الجزائريون في مواجهة كورونا وندرة السلع الاستهلاكية

رغم تأكيد الرئيس تبون أن الأوضاع تحت السيطرة
* تبون أعلن منع كل التجمعات والمسيرات أياً كان شكلها، وتحت أي عنوان كانت، وغلق أي مكان يشتبه في أنه بؤرة للوباء، وهذا المنع يسري على مسيرات الحراك الشعبي كل جمعة وثلاثاء
* جزائريون يشكون من غياب مادة السميد (الطحين)، في عدة محافظات، حسب تغريدات انتشرت على المنصات الاجتماعية
* التهافت المبالغ فيه على اقتناء المواد الاستهلاكية بسبب الهلع الناتج عن كورنا تسبب في تشجيع الاحتكار والمضاربة ما تسبب في ارتفاع الأسعار
*فوزي درار مدير معهد باستور: كل الحالات الحاملة لفيروس كورونا في الجزائر هي حالات مستوردة !

الجزائر: لم تمر ساعات قليلة على تطمينات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لشعبه بخصوص وباء كورنا في بلاده، حينما أكد لهم في خطاب مُتلفز أن «الأوضاع تحت السيطرة»، حتى استيقظ الجزائريون على أنباء ندرة مختلف السلع الاستهلاكية الأساسية، وبشكل خاص السميد (الطحين)، كما شهدت أسعار مختلف السلع الأساسية ارتفاعًا فاحشًا بفعل المضاربة والاحتكار.
وتشير آخر الأرقام الصادرة عن وزارة الصحة، والتي نشرت مساء الأربعاء، إلى تسجيل 74 حالة مؤكدة، وسبع وفيات، آخرها حالة تتعلق برجل يبلغ 62 سنة من ولاية البليدة غربي العاصمة، وهي المحافظة التي سجلت ثاني ظهور للوباء عن طريق مغترب جزائري مقيم في فرنسا.
وفي تصريح للتلفزيون الحكومي على هامش زيارته لمستشفى تيبازة، أعلن وزير الصحة والسكان وإصلاح المستشفيات، عبد الرحمن بن بوزيد، أن «أكثر من 30 حالة مصابة بفيروس كورونا غادروا المستشفيات بعد تماثلهم للشفاء».
وخلال نزوله ضيفًا على منتدى جريدة «المجاهد» الحكومية كشف فوزي درار مدير معهد باستور الذي أنشئ سنة 1894 وينتمي إلى شبكة معاهد باستور الدولية المكونة من 33 معهدا تتعاون فيما بينها في مجالات الوقاية والحماية الصحية ومراقبة الأمراض المعدية والطفيلية أن «مخبر باستور المرجعي قام بتحليل أكثر من 1200 عينة مشتبه فيها كحالات لفيروس كورونا (كوفيد-19) في مدة لا تتجاوز شهرا واحدا، وتم إحصاء 72 حالة إيجابية إلى غاية الأربعاء»، مضيفا أن «المعهد يملك كل الإمكانيات للقيام بالتحاليل».
وأكد درار أن «كل الحالات الحاملة لفيروس كورونا هي حالات مستوردة أي قادمة من خارج الجزائر»، مضيفا أن «قرار حجر ولاية (محافظة)، أو إعلان حالة طوارئ يتوقف على عدد الحالات المسجلة، وأنه في الوضع الحالي (العدد لم يصل إلى 100 حالة) فإن الأمر لا يستدعي إعلان هذه الإجراءات».
وفي معرض رده على سؤال متعلق باللقاح الذي أعلن عنه المختص في علم الفلك لوط بوناطيرو، والذي يرأس جمعية الباحثين الجزائريين، وادعى أنه توصل رفقة باحثين عراقيين إلى إنتاج دواء مضاد لفيروس كورونا، قال درار إن معهد باستور «ليس من صلاحياته إبداء رأيه بخصوص نجاعة أي دواء أو لقاح مهما كانت طبيعته». وأضاف أنه «سواء تعلق الأمر باللقاح الذي روج له بوناطيرو، أو بدواء آخر، فإنه يجب اتباع الإجراءات المعمول بها في الحالات العادية لتسجيل أي دواء ومن ثم عرضه في السوق».
وخلال الأيام القليلة الماضية سادت أجواء القلق والترقب بين الجزائريين بسبب الانتقادات الواسعة لتعامل الحكومة مع هذا الوباء، وبشكل خاص عدم توقيف الرحلات القادمة من دول أوروبية وبشكل خاص فرنسا، وعدم إخضاع القادمين إلى الجزائر للكشف أو الحجر الصحي لمدة أربعة عشر يومًا، على اعتبار أن أغلب الحالات المسجلة بالجزائر تتعلق بأشخاص قدموا من هذا البلد.

