زيارة حميدتي لمصر... هل تحسم الملفات العالقة بين القاهرة والخرطوم؟

في ظل المواقف السودانية الأخيرة التي لا تخدم المصالح المصرية
* زيارة حميدتي للقاهرة سوف تسهم في «حلحلة» الملفات العالقة بين مصر والسودان، خاصة في ظل حقيقة أن هناك 5 ملايين سوداني يعيشون في مصر، مما يدل على عمق الروابط السياسية والتاريخية التي تجمع الشعبين
* توضيح مخاطر الموقف السوداني في أزمة سد النهضة وعمل اصطفاف شعبي في السودان هو تحرك مهم للدولة المصرية وهذا سيأتي بالاتصال العرضي والأفقي بين دوائر الإعلام المصرية والسودانية
* الموقف السوداني واقع تحت ضغوط ولو قامت مصر بمساعدة السودان لإخراجه من تحت هذه الضغوط فسوف تتبدل الأمور
* توجد قوى سياسية سودانية، رسمية وغير رسمية تضغط على النظام السوداني حتى يبني سياساته ومواقفه السياسية طبقا للمصالح السودانية دونما اعتبار للتنسيق مع مصر
* مصر لم تطلب من السودان التخلي عن مصالحه أو التماهي مع الموقف المصري أو أن يصطدم بإثيوبيا ولكنها تطلب من السودان اتخاذ موقف متوازن يحقق مصالح السودان ولا يضر بمصر
* زيارة حميدتي للقاهرة لن تحدث تغييرا نوعيا في مواقف السودان خاصة من أزمة سد النهضة لأن إعلانه قيام السودان بالوساطة هو تنصل من المسؤولية ومجرد استهلاك للوقت
* التصريحات الأخيرة التي خرجت عن مسؤولين سودانيين لا تنبئ بخير وتدل على سوء نية ولكن زيارة حميدتي للقاهرة من الممكن أن تضع الأمور في نصابها

القاهرة: زيارة النائب الأول لرئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان، محمد حمدان دقلو (حميديتي) للقاهرة فتحت الباب حول التساؤلات عما إذا كانت الزيارة قد تحسم الملفات العالقة بين مصر، والسودان، خاصة في ظل المواقف السودانية الأخيرة التي تتعارض والمصالح المصرية، والتي كان آخرها رفض الخرطوم التوقيع على اتفاق واشنطن لتسوية أزمة سد النهضة الإثيوبي في فبراير (شباط) الماضي، والتحفظ على قرار الجامعة العربية بالتضامن مع مصر في تأمين مصالحها المائية في مارس (آذار) الجاري، ودعمها للموقف الإثيوبي، إضافة إلى بقية الملفات الأخرى التي تتعلق بالداخل السوداني ولها تأثيرات مباشرة على الأمن القومي المصري والتي يأتي على رأسها التفاعل مع جميع أطراف الأزمة السودانية، خاصة بعد المحاولة الفاشلة لاغتيال رئيس الحكومة عبد الله حمدوك، وملف مثلث حلايب وشلاتين الحدودي الذي ترفض مصر الخوض فيه على أساس أنه أرض مصرية خالصة، وهو ما دعا «المجلة» لمناقشة القضية مع عدد من المتخصصين في الاستراتيجية، والشأن الأفريقي...

 




مشهد لنهر النيل الأزرق المار عبر سد النهضة الإثيوبي (غيتي)


