«كوفيد-19»... وباء فيروسي أم إرهاب بيولوجي؟

وراء الأزمة... منافسات تجارية ومخاوف بشرية وأفكار خزعبلية
* دخلت حكومات كثيرة في سباق من أجل تبني استراتيجيات كفيلة بمنع اتساع رقعة انتشاره، وذلك عبر آليات وأدوات متنوعة
* قرر الاحتياطي الفيدرالي خفض معدلات الفائدة الرئيسية للمرة الثانية في أقل من أسبوعين لما بين صفر و0.25 % لمواجهة الآثار الاقتصادية المحتملة
* وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير يعلن أنه لا يستبعد اللجوء إلى تأميم بعض الشركات الكبرى المعرضة للخطر مع توقف النشاط الاقتصادي في فرنسا جراء إجراءات الحجر الصحي
* خصصت مؤسسة النقد العربي السعودي برنامجًا قيمته 13.3 مليار دولار لدعم القطاع الخاص، ضمن خطة تستهدف تمكين القطاع المالي من دعم نمو القطاع الخاص، ودعم جهود الدولة في مكافحة الفيروس
* يواجه تطوير اللقاح تحدياتٍ جمة تتعلق بتزايد احتمالات تحور فيروس كورونا قبل اكتشاف علاجٍ له، وقد تختلف طفرة الفيروس من مكانٍ إلى آخر
* التصدي لفيروس كورونا كان من المفترض أن يبدأ منذ انتشار «السارس» خلال العقد الماضي؛ فقد ساهم توقف برنامج أبحاث لقاح «السارس» في انتشار فيروس كورونا إلى حدٍّ بعيد
* كما هو الحال مع الإيبولا، توقف التمويل الحكومي وتوقفت صناعة الأدوية بمجرد رفع حالة الطوارئ، لتنتهي بعض الأبحاث المتقدمة قبل أن تبدأ
* في هذه الأوضاع المضطربة راجت بعض الأفكار الغريبة والتي تعكس التفكير غير السوي
* في إيران ثمة من يزعم أن الفيروس لا يصيب المسلم لأن المسلم ينظف «أنفه» خمس مرات. وثمة من يزعم أن اللطمية على الصدر في ذكرى استشهاد الحسين رضي الله عنه تقتل مئات من الكريات البيضاء في الدم فتزيد المناعة
* في المنطقة العربية، تداولت الشبكات الاجتماعية فيديو مسجلا ينُسب إلى الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، يقول فيه إن الولايات المتحدة هددته بفيروس كورونا


أنقرة: وسط رائحة الموت المنتشرة بسبب متوالية أعداد الضحايا المتزايدة يومياً، باتت فوبيا فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) تسيطر على العقول وتوجه الأحاسيس وتثير المخاوف، سيما بعدما تحولت كثير من الدول والمدن عبر العالم إلى كنتونات مغلقة، هذا في وقت لا تزال تتسع فيه مناطق انتشار الفيروس القاتل، على نحو دفع منظمة الصحة العالمية إلى تصنيفه بحسبانه وباء عالميا يجتاح قارات العالم ودوله المختلفة ليبلغ عدد مصابيه نحو 200 ألف شخص، فيما توفي أكثر من 7000 آخرين.
وبينما بدت الإجراءات الحكومية غير قادرة وحدها على وضع حد لانتشار الفيروس، فإن ذلك لم يدفع، وحسب، إلى الاستعانة بالقوات المسلحة والأجهزة الشرطية لمجابهته في كثير من البلدان، سواء من أجل تطبيق حظر التجول أو لبناء المستشفيات وتعقيم المؤسسات العامة، وإنما أدى ذلك أيضا إلى حالة من التنافس الدولي من أجل اكتشاف مصل أو لقاح يكافح هذا المرض، وفق ما أطلق عليه البعض حرب بيع «الأنتيفيروس» عالميا.
وفي الوقت الذي تسارعت فيه الجهود من أجل مجابهة المرض عالميا عبر التفكير في طرق الوقاية والعلاج، كانت الدول العربية والإقليمية - التي اتخذت حكوماتها الكثير من القرارات الاحترازية والتدابير الدفاعية لمجابهة تفشي المرض - ساحة خصبة لانتشار التفكير بـ«المؤامرة»، وإثارة «الخزعبلات» بشأن أسباب الفيروس وعلاقته بالأديان والصراعات الدولية والحروب الكونية، لتبدو مجابهة كورونا المتحور أشبه بحرب ضد المجهول، فالفيروس برزت خطورته في الصين، بيد أنها استطاعت أن تحقق تقدما ملحوظا في مجابهته، فيما أخذت حالات الإصابة بالفيروس منحى صعوديا عبر دول العالم، سيما في كل من إيطاليا، وكوريا الجنوبية، وإيران، والولايات المتحدة، بالإضافة إلى بلدان أخرى، مما ألقى بتبعات اقتصادية ومالية وخيمة على جسد الاقتصاد الدولي، وعلى نحو جعل الجميع أمام أسئلة المصير، ليس وحسب بالنسبة للاقتصاد والتجارة، وإنما بالنسبة لمصير حياة الإنسان ذاته.