وبينما كان الجزائريون يشاهدون رؤساء العالم يطمئنون شعوبهم، ويقدمون توضيحات بشأن واقع الوباء ببلدناهم، فقد أثار غياب الرئيس عبد المجيد تبون عن شعبه تساؤلات كثيرة، ودفع بنشطاء إلى طرح سؤال: أين الرئيس؟ وطالب النائب في البرلمان نزيه رمضان، الرئيس تبون، بالتوجه بخطاب إلى الأمة في هذا الظرف الدقيق. وكتب في صفحته على «فيسبوك» نداءً جاء فيه «على الرئيس تبون أن يلقي خطابا للأمة الغاية منه تحقيق العهد الجديد لأمة يتحدث رئيسها في المحن ويعطي التوجيهات، لطمأنة المواطنين وشرح الوضع العام وتحديد خطورة المرحلة وإعلان القرارات والتوقعات والحلول المحضرة لكل مرحلة».
ووجد الإعلامي مروان لوناس أن غياب الرئيس عبد المجيد تبون عن المشهد يدعو للتساؤل، وكتب معلقًا في مناسبتين «سؤال أين الرئيس.. باق ويتمدد»، في إشارة واضحة إلى أن هذا السؤال كان حاضرا بقوة خلال فترة الرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة، وهو الآن حاضر في عهد الرئيس الجديد عبد المجيد تبون.
ويبدو أن تساؤلات الجزائريين وصلت مسامع تبون، وفي محاولة منه لطمأنة مواطنيه بشأن الإجراءات المتخذة أطل الثلاثاء بخطاب لشعبه أكد فيه أن «الأوضاع تحت السيطرة». 
وكشف تبون عن 12 إجراء تم اتخاذه في اجتماع عقد مساء الثلاثاء حضره كبار المسؤولين في الدولة، وتضمنت القرارات غلق الحدود البرية مع جميع الدول المجاورة، وإمكانية السماح لتنقل الأشخاص في الحالات الاستثنائية، والتعليق الفوري لكل الرحلات القادمة والمنتقلة من الجزائر ما عدا طائرات نقل البضائع، إلى جانب الغلق الفوري للملاحة البحرية باستثناء بواخر نقل البضائع والسلع.
ومن ضمن الإجراءات التعقيم الفوري لمحطات النقل في المحافظات ومحطات نقل المسافرين، ومنع تصدير أي منتج استراتيجي سواء كان طبيا أو غذائيا إلى أن تنفرج الأزمة حفاظا على المخزون الاستراتيجي.
ويضاف إلى ما سبق تعليق صلاة الجمعة والجماعة في المساجد وغلق المساجد والاكتفاء برفع الأذان، مع محاربة وفضح المضاربين الذين سماهم «عديمي الضمائر الذين يخفون المواد الأساسية لإحداث الندرة ورفع أسعارها»، مع البحث والكشف عن هوية ناشري الأخبار الكاذبة والمضللة الذين يمتهنون حسب تبون «التسويد بهدف زرع البلبلة».
وحاول تبون طمأنة مواطنيه بشأن المرافق الصحية التي تم تجهيزها لاحتواء الوباء وذلك من خلال الزيادة في قدرة المستشفيات وتحويل عدد من الأسرة إلى أسرة إنعاش، وفي هذا السياق كشف أن الجزائر تملك نحو 2500 سرير إنعاش، ويمكن حسب حديثه رفعها إلى ستة آلاف سرير، وهذا الأمر أثار علامات استفهام واسعة بين الجزائريين، على اعتبار أن وزير الصحة كشف سابقا أن الجزاذر تملك 400 سرير إنعاش فقط. ليعود وزير الصحة مجددًا بعد خطاب الرئيس ليعلن أن المصالح الاستشفائية في الجزائر تملك 2599 جهاز تنفس صناعي مجهز بالأسرة بالإضافة إلى 2500 جهاز تنفس، أي بمجموع يزيد على 5 آلاف جهاز يستعمل للإنعاش.