 
حلحلة الملفات العالقة
من جانبه، قال الخبير الاستراتيجي بأكاديمية ناصر العسكرية العليا اللواء محمد سلمان، لـ«المجلة»: 
بالتأكيد زيارة النائب الأول لرئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان محمد حمدان دقلو «حميدتي» للقاهرة سوف تسهم في حلحلة الملفات العالقة بين مصر والسودان، ومما لا شك فيه أن السودان هي العمق الاستراتيجي للدولة المصرية وما يربطنا بالسودان ليس علاقات جيرة وحدود مشتركة فقط، ولكن تربطنا أواصر تاريخية، وأواصر شعبية، فالدم واحد، والشعب في الدولتين يشرب من نيل واحد، وكانت السودان جزءا من الدولة المصرية في مرحلة تاريخية، ولا ننسى أن مصر يقيم فيها 5 ملايين سوداني يتمتعون بكامل حقوق المواطنة، ولا فرق بينهم وبين أي مواطن مصري، ولا يعيشون في مصر كلاجئين، أو في خيام، ولكنهم يعيشون معيشة طبيعية، وينعمون بكل ما تقدمه الدولة المصرية لهم، والموقف السوداني الحاصل خلال الفترة الأخيرة، وهو ما يتعلق بسد النهضة، هو موقف ملتبس، وتعرضت فيه السودان لضغوط كثيرة جدا من بعض الدول التي لا تريد الخير لمصر، ونحن نعي ذلك جيدا في مصر، وهناك خلال العامين الماضيين قامت قطر بتقديم سلفة للبنك الوطني السوداني في حدود ملياري دولار، كما قدمت حكومة فايز السراج في ليبيا أيضا للسودان سلفة بمليار دولار، وأصبحت هذه الأموال وسيلة ضغط على الحكومة السودانية، وإذا كانت سياسات هذه الدول مغايرة للسياسات المصرية، فإنها تجبر السودان على اتخاذ مثل هذه المواقف، ونحن نقدر هذه الظروف ونتعامل معها في حدود هذه الظروف بوسائل كثيرة، منها إقناع القيادة السياسية بالمشتركات بين الدولتين، وإقناع بعض الدول الخليجية بتوفير بدائل نقدية يحتاجها السودان، حيث إنه إذا تم قطع المعونة القطرية أو الليبية عنه لا تهتز أركان الحكم أو يتأثر الاقتصاد السوداني بذلك، وهذا محور، كما أن هناك محاور أخرى كثيرة، منها: الإعلام، والتواصل الشعبي، وتوضيح خطورة تأييد السودان للجانب الإثيوبي فيما يخص أزمة سد النهضة، بالشكل الذي تريده إثيوبيا من حيث البناء والإدارة والتشغيل والتخزين، وخطورته على السودان، خاصة الخطورة الفنية في جسم السد ومعدلات الأمان الخاصة به، حيث إن التقارير الفنية الصادرة من مراكز البحوث العالمية، والدولية المتخصصة أكدت أن معامل الأمان الخاص به لا يتجاوز 20 في المائة. 
وفي حال انهيار السد فإن تأثيراته ستكون محدودة على مصر. أما بخصوص السودان فسوف تكون تأثيراته خطيرة للغاية، حيث إن الأثر المدمر قد يحدث في السودان لأن السد تم بناؤه في منطقة لا تبعد سوى 15 كيلومترا على الحدود الإثيوبية السودانية، ومعنى هذا أن إثيوبيا نفسها لن تتأثر بانهيار السد، ولكنه يعني تدمير جميع المنشآت المائية المقامة على النيل في السودان، وغرق جميع المناطق، وحتى العاصمة السودانية الخرطوم، وملايين الأفدنة، وتشريد أهلها، وهذا وارد لأن سد النهضة بناء خرساني كامل، وهو يختلف عن بناء السد العالي في مصر حيث إن بناء السد العالي بناء ركامي، ومعدل تحمل البناء الخرساني أقل من معدلات البناء الركامي، حيث إن معدل الأمان في السد العالي يتجاوز 80 في المائة، وتوضيح هذه الأمور وعمل اصطفاف شعبي في السودان هو تحرك مهم لا بد أن تتحرك فيه الدولة المصرية وهذا سيأتي بالاتصال العرضي والأفقي بين دوائر الإعلام المصرية والسودانية، فالسودان لا يمكنه بين عشية وضحاها أن يستبدل العدو ويغير الأصدقاء، وقد يكون الموقف السوداني ناتجا عن هرولة للتطبيع مع الكيان الإسرائيلي وهو ما وضح من خلال لقاء رئيس المجلس الانتقالي السوداني عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وليس مهما أن يتم هذا اللقاء برعاية أميركية أو غيرها، ولكن المهم أن البرهان علق على اللقاء أنه يأتي في مصلحة السودان، وهو ما يتجلى اليوم في الموقف السوداني مع الجانب الإثيوبي فيما يخص النتائج التي توصلت إليها المفاوضات الثلاثية التي تمت برعاية أميركية، والذي أعطى قبلة