الإصلاحات في مواجهة التحديات

منظمة التجارة العالمية و«مبادرة الرياض» الإصلاحية... مقاربة نحو المستقبل
* مبادرة الرياض لإصلاح منظمة التجارة العالمية هي رؤية مهمة في سبيل استعادة المنظمة لدورها في مجال حرية التجارة العالمية
* السعودية كانت أول من دعا للعمل الدولي المشترك في مواجهة كورونا
* استحوذت قضية إصلاح منظمة التجارة العالمية على الاهتمام الأكبر من جانب اجتماعات اللجنة
* تتوقع الأمم المتحدة أن تنخفض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى ما بين 5 - 15 % في أدنى مستوياتها منذ الأزمة المالية العالمية عامي 2008 - 2009
* ثمة قضايا في قواعد المنظمة تحتاج إلى العمل، مثل نظام تسوية المنازعات وإصلاح سياسة التجارة الزراعية ووضع سياسات تجارية لمساعدة الدول المتضررة من الكوارث ووضعية الدول النامية داخل المنظمة
* عام 2020 حاسم بالنسبة إلى منظمة التجارة، ومن شأن النتائج الملموسة في مدينة نور سلطان أن تعزز مصداقية المنظمة وتقدم البرهان على أنها قادرة على التكيف مع القرن الـحادي والعشرين

باكو:على هامش الاجتماع الأول لمجموعة عمل التجارة والاستثمار التابعة لمجموعة العشرين G20والتي تعقد للمرة الأولى على أراضى المملكة العربية السعودية، تم إطلاق «مبادرة الرياض حول مستقبل منظمة التجارة العالمية»، والتي تهدف إلى تحديد القواعد والمبادئ المشتركة بين جميع أعضاء مجموعة العشرين بشأن إدخال الإصلاحات على أنظمة عمل منظمة التجارة العالمية خلال ربع القرن القادم أي حتى عام 2045. صحيح أن قضية إصلاح منظمة التجارة العالمية لم تكن القضية الوحيدة المعروضة على جدول أعمال الاجتماع المشار إليه، حيث شملت المناقشات بحث التطورات الحالية للتجارة الدولية في ضوء تأثيرات الانتشار السريع لفيروس كورونا على تباطؤ التجارة العالمية وتعطيل سلاسل التوريد وخفض تدفقات الاستثمار، إلى جانب العمل على تعزيز القدرة التنافسية العالمية للمنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، خصوصًا فيما يتعلق بتمكين المرأة والشباب، وتعزيز الاستثمار الدولي، إلا أنه من الصحيح كذلك أن استحوذت قضية إصلاح منظمة التجارة العالمية على الاهتمام الأكبر من جانب اجتماعات اللجنة نظرا لأمرين مهمين: 
الأول، يتعلق بالأوضاع الراهنة التي تعمل في ضوئها منظمة التجارة العالمية وما تواجهه من تهديدات أشار إليها صراحة المدير العام للمنظمة روبرتو أزيفيدو بقوله: «الوضع خطير... هناك الكثير من القادة في العالم يفهمون بالفعل أننا بحاجة إلى إجراء مفاوضات، وأننا بحاجة إلى الجلوس والتحدث، وبحاجة إلى إيجاد حلول». 
والثاني، أنها لم تكن المرة الأولى التي تناقش فيها الدول الأعضاء في مجموعة العشرين قضية إصلاح منظمة التجارة العالمية حتى تكون قادرة على التعامل مع المستجدات والتطورات التي لحقت بمفاهيم التجارة الدولية، ذلك أن أكثر من 95 في المائة من التبادلات التجارية الدولية تستظل بالمنظمة التي تنتمي لها 164 دولة، في حين أن آخر تغيير على لوائحها يرجع إلى عام 1995 أي قبل ربع قرن من الآن وذلك عقب التوقيع على اتفاقية مراكش التي تأسست بمقتضاها المنظمة خلفًا للاتفاقية العامة للتعرفة والتجارة وأمانتها. 