تبون أعلن أيضا منع كل التجمعات والمسيرات كيفما كان شكلها، وتحت أي عنوان كانت، وغلق أي مكان يشتبه أنه بؤرة للوباء، وهذا المنع يسري على مسيرات الحراك الشعبي كل جمعة وثلاثاء، وكان هذا الموضوع تحديدا محل نقاش واسع بين نشطاء الحراك بين داعٍ لوقف الحراك مؤقتًا، تفاديا لمخاطر انتشار كورونا، وبين متمسك به كخيار لا بديل عنه لإحداث التغيير الذي خرج من أجله الجزائريون قبل عام ونيف.
وفي بيان له دعا حزب جبهة القوى الاشتراكية، وهو أقدم حزب سياسي معارض بالجزائر إلى «التحلي بإحساس عالٍ بالمسؤولية في سبيل مواصلة الثورة تحت أشكال أخرى، وهذا من أجل الحفاظ على صحة الشعب الجزائري المهدد بالعدوى بفيروس كورونا خلال تجمعاته الجماهيرية». 
وجاء في بيان الحزب أنه «أمام هذه الوضعية الصحية التي تدعو إلى القلق، من واجب سلطات البلاد أخذ كل الإجراءات اللازمة لضمان التكفل الكامل بالمصابين بهذا الفيروس، والتحضير لمجابهة موجة انتشار محتملة لهذه العدوى الخطيرة، والتحضر الشعبي، وتكثيف إجراءات الوقاية لقطع الطريق على ما لا تحمد عقباه». ويرى الحزب أن «واجب الرزانة والحقيقة والبيداغوجية الذي يميز حزب الأفافاس، يجبره على توصية عدم التخلي عن الثورة الشعبية التي أدهشت العالم بأسره بفضل ذكائها وسلميتها، بل تحويلها إلى هبة بارعة جماعية وقومية للتصدي للمخاطر الصحية التي تترقبنا».
وكانت حركة مجتمع السلم قد انضمت إلى الداعين إلى تعليق الحراك الشعبي، خشية تفشي فيروس كورونا، ودعت السلطات إلى اتخاذ إجراءات طمأنة تجاه النشطاء. وأوضح الحزب في بيان له أن «فكرة تعليق الحراك التي يتداولها النشطاء، فكرة مسؤولة ينبغي اعتمادها، وهي تزيد من مصداقية المكافحين من أجل الحرية وتجعل النضال أكثر تأثيرا وفاعلية». 
وطالبت الحركة السلطات في الوقت نفسه، بضرورة اتخاذ إجراءات طمأنة على رأسها وقف الملاحقات، وإطلاق سراح المعتقلين.
وكمؤشر على حالة القلق والترقب التي تسود الشارع الجزائري، شهدت عدة مدن جزائرية خلال اليومين الأخيرين تهافتًا كبيرًا على اقتناء مختلف المواد الاستهلاكية الأساسية، وذلك رغم تطمينات الرئيس، ومسؤولي التجارة، على أن المنتجات متوفرة لعام كامل، لكن المتجول في مختلف الشوارع يقف على طوابير كبيرة خاصة أمام محلات الدقيق. ولوحظ إقدام مواطنين على شراء كميات كبيرة من الزيوت الغذائية والسميد والفرينة (طحين الخبز)، والعجائن والسكر والقهوة والعصائر والمشروبات الغازية، والألبان والأجبان وغيرها. 
كما انتشرت صور وفيديوهات خلال الأيام القليلة الماضية، لمحلات تجارية فارغة من المنتجات بالكامل في عدة محافظات جزائرية.
واشتكى جزائريون من غياب مادة السميد (الطحين)، في عدة محافظات، حسب تغريدات انتشرت على المنصات الاجتماعية، وحذر نشطاء من التهافت الزائد على المواد الغذائية، وما قد يسببه من ندرة في بعض السلع الأساسية على وجه الخصوص.
وبالمقابل شهدت مختلف الصيدليات ندرة في الأقنعة الطبية الواقية (الكمامات) والسوائل الكحولية المطهرة للأيدي، في كثير من الصيدليات، وأعلن وزير الصحة الجزائري عبد الرحمن بن بوزيد، في تصريحات للإذاعة الحكومية، الاثنين، أنه تقرر منع تصدير الأقنعة الطبية إلى الخارج. 

ووفق المسؤول ذاته، فإنه سيلتقي بالمنتجين المحليين للأقنعة والكحول المطهر لتنظيم عمليات توزيعها على الصيدليات والمحلات. كما نشر مغردون صورا لأسعار الأقنعة، التي قفزت في غضون أيام بنسبة 100 في المائة وأحيانا 200 في المائة، من 50 دينارا إلى 100 وأحيانا 150 دينارا للقناع الواحد (من 0.4 دولار إلى 1.25 دولار).