الحياة للموقف الإثيوبي لأنه إذا قامت السودان بالتوقيع على الوثيقة مع مصر فكان ذلك سيظهر العوار في الموقف الإثيوبي، وكأنه اتخذ موقف «الفيتو»، والموقف الدولي الداعم لمصر كان سيصبح أكثر قوة مما هو حاصل الآن... واخشى ما أخشاه، أن ترتفع لهجة الإعلام لتخلق عداء شعبيا، فهذا الكلام لا يجوز لأن السودان أشقاء لمصر، وما أود قوله إن الأمور سوف تتغير، سواء في ظل وجود هذه الإدارة، أو في ظل إدارة أخرى تأتي عن طريق انتخابات شعبية، ويجب علينا النظر للمستقبل للحفاظ على أواصر الترابط والعلاقات الوطيدة بين الشعبين قبل أن تكون بين الأنظمة.
وأضاف سلمان: وجهة نظري أنه لا توجد تركيبة سياسية حالية في السودان لأنها تركيبة فرضتها الظروف، وفرضها الواقع، بأن قام الجيش يإقصاء الرئيس عمر البشير بناء على ثورة شعبية، وحميدتي هو في الأساس قائد قوات الدعم السريع التي شكلها البشير لتكون قوة موازية للجيش، وبعدها تطور الوضع في محاولة لإيجاد طرف سياسي محايد حتى وجد الجميع في عبد الله حمدوك طرفا علميا وسياسيا محايدا يمكنه تولي الحكومة في ظل هذه الظروف الصعبة، وبالتالي لدينا أربعة أطراف، وهي قوى الثورة والأحزاب وعلى رأسها حزب الأمة، والجيش، وقوات الدعم السريع، وعبد الله حمدوك، وهم جميعا لا تربطهم قواسم مشتركة، فبالتالي التركيبة الحالية تركيبة مؤقتة، وغير منسجمة بينها وبين بعضها البعض، أو بينها وبين الشعب السوداني، وهي تركيبة تبحث عن المصلحة السودانية المؤقتة، ولكنها لا تملك رؤية استراتيجية بعيدة المدى، والوضع يتمثل في: إما أن تحدث توعية لهذه القيادة، وإما تتم مساعدتهم لتخفيف الضغوط الواقعة عليهم، وإما أن يتم تغييرهم مع أول انتخابات تشريعية قادمة، لأنه لا يقبل أي حزب سوداني سواء حزب الأمة، أو حزب الاتحاد بما يحدث الآن في السودان.
وقال سلمان: إن زيارة حميدتي للقاهرة سوف تسهم في «حلحلة» الملفات العالقة بين مصر والسودان، خاصة أن هناك حقيقة تقول إن 5 ملايين سوداني يعيشون في مصر، وهو يدل على عمق الروابط السياسية، والتاريخية التي تجمع الشعبين المصري والسوداني، حيث حدث تصاهر، وتزاوج بين الشعبين، وما تقوم به مصر حاليا في إطار التواصل مع القيادة السياسية الحالية في السودان خاصة حميدتي هو لصالح القيادة السودانية والشعب السوداني أولا، كما أن هناك ملفات لا يمكن فتحها سواء الآن أو مستقبلا يأتي على رأسها ملف مثلث حلايب وشلاتين، حيث إن مصر ترفض التعاطي مع هذا الملف أصلا لأنها أرض مصرية مائة في المائة، وهي غير مطروحة للنقاش، لأنه يقع شمال خط عرض 22 طبقا للمعاهدة الدولية لعام 1899. وطبقا لهذه المعاهدة هذا المثلث هو جزء من التراب المصري، وهذه المعاهدة استغنت عن 110 كيلومترات من الأراضي المصرية حيث إن خط عرض 21 شمالا هو الخط الجنوبي للحدود المصرية طبقا للفرمان العثماني لعام 1843. وهو فرمان معروف وخرائطه موجودة، وكانت حدود مصر الجنوبية هي خط عرض 21، وتم التنازل عن هذه الأراضي في مقابل أن يكون الحكم في الأراضي الباقية ثنائيا مصريا إنجليزيا، وعلى السودان احترام المعاهدات الموقعة، حيث لا توجد معاهدات حدودية سوى معاهدة 1899. والتقسيم الإداري الذي حدث في عام 1902 الخاص بمثلث حلايب وشلاتين هو تقسيم إداري لوزير الداخلية المصري الذي كان يملك هذا الحق في التقسيم في ذاك الوقت، وليس معاهدة دولية، ومثلث حلايب وشلاتين منذ فترة وهو محور عمل الأحزاب السودانية وورقة تتم التجارة بها في إطار الدعاية السياسية الداخلية السودانية، ولذلك فمن الصعب حاليا، أن تجد قيادة سياسية سودانية حالية تخرج الآن لتعلن أن مثلث حلايب وشلاتين مصرية وليست سودانية وفي نفس الوقت فإن قضية مثلث حلايب وشلاتين بالنسبة لمصر مسألة غير خاضعة للنقاش.
وفي النهاية يمكن أن نرى أن التصريحات التي أعقبت لقاء حميدتي بالمسؤولين المصريين والتي أكد فيها أن السودان سيعمل على تقارب الرؤى بين مصر وإثيوبيا، هذه اللغة توضح أن هناك حلحلة في الموقف السوداني.