 




طلاب يرتدون أقنعة الوجه ويغسلون أيديهم قبل حضور فصل في مدرسة ثانوية تديرها الحكومة في سيكوندرآباد، الهند (أ.ف.ب)


 
«كورونا»... إمكانيات المواجهة وتداعياتها
حسب أغلب التقديرات، فإن قدرة كورونا لا تقارن بالأمراض الأخرى. فقد قدّر مدير المعهد الوطني الأميركي للحساسية والأمراض المعدية، أنتوني فوسي، معدل وفيات الفيروس بنحو 2 في المائة. وتم إطلاق مصطلح «فيروس كورونا» على السلالة التي تم اكتشافها من الفيروس التي ظهرت مؤخرًا في مدينة ووهان الصينية. ونظرًا لعدم تحديد هوية هذا الفيروس بعد، فقد استقر الرأي على تسميته بـ«2019-nCoV» أو «كوفيد-19». 
ويسبب الفيروس مرضا في الجهاز التنفسي (مثل الأنفلونزا) المصحوب بأعراض مثل السعال والحمى، كما يسبب الالتهاب الرئوي في الحالات الأشد خطورة.
ومع الانتشار المخيف للفيروس حول العالم وانتقاله من دولة لأخرى بسرعة الرياح، تعرضت الكثير من القطاعات الحيوية العالمية لخسائر فادحة، مما أضر بالاقتصاد الدولي، سيما بعد أن تصاعدت حالة من الزعر لتمتد إلى الأسواق العالمية، والتي شهدت الأزمة الأعنف منذ عام 2008.
وقال البنك الآسيوي للتنمية، إن تفشي فيروس كورونا سيقلص النمو الاقتصادي في جميع أنحاء العالم. وأضاف البنك الذي مقره مانيلا أن انتشار الفيروس قد يُلحق بالناتج الإجمالي العالمي خسائر مالية قد تصل لما بين 77 و347 مليار دولار. وأوضح البنك في تحليل تضمن أفضل وأسوأ التصورات المحتملة أن النمو الاقتصادي قد يتقلص بين 0.3، و1.7 في المائة في الصين، وبين 0.2 و0.5 في المائة في آسيا النامية عدا الصين.
وأشار البنك الآسيوي للتنمية إلى أن كورونا قد يقود إلى تراجعات حادة في الطلب المحلي والسياحة ورحلات الأعمال والتجارة. وبدد الانتشار العالمي لفيروس كورونا الآمال في نمو أقوى هذا العام، بحسبانه سيقلص نمو الناتج العالمي في 2020 إلى أدنى وتيرة له منذ الأزمة المالية، حسبما ذكرت كريستالينا جورجيفا مديرة صندوق النقد الدولي.
وقد خصص صندوق النقد نحو 50 مليار دولار في شكل تمويلات لأعضائه. هذا فيما هدد شبح الإفلاس غالبية شركات الطيران حول العالم، حيث أثارت القيود المفروضة على حركة السفر في غالبية دول العالم بسبب وباء كورونا أزمات كبرى بحسب ما نشرته وكالات دولية. وفيما يخص قطاع السياحة فقد أكدت منظمة السياحة العالمية، أن خسائر قطاع السياحة، بلغت نحو 62 مليار دولار. وقالت المنظمة، إن القرار جاء بعد تفشي الفيروس في جميع أنحاء العالم.
وعلى الصعيد الصناعي، يشير تقرير صادر عن منظمة «الأونكتاد» إلى أن ثمة انخفاضا كبيرا «في مؤشر المشتريات التصنيعية في الصين بنحو 20 درجة. ويقول التقرير إن هذا الانخفاض يعني انخفاضا في الإنتاج بنسبة 2 في المائة. وأن انكماشا بهذه النسبة في إنتاج الصين له آثار مضاعفة تظهر على مجمل انسياب الاقتصاد العالمي، وهو ما تسبب حتى الآن في انخفاض يقدر بنحو 50 مليار دولار في التجارة العالمية.
وقالت رئيسة قسم التجارة الدولية والسلع التابعة للأونكتاد، باميلا كوك - هاميلتون، إن من بين الاقتصادات الأكثر تضررا مناطق مثل الاتحاد الأوروبي (15.5 مليار دولار) والولايات المتحدة (5.8 مليار دولار) واليابان (5.2 مليار دولار). 
وأضافت المسؤولة أنه بالنسبة لاقتصادات الدول النامية التي تعتمد على بيع المواد الخام فإن الشعور بهذه الأضرار «مكثف جدا».
 