وقد شهدت هذه الفترة تغييرات واسعة سواء في الكثير من المفاهيم التجارية أو في موازين القوى التجارية في العالم، كان من أبرزها انضمام الصين إلى المنظمة عام 2001. وما صاحب هذا الانضمام من تحولات عدة، إذ ارتفع حجم التبادلات التجارية الصينية من 280 مليار دولار بما يمثل 3 في المائة من حجم التجارة الدولية، ليتجاوز عام 2017 أكثر من 4 تريليونات دولار، مشكلا بذلك ما يقرب من 12 في المائة من حجم التبادل التجاري العالمي، وهو ما يعني أن الصين أصبحت قوة تجارية من الصعب تجاهلها.
في خضم ما سبق، تكتسب المبادرة السعودية لتطوير وإصلاح منظومة عمل منظمة التجارة العالمية أهميتها في هذا التوقيت على وجه الخصوص مع تزايد مخاطر انتشار فيروس كورونا بعواقبه الوخيمة، حيث توقعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية انخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 0.5 في المائة لعام 2020، لا سيما في البلدان المُرتبطة تجاريًا واقتصاديا مع الصين، كما من المُتوقع أن تُعاني الاقتصادات الأوروبية الكبرى من اضطرابات، حيث تتوقع الأمم المتحدة أن تنخفض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى ما بين 5 - 15 في المائة لتصل لأدنى مستوياتها منذ الأزمة المالية العالمية عامي 2008 - 2009. كما سيؤدي التباطؤ الاقتصادي إلى انخفاض الطلب على الطاقة، وكل هذا يتطلب ضرورة وضع تدابير عاجلة لتنظيم التجارة وتشجيع الاستثمار كخطوة رئيسية في استراتيجية التخفيف من آثار تلك الأزمة ومساعدة جميع المتضررين، وهو ما أشار إليه محافظ الهيئة العامة للتجارة الخارجية السعودية ورئيس مجموعة التجارة والاستثمار عبد الرحمن الحربي في كلمته الافتتاحية في الاجتماع الأول للمجموعة والتي أكد خلالها على: «تعاطف المملكة العربية السعودية مع ضحايا فيروس كورونا وأسرهم، وأن هناك مخاوف وقلق لدى رئاسة مجموعة العشرين حيال الآثار الخطيرة لانتشار الفيروس على التجارة والنمو الاقتصادي». مع الأخذ في الحسبان مدى الاهتمام الذي توليه المملكة العربية السعودية لمنظمة التجارة العالمية وحرصها على التواجد الدائم في التشكيلات الداخلية للمنظمة، وكان آخرها عضويتها في مجموعة دول البيان الوزاري المشترك للتجارة الإلكترونية في يونيو (حزيران) 2019. وذلك بهدف تعظيم مكاسبها الاقتصادية والإسهام في إيجاد الفرص الوظيفية واستفادة قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة من التجارة الدولية واندماجها في سلاسل القيمة العالمية، كما أشار إلى ذلك محافظ الهيئة العامة للتجارة الخارجية عبد الرحمن بن أحمد الحربي بقوله: «إن انضمام المملكة إلى هذه المجموعة يعكس اهتمام القيادة بملف التجارة الإلكترونية لتحقيق أهداف رؤية المملكة 2030، وتعزيز التنوع الاقتصادي، وإيجاد بيئة جاذبة للاستثمار، وتشجيع ريادة الأعمال».