 




عمال في سد النهضة (غيتي)


 
 تنصل من المسؤولية واستهلاك للوقت
من جانبه، قال المتخصص في الشأن الأفريقي، الأستاذ بمعهد الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة، الدكتور أيمن شبانة: لـ«المجلة»: اتخذ السودان في البداية موقف الوسيط من الأزمة، رغم أنه شريك أساسي فيها، فالنيل الأزرق نهر دولي وليس مجرد رافد إثيوبي محلي عابر للحدود، والنهر الدولي يدار وفقا لقاعدة الملكية المشتركة وليس السيادة المطلقة، كما أن السودان لم يملك في أي وقت دراسات موثقة بشأن السد سواء للخبراء السودانيين، أو لغيرهم، كما لا يكترث بالدراسات التي تحذر من التداعيات الكارثية لسد النهضة في حال انهياره بفعل التخزين المفرط للمياه، كما توجد قوى سياسية سودانية، رسمية وغير رسمية تضغط على النظام السوداني حتى يبني سياساته ومواقفه السياسية طبقا للمصالح السودانية دونما اعتبار للتنسيق مع مصر، بدعوى أن مصر تأخذ السودان في اتجاه التشدد خلال المفاوضات، وأن السودان لديه مصالح كثيرة مع دول حوض النيل لا يمكن التضحية بها، كما تجلى تأييد نظام الإنقاذ الوطني لإثيوبيا في أمرين، أولهما، إعلان الرئيس السابق عمر البشير التأييد الصريح لإنشاء سد النهضة في ديسمبر (كانون الأول) 2013، والثاني، هو تصريح الخارجية السودانية بأن سد النهضة مشروع سيادي إثيوبي، يقام على أرض إثيوبية، وأنه سيمكن السودان من استخدام حصته المائية كاملة، والتي كان جزء منها يذهب إلى مصر على سبيل الدين، وتوج التعاون بين السودان وإثيوبيا بتوقيع اتفاق دفاعي بينهما في 29 أكتوبر (تشرين الأول) 2016 لمكافحة الإرهاب وتشكيل قوات مشتركة لتعزيز الأمن على طول حدودهما المشتركة، ومواجهة أي عدوان خارجي أو تهديدات محتملة، وانتقل «سودان ما بعد الإنقاذ» من القبول بإنشاء السد إلى موقف الداعم والمروج له، وظهرت مؤشرات ذلك في أمرين، هما رفض التوقيع على اتفاق واشنطن لتسوية الأزمة في فبراير 2020. والتحفظ على قرار الجامعة العربية بالتضامن مع مصر في تأمين مصالحها المائية في مارس 2020، ومن الواضح انحياز السودان حاليا وبمنتهى الوضوح لمصالحه المباشرة، دونما اكتراث بالضرر الذي يمكن أن يقع على مصر وذلك على أساس اعتبارين هما الجدوى الاقتصادية المباشرة للسد، والمصالح السياسية.
فعلى المستوى الاقتصادي وضعت السودان في اعتبارها تنامي علاقاتها التجارية بإثيوبيا، وتطلعها للاستفادة من السد في حجب أخطار الفيضان عن شرق السودان، ودعم إمكانات ري العروة الشتوية وإطالة العمر الافتراضي لسد الرصيرص باحتجاز كميات هائلة من الطمي، وسد 40 في المائة من العجز في الطاقة الكهربائية بالسودان حيث يعيش نصف الشعب السوداني بلا تغطية كهربائية.
وعلى المستوى السياسي رفعت الثورة السودانية شعار السودان أولا، ولذلك فهي تساند إثيوبيا نظرا لدورها في الحياة السياسية السودانية في الوقت الراهن، ووجود القوات السودانية في أبيي منذ يونيو (حزيران) 2011. واستضافة أديس أبابا لمعظم جولات التفاوض بشأن الصراع في دارفور، والحوار الوطني السوداني، والقضايا العالقة بين شمال السودان وجنوبه، والحرب الأهلية بجنوب السودان.
في ذات الوقت لم تطلب مصر من السودان أن يتخلى عن مصالحه، أو أن يتماهى مع الموقف المصري، أو أن يصطدم بإثيوبيا، ولكنها تطلب من السودان اتخاذ موقف متوازن يحقق مصالح السودان ولا يضر بمصر، ويتحقق التوازن عندما يتم التنسيق بين الدول الثلاث المعنية بالأزمة (إثيوبيا والسودان ومصر) بشأن قواعد الملء الأول، والتشغيل المستدام، فهل الهدف من السد هو توليد الكهرباء، أم الإضرار بمصر؟ وماذا يضير إثيوبيا والسودان إذا تم تنظيم الملء الأول، وضبط قواعد التشغيل، خاصة أن ذلك لن يقلل من حجم الطاقة المتولدة عن السد؟
ولذلك فإن زيارة نائب رئيس المجلس السيادي السوداني، محمد حمدان دقلو (حميدتي) للقاهرة لن تحدث تغييرا نوعيا في مواقف السودان خاصة من أزمة سد النهضة، لأن إعلانه قيام السودان بالوساطة هو تنصل من المسؤولية ومجرد استهلاك للوقت، ومصر تعرف جيدا حقيقة موقف السودان، وأن ولاة الأمر في الخرطوم حاليا باتوا يراهنون أكثر على أطراف دولية وإقليمية غير عربية، للانفكاك من الاتهامات برعاية الإرهاب، وتأمين المساعدات الاقتصادية، وضمان تأييد العملية الانتقالية وتحقيق السلام في البلاد، حيث يصنف السودان نفسه ضمن مجموعة دول شرق أفريقيا، وليس الشمال الأفريقي
 