موظفو مستشفى يرتدون أقنعة الوجه في مبنى طوارئ مؤقت في مستشفى بريشيا، لومباردي، في إيطاليا (غيتي)

هذا فيما أشارت مجلة «ناشيونال إنترست» إلى أن الولايات المتحدة قد تواجه عاصفة اقتصادية، يمكن أن تدفع البلاد إلى حالة من الركود، وأن الولايات المتحدة قد تضطر لاتخاذ إجراءات وتدابير قاسية، مثل عزل مجتمعات أو ولايات بأكملها. وذهب باحثون من الجامعة الوطنية الأسترالية إلى أبعد من ذلك، وتوقعوا الخطر المحدق بالولايات المتحدة في دراسة صدرت حديثا تطرقت إلى التكلفة المحتملة من الناحيتين البشرية والمالية والتي يمكن أن تصل إلى 1.7 تريليون دولار عام 2020.
من جانبه، أوضح الدكتور محمود محيي الدين، النائب السابق لمدير البنك الدولي أن الأزمة الحالية وتداعياتها تشكل حالة مختلفة عما سبقها، بداية من كساد 1930 الذي اعتبره مقدمة منطقية للحرب العالمية الثانية، مرورًا بـ«الاثنين الأسود» في عام 1987 وأزمتي 1997 و2008. فتداعيات الأزمة الراهنة مضاعفة، بحسبانها تأتي في توقيت، يعاني فيه الاقتصاد العالمي أصلا من تباطؤ يصاحبه تحركات غير مبالية من أسواق المال، سواء بأداء الشركات المتداولة بها، أو بتوقعات معدلات النمو الاقتصادي غير المتفائلة.
ويعمق من حدة الأزمة أيضا، أن قطاع الرعاية الصحية على المستوى العالمي، لم يكن مستعدا لمواجهتها، ولا بد هنا أن نشير إلى عدة تقارير دولية، صدرت قبل انتشار الفيروس، أهمها خرج العام الماضي عن مجلس متابعة الاستعدادات العالمية والمشكل بمساندة من منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي، وحمل عنوان «العالم في خطر»، والذي تحدث بوضوح عن أن القطاع الصحي العالمي غير جاهز للتعامل بالكفاءة المطلوبة، مع الأزمات، رغم ما مر بنا على مدار السنوات الأخيرة من حالات مشابهة، مثل «أنفلونزا الطيور»، و«الخنازير»، وغيرهما.
وقد بدا جليا خلال الأسابيع الماضية درجة الارتباط بين اقتصاديات الدول من جهة ومدى فعالية سياسات الوقاية ونظم الرعاية الصحية في الحد من انتشار الفيروس الجديد من جهة أخرى، وبالتالي نحن الآن نواجه أزمة تهدد بالركود على مستويي العرض والطلب، وشهدنا بالفعل 3 قطاعات تأثرت بعنف، وهي السياحة والترفيه والنقل، والمشكلة أن بعض التقارير الدولية قبلها كانت تتوقع معدل نمو للاقتصاد العالمي 3 في المائة، وأخرى توقعت 2.5 في المائة، والآن فإن على من أصدرها أن يُخفض من قيمة هذه التقديرات بمقدار النصف على الأقل.
على جانب آخر، شهدت أسعار النفط في الأسواق العالمية انخفاضا لم تشهده منذ عقود، لتسجل بذلك أكبر خسائرها منذ اندلاع حرب الخليج عام 1991. جراء فشل اتفاق أوبك في خفض الإنتاج، وضعف الطلب العالمي على النفط بسبب تفشي فيروس كورونا. وقالت وكالة بلومبرغ، إن الانهيار الكارثي في أسعار النفط سينعكس على صناعة الطاقة، ليضر باقتصادات الكثير من الدول، كما سيتسبب في إعادة هيكلة السياسات العالمية؛ نظرا لما سيترتب عليه من تداعيات اقتصادية وسياسية.