وعليه، يستعرض هذا التقرير مستقبل منظمة التجارة العالمية في ضوء مبادرة الرياض السعودية التي حظيت بدعم واسع من الأعضاء الذين أبدوا استعدادهم للعمل بشكل بناء مع الرئاسة السعودية لمجموعة العشرين، وذلك من خلال محورين:


 
الأول: منظمة التجارة العالمية... الدور والأهداف
منظمة التجارة العالمية (WTO) هي منظمة عالمية تضم في عضويتها 164 دولة عضوا، إضافة إلى 20 دولة مراقبة، مقرها مدينة جنيف في سويسرا، مهمتها الأساسية هي ضمان انسياب التجارة بأكبر قدر من السلاسة واليسر والحرية. وهي المنظمة العالمية الوحيدة المختصة بالقوانين الدولية المعنية بالتجارة بين الدول، حيث تقوم هذه المنظمة بما يأتي: توفير منتدى للمفاوضات؛ تسهيل تنفيذ وتشغيل الاتفاقيات التجارية متعددة الأطراف؛ إدارة آليات تسوية المنازعات؛ الرقابة متعددة الأطراف للسياسات التجارية؛ والتعاون مع صندوق النقد والبنك الدوليين لتحقيق مزيد من الاتساق في وضع السياسات الاقتصادية العالمية.
وفي خضم التحولات التي شهدها النظام التجاري الدولي والتحديات التي حالت دون ضمان انسياب حرية التجارة في ظل التصعيد الذي شهدته الفترة الأخيرة بين أكبر قطبين اقتصاديين (الولايات المتحدة الأميركية، والصين)، فرضت على المنظمة البحث عن آليات عمل جديدة تضمن استمرار دورها الهادف إلى تعزيز حرية التجارة.


 
الثاني: مبادرة الرياض وإصلاح منظمة التجارة العالمية
في خضم الرؤية السعودية لرئاستها لمجموعة العشرين والتي اعتبرتها بمثابة مسؤولية وفرصـة مشـتركة لتطويـر التعـاون إلـى آفـاق جديـدة وفـق رؤيـة طموحـة وطويلـة المـدى مـن شـأنها أن تحقـق أقصى استفادة للجميع، كما جاءت في كلمة خادم الحرمين الشريفيين الملك سلمان بن عبد العزيز، حيث اتخذت شعارا لعملها على مدار عام 2020 تمثل في «اغتنـام فـرص القـرن الحـادي والعشـرين للجميـع». ولذا، تبنت ثلاثة محاور رئيسية، وهي: تمكيــن الإنسان مــن خلال إتاحــة الفــرص للجميــع للعيـش والعمـل والازدهار، والحفـاظ علـى كوكـب الأرض مـن خلال تعزيـز الجهـود الجماعيـة لحمايـة المـوارد المشـتركة العالميـة، وتشـكيل آفـاق جديـدة مـن خلال اعتمـاد استراتيجيات جريئـة طويلـة المـدى للاستفادة مـن منافـع الابتـكار ومشـاركتها، حيثمــا يكــون التعــاون الدولــي اللازم لمواجهــة التحديــات، مــع الاستفادة مــن منافــع الاقتصــاد الرقمــي، وتشــجيع تبنــي تقنيـات جديـدة فـي البنيـة التحتيـة، ومواكبـة التطـورات فـي الـذكاء الاصطناعـي، وتطويـر المـدن الذكيـة.