أما وزير التجارة كمال رزيق الذي أعلن في وقت سابق الحرب على من سماهم «عصابة الحليب» فإنه يجد نفسه الآن أمام عصابة متغولة تستثمر في الوضع، وتحتكر جميع المنتجات والسلع الأساسية، بما في ذلك وسائل الوقاية من الوباء، الأمر الذي دفع به إلى توعد التجار المضاربين في الأسواق، وقال رزيق في منشور بصفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» إنه «في الوقت الذي كنا ننتظر فيه تلاحم وتعاون التجار مع إخوانهم المستهلكين بسبب الظرف الخاص الذي تمر به الجزائر، مع الأسف خرج علينا بعض التجار عديمي الضمير إلى لاستغلال الظرف للرفع من الأسعار وتخزين المنتوجات للمضاربة من دون أي وازع أخلاقي أو وطني وبالتالي وضعوا أنفسهم ضد المجهود الوطني المبذول للخروج من الأزمة بأقل الأضرار على المستهلك». 
وطلب رزيق من جميع مصالحه القيام بحملة وطنية من دون هوادة ضد هذه الفئة التي وصفها بـ«عديمة الرحمة».
بدورها، أكدت الجمعية الجزائرية للتجار والحرفيين (غير حكومية)، أن الطلب على المواد الاستهلاكية العامة وخصوصا الغذائية، زاد بنسبة 30 في المائة ما بين السبت والأحد من الأسبوع الجاري. وقال بيان للجمعية إن الطلب ارتفع كثيرا، خصوصا على البقوليات (الفاصوليا والعدس والحمص)، والدقيق والعجائن والحليب والزيت والسكر والقهوة. وأكد البيان أن المخزون متوفر عبر أسواق الجملة وومخازن تلك المواد، ويكفي لتلبية الطلب خلال الأشهر القادمة، مشيرة إلى أن شبكات التوزيع ستبقى تعمل وتواصل ضمان الخدمة. ودعت الجمعية الجزائريين إلى أخذ الاحتياطات الوقائية لتفادي الإصابة بالمرض، بدل الاحتياطات الاستهلاكية من خلال تخزين المواد الغذائية. وحذرت الجمعية التجار المضاربين في المواد الغذائية وأسعارها، بسبب فيروس كورونا، وشددت على أن كل من يثبت ضده ذلك سيتعرض للمساءلة القانونية والعقاب.
وفي حديثه لـ«المجلة» برر رئيس الجمعية الطاهر بولنوار ارتفاع أسعار المواد الغذائية العامة ذات الاستهلاك الواسع في السوق المحلية بسبب «الإقبال الواسع عليها، منذ أسبوع إثر تداعيات انتشار فيروس كورونا في الجزائر». 
وأضاف بولنوار قائلا: «أغلب المستهلكين تهافتوا على المواد الغذائية العامة، ما تسبب في ندرة البعض منها عبر كثير من المراكز التجارية، سواء كانت الكبيرة أو المتوسطة، مع ارتفاع أسعارها بشكل رهيب». مؤكدًا أن «ارتفاع أسعار هذه المواد بنسبة 5 في المائة كان منتظرا لكون السوق يحتكم لقانون العرض والطلب»، واعتبر أن «إقبال الجزائريين على المواد الغذائية غير مبرر، سيما وأن ما هو مخزن وطنيا يكفي حتى نهاية سنة 2020».
وبشأن ارتفاع أسعار البطاطا والخضر والفواكه بشكل عام خلال الـ24 ساعة الأخيرة، أكد ممثل التجار بأن «الواقع عكس ما يتم ترويجه في مواقع التواصل الاجتماعي والتجار تعاملوا مع الوضع لا أكثر، لكون منتوج البطاطا لم يدخل أسواق الجملة بسبب العاصفة الرملية التي ضربت وادي سوف».
من جانبه يؤكد رئيس جمعية حماية المستهلك مصطفى زبدي أن «التهافت المبالغ فيه على اقتناء المواد الاستهلاكية بسبب الهلع الناتج عن كورنا تسبب في تشجيع الاحتكار والمضاربة ما تسبب في ارتفاع الأسعار» ودعا زبدي في حديثه لـ«المجلة» إلى «الابتعاد عن الأنانية والتحلي بالإنسانية، واقتناء المنتجات في حدود المعقول، لأن الذي يحدث الآن يتسبب في عجز الفقراء ومحدودي الدخل على اقتناء حاجياتهم بسبب الندرة والارتفاع الفاحش في الأسعار».