 




طاقم طبي يرتدي ملابس واقية على الدرج المتحرك في مطار شيريميتيفو بموسكو (غيتي)


 
استراتيجيات المجابهة... الإجراءات الحكومية
استنفرت الحكومات والمؤسسات والبنوك المركزية حول العالم لمواجهة تداعيات انتشار فيروس كورونا على الاقتصاديات العالمية، وما قد يحمله من تبعات كارثية على القطاعات والشركات والأفراد. ودخلت الكثير من حكومات العالم في سباق من أجل تبني استراتيجيات كفيلة بمنع اتساع رقعة انتشاره، وذلك عبر آليات وأدوات متنوعة.
فقد أُعُلن أن إدارة دونالد ترامب ستطلب من الكونغرس تخصيص 850 مليار دولار من أجل تخفيف الآثار المترتبة عن فيروس كورونا. وقال وزير الخزانة الأميركي، ستيفن منوشين، إن الإدارة الأميركية تدرسُ إمكانية منح شيكات لمواطني الولايات المتحدة لإعانتهم في فترة تفشي وباء كورونا.
وقرر الاحتياطي الفيدرالي خفض معدلات الفائدة الرئيسية للمرة الثانية في أقل من أسبوعين لما بين صفر في المائة و0.25 في المائة لمواجهة الآثار الاقتصادية المحتملة. كما أعلن الاحتياطي الفيدرالي مجموعة تدابير لتعزيز الثقة والحفاظ على القطاع المالي، وأعلن شراء سندات خزينة بقيمة 500 مليار دولار وسندات رهن عقاري بقيمة مائتي مليار دولار، وفتح باب إقراض المصارف لحثّها على مساعدة الشركات والأفراد على تخطي تداعيات جائحة فيروس كورونا.
في سياق متصل، خصصت الولايات المتحدة 400 مليار دولار لدعم الاقتصاد بحسب ما أكد لاري كودلو كبير المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأميركي دونالد ترامب. وعلى خط مواز، تدرس الإدارة الأميركية تقديم دعم لشركات الطيران لتعويضها عن خسائر هذه الأزمة. وطلبت شركات الطيران الأميركية من الحكومة منحها حزمة مساعدات بقيمة 50 مليار دولار تقريبا.
من ناحيتها، قالت بريطانيا إنها ستتيح ضمانات قروض بقيمة 399 مليار دولار، أي ما يعادل 15 في المائة من ناتجها الإجمالي، إلى جانب إجراءات مساعدة الشركات المتضررة، في تكثيف لمساعي مكافحة العواقب الاقتصادية لفيروس كورونا. وقال وزير المالية، ريشي سوناك، إنه مستعد لزيادة حجم ضمانات القروض بما يكفل وصول السيولة إلى جميع الشركات. وتشمل الإجراءات الأخرى، تعليق مدفوعات الرهن العقاري ثلاثة أشهر للأفراد الذين يمرون بصعوبات وتوسيع نطاق تعليق ضريبة الممتلكات على الشركات الصغيرة ليشمل جميع شركات قطاعي الضيافة والترفيه.