علامات استفهام
من جانبه قال الخبير العسكري والاستراتيجي بأكاديمية ناصر العسكرية العليا اللواء حمدي بخيت لـ«المجلة»، إن الزيارات على المستوى القيادي الرفيع في ظل الأزمات تكون دليلا على أن هناك نوعا من الحلحلة، ومن الفرص المتاحة وتقليل حجم المخاطر، فالسودان في حاجة إلى الدعم المصري، والتصريحات الأخيرة التي خرجت عن مسؤولين سودانيين لا تنبئ بخير وتدلل على سوء نيه، ولكن زيارة حميدتي الأخيرة للقاهرة من الممكن أن تضع الأمور في نصابها، ونحن لا نريد التحدث في مثل هذه الموضوعات لندع التفاهمات بعيداعن سوء الفهم، وسوء التقدير، لأن الأزمات تنتج عن سوء الفهم وسوء التقدير، التصريحات التي صدرت مؤخرا عن مسؤولين سودانيين بخصوص سد النهضة، عليها علامات استفهام كثيرة، وأعتقد أن هذه الزيارة قد توضحها، لا يصح أن يكون النظام المصري قاصرا على أحد المسؤولين السودانيين بعينه، ولذلك فكل القنوات مفتوحة على كل ألوان الطيف السوداني في هذا التوقيت لأن الأمور لم تتضح بعد، وإذا كانت قوى الحرية والتغيير متسيدة للموقف في السودان إلا أن هناك لاعبين آخرين من وراء الكواليس مثل الإخوان المسلمين وغيرهم، فنحن نقطع الطريق على الكل بأن نكون على اتصال بالجميع.
وقال بخيت، اعتراض السودان على القرار العربي الصادر من جامعة الدول العربية والمساند للحقوق المصرية في أزمة سد النهضة هو ما أظهر نوعا من أنواع عدم حسن النوايا من الجانب السوداني، ومع ذلك فنحن نتيح الفرصة للجميع ونفتح الأبواب للجميع كي لا يأخذ أحد علينا ترك فرصة واحدة لم تستغل سواء من المجتمع الدولي، أو الإقليمي، أو العربي، ونكون قد أعطينا الفرص للجميع، وعملنا على جميع الاحتمالات التي تعبر عن حسن النية، ولكن إذا كان الغير يصر ويستغل هذه الزيارات لكسب الوقت، أو المماطلة فلدينا القدرة على الاستنتاج، والتحليل واتخاذ ما يلزم من إجراءات، ومواقف، ومصر تفتح ذراعيها للتعاون بكل أشكاله مع الجانب السوداني سواء التعاون العسكري، في إطار المصالح المشتركة لأنه ليس من المنطقي أن أتعاون معك عسكريا، وأنت تعمل ضد مصالحي، هناك مصالح مشتركة، ولذلك تقوم مصر بتقديم الدعم العسكري لجميع الأشقاء الأفارقة والعرب، ولا تفرق بين أحد منهم وهو دور مصر كدولة كبيرة لها ثقلها في المنطقة.
وقال بخيت إن زيارة حميدتي لمصر زيارة مهمة، ومن يأتي من السودان للقاهرة يمثل السودان، وهو شخصية كبيرة لا يمكن الاستهانة بها رغم أن مصر لا تعول على الأشخاص، ونرجع الموضوع إلى أساسياته في إطار العلاقات بين الدولتين.