في حسابه على «تويتر»، دعا من خلالها إلى تعليق المسيرات مؤقتًا، حيث قال: «يتأكّد تعليق المسيرات مؤقتًا، بسبب المخاطر الصحية، في صورة واجب وطني ونضالي»، معلنا أنّ الجزائر تعيش حالة طوارئ صحية غير معلنة بسبب الوباء الناتج عن فيروس كورونا، وبسبب عدم جاهزيّة نظامنا الصحي»، ليضيف أن «هذا القرار يساهم في حفظ بلادنا وشعبنا من عواقب وخيمة، قد تأتي على الوضع العام في الجزائر»، مشيرًا إلى أن هذا الإجراء لن يؤثر بأي شكل من الأشكال في الحق الدائم وغير القابل للنقاش، في التظاهر بحرية من أجل جزائر أشدّ قوّة وأكثر إنصافًا. 
على ذات الرأي يأتي القيادي في «التجمّع من أجل الثقافة والديمقراطيّة» محسن بلعباس، وهو من الحراكيين الأوائل، حيث يدعو الجزائريين إلى تغليب العقل، وكتب في صفحته على «فيسبوك»: «إعطاء الأولويّة وتغليب سلامة الجزائريين مسؤولية الجميع». 
كما نصح سلفه سعيد سعدي المشاركين في الحراك بالتوقّف تمامًا. ملخصّا مثل عادته المسألة في جملة واحدة: «أثناء الثورة، تسود العاطفة على العقل، لكن للعيش بحرية، يجب أن تكون على قيد الحياة». 
من جانبه لم يفوّت مدرّب منتخب «الخضر» جمال بلماضي الفرصة لمطالبة الجزائريين باليقظة. معلنًا عبر تسجيل صوتي منشور على موقع الجامعة الجزائرية لكرة القدم: «في هذه الفترة الغامضة والمضطربة، أردت كمواطن ومدرب أن أخاطب جميع المواطنين الجزائريين حيثما كانوا، لأطلب منهم، الاعتناء بأنفسهم وبعائلاتهم، وأخذ جميع الاحتياطات المعلن عنها للوقوف في وجه هذا الوباء». 
كذلك، دعت كثير من الشخصيات الوطنية الشهيرة والمؤثرة في الرأي العام، مثل العالم نور الدين مليكجي، والصحافي حفيظ دراجي، إلى إعمال العقل. باختصار، إذا كان الحراك لا يولي اهتمامًا إلى الخطاب الرسمي الذي يشكّ في رغبته في استغلال الخطر الحقيقي لفيروس كورونا من أجل وأد التحرّكات المطلبيّة، فهو كذلك لا يمكن أن يصمّ آذانه أمام الدعوات التي أطلقتها شخصيات، لا يرقى أدنى شكّ بخصوص دعمها لهذا التحرّك الجماهيري. 
بشكل عام، يتجلّى إجماع وطني واسع على الحاجة إلى تأجيل المسيرات الأسبوعية وغيرها من التحرّكات الشعبيّة، التي صارت تشكّل خطرًا على الصحّة العامّة ومن ذلك على الأمن الوطني. في اضطرار لأخذ استراحة تلي سنة كاملة من التعبئة دون توقّف، يعبّر الحراكيون عن درجة عالية من المسؤوليّة، ويثبتون بما لا يدع مجالا للشكّ ما يتميزون به من وطنية وفطنة. وهو موقف يستبعد كل التوصيفات التي حاول البعض إلصاقها بالحراك، بما أنّ الغالبية العظمى قدّرت خطورة الوضع وقررت التعاون للانتصار على عدوّ الجميع رقم واحد «كوفيد-19».
ختامًا، وجب أن نعلن في قوّة وبصوت عال، عن وجوب معرفة نقاط قوّة هذا الفيروس وكذلك نقاط ضعفه، لمقاومته بشكل فاعل. 
حتى الآن، لم تفعل وسائل الإعلام الوطنية ما هو مطلوب، وليست مبدعة بما يكفي، في تعاملها مع هذه المعلومات الحيوية، ولا تعتبر الوباء موضوعًا ذا أولويّة ضمن الأخبار الوطنية، ولا تعطي الانطباع بأنها معنيّة حقّا بالأمر. وجب أن يتغيّر الأمر، لتتمكّن البلاد من تفادي المرحلة الثانية وكذلك الثالثة من هذا الوباء، بمعنى العزل الجماعي العام وما هو الإزعاج الذي يسببه هذا الأمر، إضافة إلى تردّي الوضع الاجتماعي والاقتصادي في البلاد. كما نرى، عدد لا بأس به من الأطباء أخذوا زمام المبادرة ونشروا مقاطع فيديو على الشبكات الاجتماعية لتنبيه المواطنين، لكن هذا ليس كافيا. 
ومن الضروري، أن يكون الهجوم ضد المخاطر التي يمثلها فيروس كورونا واسع النطاق. يجب على الجزائر أن تضع كل أسلحتها الإعلامية في المعركة. يجب أن نجعل الجزائريين يفهمون أن ما يحدث في أوروبا سيحدث لهم حتمًا، إذا لم يتخذوا ما يلزم من احتياط على وجه السرعة. يجب أن تكون الرسالة واضحة وقوية ويتم تحيينها بانتظام. لا تحدِثُ الصور التي تبثها محطات التلفزيون الأجنبية رد فعل لدى الجزائريين، يتناسب مع حجم الخطر. الأمر طبيعي. وجب أن يتولّى الجزائري مخاطبة الجزائري، ليكون الوعي حقيقة بدرجة الكارثة الصحية التي تلوح في الأفق.