 




ستيوارت مالكولم طبيب في عيادة Haight Ashbury Free Clinic، يتحدث مع المشردين حول فيروس كورونا أمام متجر مغلق في سان فرانسيسكو بكاليفورنيا (غيتي)


من جانبها، أعلنت الحكومة الألمانية عن أكبر إجراءات استثنائية منذ الحرب العالمية الثانية شملت تخصيص ما قيمته 550 مليار يورو، كقروض من الدولة. وسُتمنح هذه القروض دون حدود من جانب بنك الائتمان، الذي سبق أن لعب دورًا حاسما للحد من آثار الأزمة المصرفية والمالية قبل أكثر من 10 سنوات.
وفي هولندا، قال وزير المالية، فوبكه هويكسترا، إن بلاده ستنفق ما يصل إلى 20 مليار يورو كمساعدة مالية طارئة للشركات التي تواجه مصاعب مالية. وقال: «هذه أوقات غير عادية، مما يستدعي إجراءات غير عادية». وقال إن حجم الحزمة قد يزيد ما بين 10 و20 مليار يورو.
في غضون ذلك، أعلنت إسبانيا عن حزمة ضخمة حجمها 200 مليار يورو لمساعدة الشركات وحماية العمال والفئات المتأثرة بالأزمة الآخذة في الاتساع. ويتكون نصف إجراءات المساعدة، البالغة قيمتها 20 في المائة من الناتج الاقتصادي لإسبانيا، ضمانات قروض مدعومة من الدولة للشركات، ويشمل الباقي قروضا ومساعدات للفئات الضعيفة. وقال رئيس الوزراء، بدرو سانشيز، في مؤتمر صحافي: «هذه إجراءات غير عادية، لا سابق لها في تاريخ دولتنا».
الحكومة الفرنسية التي أعلنت حالة الطوارئ في البلاد خصصت خطة مساعدات بقيمة 45 مليار يورو لدعم الشركات والموظفين. كما قدمت الحكومة مشروع قانون مساعدات دعم إضافية لمواجهة الانكماش المرتقب للاقتصاد في العام الحالي عند واحد في المائة. وبعد أن أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن فرنسا في حالة «حرب صحية» بمواجهة الفيروس، خرج وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير ليعلن أنه لا يستبعد اللجوء إلى تأميم بعض الشركات الكبرى المعرضة للخطر مع توقف النشاط الاقتصادي في فرنسا جراء إجراءات الحجر الصحي.
ووضعت روسيا بدورها خططًا لمواجهة تبعات انتشار فيروس كورونا حيث كشف رئيس الوزراء ميخائيل ميشوستين عن تخصيص الحكومة 4 مليارات دولار من الاحتياطي لتغطية احتياجات الإنفاق ذات الأولوية اللازمة ولدعم الاقتصاد الوطني في ظل التحديات التي يواجهها بسبب هبوط أسعار النفط.
من جانبها، خصصت مؤسسة النقد العربي السعودي برنامجًا قيمته 13.3 مليار دولار لدعم القطاع الخاص، ضمن خطة تستهدف تمكين القطاع المالي من دعم نمو القطاع الخاص، ودعم جهود الدولة في مكافحة الفيروس، بالإضافة إلى تخفيف آثاره المالية والاقتصادية المتوقعة. ويتكون البرنامج من ثلاثة عناصر أساسية؛ تستهدف التخفيف من آثار التدابير الاحترازية لمكافحة فيروس كورونا على قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتخفيف أعباء تذبذب التدفقات النقدية، ودعم رأس المال العامل لهذا القطاع.
هذا فيما اعتمد مصرف الإمارات المركزي خطة دعم اقتصادي شاملة بقيمة 100 مليار درهم. وتتألف خطة الدعم المالي الموجّهة من اعتماد مالي يصل إلى 50 مليار درهم، خُصص من أموال المصرف المركزي لمنح قروض وسلف بتكلفة صفرية للبنوك العاملة بالدولة، بالإضافة إلى 50 مليار درهم يتم تحريرها من رؤوس الأموال الوقائية الإضافية للبنوك، وفقا لوكالة أنباء الإمارات.
وفي مصر، أعلنت الحكومة تخصيص 100 مليار جنيه لمجابهة تداعيات الأزمة، وشملت الإجراءات إصدار حزمة قرارات لدعم قطاع الصناعة في البلاد. وعلى رأسها خفض سعر الغاز الطبيعي للصناعة. 
وأعلن المغرب، إنشاء صندوق بقيمة عشرة ملايين درهم، لتغطية النفقات الطبية ودعم القطاعات الاقتصادية المتضررة من انتشار وباء كورونا المستجد. كما أعلنت البحرين، حزمة مالية حجمها 4.3 مليار دينار لمكافحة تداعيات تفشي فيروس كورونا.

 




أحد أعضاء المنظمة الهندوسية  ABHM يشرب بول البقر كعلاج، حيث يؤمنون بقدرته على الشفاء من كورونا (غيتي)


 
مواجهة كورونا.. بين «الوقاية» و«الخرافة»
وسط رائحة الموت المنتشرة بسبب فيروس كورنا، وإغلاق دول كبيرة مثل إيطاليا على نفسها لمواجهة انتشار الفيروس، ظهرت منافسة دولية من أجل الفوز بسباق حق تصنيع لقاح لمواجهة الفيروس الذي أصاب عشرات الآلاف وتسبب في وفاة الآلاف منهم حول العالم. وبدا أن الصراع الألماني–الأميركي هو الأوضح في هذا المجال، حيث ذكرت تقارير أن الرئيس الأميركي حاول استمالة باحثين ألمان من أجل العمل مع واشنطن على تطوير لقاح واستغلاله حصرا داخل الولايات المتحدة الأميركية، وذلك مقابل مليار دولار بحسب ما ذكرت صحيفة «دي فيلت» الألمانية. لكن برلين ردت بشكل غاضب لدرجة أن وزير الاقتصاد بيتر التماير قال في مقابلة مع تلفزيون «إي آر دي»: «ألمانيا ليست للبيع».
كما أعلن وزير الخارجية الألماني، أن بلاده لن تسمح بشراء أبحاث ألمانية حصرية، لافتًا إلى أن باحثين ألمان يقومون بدورهم الرئيسي في تطوير اللقاح لمواجهة المرض القاتل. وكانت الصحيفة الألمانية «دي فيلت» ذكرت أن اختبارا للقوة يدور بين الولايات المتحدة وألمانيا، حول مختبر شركة «كيورفاك» في مدينة توبنغن بجنوب غربي ألمانيا.
على جانب آخر، أقالت الشركة الألمانية، مديرها التنفيذي دانيال مينيشيلا، من منصبه بعد لقائه بالرئيس دونالد ترامب، لبحث مشروع تطوير لقاح للفيروس. ورغم الاتهامات الألمانية، والإقالة التي طالت دانيال مينيشيلا، أعلنت واشنطن مؤخرا، أول تجربة على البشر لإنتاج لقاح يهدف إلى الحماية من فيروس كورونا المتحور، وذلك في مدينة سياتل بالولايات المتحدة. وتموّل الحكومة الأميركية التجربة، التي ستبدأ باختبارات على 45 متطوعا. ولا يُعد هذا اللقاح الوحيد الذي يحاول العلماء التوصل إليه، إذ يتسابق الباحثون حول العالم لتطوير علاج يقضي على «كوفيد-19».

 




أكياس من الأعشاب التقليدية المعروفة باسمEmpon-empon Corona والتي يعتقد أنها يمكن أن تمنع الإصابة بفيروس كورونا، في سوق Beringharjo (غيتي)


وتكمن تعقيدات تطوير اللقاح حسب مراكز بحثية في التكلفة المادية الضخمة وحسابات الربحية لدى بعض الشركات، والاحتياج إلى إجراء تجارب واختبارات متعددة قبل طرحه للتداول، فضلاً عن الحاجة لبناء شبكات تعاون بين المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية، وتعزيز التعاون بين الدول بهدف تطوير اللقاح والتصدي لانتشار الفيروس.
في هذا الصدد، رصدت الكثير من التقديرات الجهود الدولية الأخرى. فقد بدأت الصين تجارب سريرية على عددٍ من الأدوية التي يأتي في مقدمتها تلك المستخدمة في علاج الإيبولا، ونقص المناعة المكتسبة، و«السارس»، والملاريا، لاختبار مدى فعاليتها في علاج مصابي «كورونا». وقد أتى ذلك بعد أن قامت مجموعة من الباحثين باختبار عددٍ من الأدوية المضادة للفيروسات في المختبر للتأكد من فعاليتها ضد الفيروس. كما دعت الصين كافة من تعافى للتبرع بالدم، لما قد يحتويه من أجسامٍ مضادة وبروتيناتٍ قيمة يمكن استخدامها لعلاج المرضى.
يأتي هذا في حين يعكف علماء يابانيون على إجراء دراساتٍ مكثفة وعاجلة، باستخدام أجهزة كومبيوتر عملاقة لتحليل بعض الأدوية المتوفرة واستعمالها لمعالجة الإصابات الناجمة عنه. كما تعكف شركة الأدوية اليابانية (Takeda Pharmaceutical al Co) على تطوير دواءٍ جديدٍ مشتقٍ من بلازما دم من تعافوا منه، انطلاقًا من قدرة الأجسام المضادة التي طورها المرضى على تقوية الجهاز المناعي للمرضى الجدد.
كما أعلنت شركة (The Native Antigen Company) البريطانية عن بدء الإنتاج التجاري لمضاداتٍ جديدة يمكنها معالجة فيروس كورونا. وقد أعلن باحثون من جامعة «إميريال كولدج» في لندن عن بدء التجارب على الفئران، آملين في بلوغ هدفهم بحلول نهاية العام. وفور الانتهاء من المرحلة التجريبية الأولى، سيتم اختبار فعالية اللقاح على البشر. ومن المتوقع التوصل للقاحٍ نهائي بحلول نهاية العام.
وقد أشارت تقديرات أكاديمية، إلى أنه على الرغم من الجهود السابقة، يواجه تطوير اللقاح تحدياتٍ جمة تتعلق بتزايد احتمالات تحور فيروس كورونا قبل اكتشاف علاجٍ له، وقد تختلف طفرة الفيروس من مكانٍ إلى آخر. وفي هذا السياق، دفعت بعض التحليلات بأن التصدي لفيروس كورونا كان من المفترض أن يبدأ منذ انتشار «السارس» خلال العقد الماضي؛ فقد ساهم توقف برنامج أبحاث لقاح «السارس» في انتشار فيروس كورونا إلى حدٍّ بعيد. فكما هو الحال مع الإيبولا، توقف التمويل الحكومي وتوقفت صناعة الأدوية بمجرد رفع حالة الطوارئ، لتنتهي بعض الأبحاث المتقدمة قبل أن تبدأ.

 




 
رجل يوزع خليط طقوس هندوسي تقليدي مصنوع من روث البقر والبول والحليب واللبن الرائب والسمن، على الحضور في «حفلة غوموترا (بول البقر)» لمكافحة انتشار فيروس كورونا التاجي (غيتي)

 


 
الإقليم... التفكير بـ«الخرافية: أم بـ«المؤامرة»؟
في الوقت الذي راجت فيه محاولات بعض التجار للاستفادة من انتشار الفيروس عبر محاولة احتكار السلع الاستهلاكية والأدوات الطبية الخاصة بمجابهته والوقاية منه، فإن ذلك دفع الحكومات لتبني خطوات عقابية للحد من ذلك، حيث اعتقلت الشرطة الأميركية تاجرًا كدس قرابة 17 ألف عبوة تعقيم لبيعها على موقع «أمازون». وعلى جانب مواز، اتخذت الكثير من الدول إجراءات رادعة لمجابهة محاولات استغلال تكالب المواطنين على المواد الاستهلاكية والمنتجات الطبية.
وفي هذه الأوضاع المضطربة راجت بعض الأفكار الغريبة والتي تعكس التفكير غير السوي، حيث حديث البعض عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن قيام أحبار يهود بالطيران في مروحية لتبديد الفيروس وحماية شعب الله المختار منه، لكن الفيروس عاندهم وضاعف الإصابات، وفي إيران ثمة من زعم أن الفيروس لا يصيب المسلم لأن المسلم ينظف «أنفه» خمس مرات. وثمة من زعم أن اللطمية على الصدر في ذكرى استشهاد الحسين رضي الله عنه تقتل مئات من الكريات البيضاء في الدم فتزيد المناعة.
ونقلت وكالة أنباء «تسنيم» عن رجل الدين المقرب من المرشد الإيراني علي خامنئي، خلال تحليله عن ظهور وتفشي فيروس كورونا، إنه «وفق الروايات (الشيعية)، فإن انتشار الأمراض والوباء مثل فيروس كورونا يُعد مقدمة لظهور الإمام الغائب»، داعيا الإيرانيين إلى العمل على تفشي هذا الفيروس، لأنه سيعجل بظهور المهدي، وفق تعبيره. هذا في حين شكك الآلاف في وجود الفيروس، فيما رأي البعض أنه محض وسيلة من قبل بعض الدول لدعم سيطرتها ونفوذها الدولي، ورأي آخرون أنه لا يمثل سوى إحدى أدوات الحروب الجديدة بين واشنطن والصين.
وقد ظهرت اتهامات دولية متبادلة بالمسؤولية عن انتشار الفيروس، وفي حين أن إيطاليا لم تتحدث عن مؤامرة إلا أن الصين وروسيا وإيران تحدثت عن مثل هذا الاحتمال، بوجود مؤامرة تديرها الولايات المتحدة. وأخطر تلك التصريحات هي تلك الصادرة عن وزارة الدفاع الروسية في أن الولايات المتحدة أقامت مختبرات بيولوجية في الدول المجاورة لروسيا والصين وقدمت دلائل على ذلك من جورجيا.
وفيما انتشرت في المنطقة العربية الوصفات الطبية والشعبية لمواجهة المرض، فقد نُشر كثير من التغريدات حول بعض الأفلام والروايات الأميركية، التي تتحدث عن الأوبئة المصنعة، للتدليل على المؤامرة، كان من أبرزها فيلم «كونتيجيون» الذي تنبأ بتفشي الفيروس قبل 10 سنوات.
وبرزت رواية «عيون الظلام» للأميركي دين كونتز، والصادرة عام 1981، والتي تناقلها الكثيرون في منشورات وتغريدات لهم، رابطين بين أحداث الرواية وما يحدث من انتشار للفيروس في العالم، وأرجعوا هذا التشابه إلى فرضية وجود مؤامرة، وذلك بسبب تشابه أحداث الرواية مع بعض ما حدث في الصين، خصوصًا أن الفيروس القاتل في الرواية يحمل تسمية «ووهان 400».
وفي المنطقة العربية، تداولت الشبكات الاجتماعية فيديو مسجلا ينُسب إلى الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، يقول فيه إن الولايات المتحدة هددته بفيروس كورونا. 
ومن عجائب ما نُشر ذلك الذي روجه البعض بقولهم إن الفيروس لا يصيب المسلمين بل هو انتقام إلهي من الصين، بسبب سياساتهم في مقاطعة تركستان الصينية. وحسب بعض الكتابات فقد أسقط الفيروس «المعادلة الشيطانية الأزلية» التي تقول إن كل المصائب تأتي من وراء أعمال اليهود، فقد ضرب الوباء إسرائيل أيضًا، وهناك كثير من الإصابات حتى بين جنود الاحتلال الذين فرض على الآلاف منهم الحجر الطبي. وقد كان جليا، استفادة بعض الحكومات من الحادث، ففي العراق ولبنان استفادت الحكوماتان سياسيا من كورونا، لوقف الاحتجاجات الشعبية، بذريعة انشغال الدولة بمكافحة الفيروس ودعوة المجتمع للتضافر معها.