وفي ضوء هذه المحاور الثلاثة وتحديدا فيما يتعلق بتعزيز التعاون الدولي لمواجهة التحديات والاستفادة من منافع الاقتصاد الرقمي بما يمكن الإنسان من العيش والعمل والازدهار، جاء الاهتمام برؤيتها بشأن إصلاح منظمة التجارة العالمية بما يضمن مزيدا من حرية التجارة والتبادل وتشجيع الاستثمار ومواجهة التحديات والأزمات الاقتصادية العالمية. وقد انصبت المناقشات المتعلقة برؤية الإصلاح داخل أروقة لجنة التجارة والاستثمار التي عقدت على هامش اجتماع مجموعة العشرين بالعاصمة السعودية الرياض كما سبقت الإشارة إلى استعراض مبادرة الرياض لإصلاح منظمة التجارة العالمية، والتي لم تكن تلك المناقشات هي الأولى من نوعها، إذ سبق أن طرحت المملكة ذات المبادرة خلال اجتماع وزاري غير رسمي مصغر نظمته سويسرا على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في أوائل العام الحالي (يناير/ كانون الثاني 2020) حضره 35 وزيرا ومسؤولا. ورغم طرح هذه المبادرة للمرة الثانية فلم تتوافر أي معلومات مفصلة حول بنودها. ولكن ثمة حزمة من القضايا ذات الأولوية في قواعد المنظمة تحتاج إلى إعادة النظر، من أبرزها:
- نظام تسوية المنازعات في المنظمة والذي يعد عنصرا أساسيا في توفير الأمن وإمكانية التنبؤ للنظام التجاري المتعدد الأطراف. وعليه، هناك حاجة ملحة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لاستعادة نظام لتسوية المنازعات يعمل بكامل طاقته بما يتماشى مع مبادئه الأساسية. ويقترح البعض في هذا الشأن اتخاذ تدابير طارئة تسمح بتقديم طعون في منازعاتهم التجارية، في شكل ترتيب استئناف مؤقت، إلى أن تعود هيئة الاستئناف إلى العمل، وذلك استنادا إلى المادة 25 من اتفاق منظمة التجارة العالمية بشأن تسوية المنازعات.
- إحراز مزيد من التقدم في إصلاح سياسة التجارة الزراعية بما يمكن الدول النامية من المنافسة في سوق الصادرات الزراعية التي تحظى بدعم الدول المتقدمة، فضلا عن استكمال المفاوضات في مجال التجارة الإلكترونية، وتيسير الاستثمار، والشركات الصغرى والصغيرة والمتوسطة الحجم، والتنظيم المحلي للخدمات. إضافة إلى العمل على دعم النظام التجاري المتعدد الأطراف، ودوره في تعزيز أحكام التجارة العالمية، مع التركيز بشكل خاص على إبرام اتفاقية متعددة الأطراف بشأن ضوابط إعانات مصائد الأسماك.
في خضم تزايد الكوارث الطبيعية والصحية على غرار أزمة كورونا العالمية وقبلها أزمات كثيرة، يتطلب الأمر إعداد دراسات حول إمكانية وضع سياسات تجارية لمساعدة الدول المتضررة في مثل هذه الكوارث، منها على سبيل المثال فتح المجال أمام صادرات الدول المنكوبة لدخول أسواق الدول غير المنكوبة بشكل أسهل. وفي هذا الخصوص تجدر الإشادة بدعوة السعودية لعقد اجتماع قمة استثنائي افتراضي لمجموعة العشرين بهدف بحث سبل توحيد الجهود لمواجهة انتشار وباء كورونا، انطلاقا من رؤيتها التي تؤكد أن: «هذه الأزمة الصحية العالمية، وما يترتب عليها من آثار إنسانية واقتصادية واجتماعية، تتطلب استجابة عالمية».
وغني عن القول إن هذه هي المبادرة الأولى الداعية إلى التعاضد والعمل الدولي المشترك في مواجهة كارثة كورونا، فرغم عالمية الوباء كما أعلنت منظمة الصحة العالمية، وعالمية التأثيرات الناجمة عنه، إلا أن سياسات وإجراءات مواجهته ظلت وطنية، حيث تقتصر إجراءات كل دولة على حدة، وهو ما أفقد المجتمع الدولي القدرة على مواجهته قبل تفاقمه. ولذا تأتي الدعوة السعودية لعقد هذه القمة الاستثنائية الافتراضية كخطوة مهمة في سبيل بناء منظومة سياسات وإجراءات دولية مشتركة قادرة على مواجهة هذا الوباء العالمي.
- وضعية الدول النامية داخل المنظمة؛ إذ إنه طبقا لتصنيف المنظمة يكفي أن تقر الدولة بأنها نامية لتتم معاملتها على هذا الأساس، بمعنى أن تتمتع هذه الدولة بمعاملة خاصة في المنظمة مثل منحها مدة أطول لتعديل رسومها الجمركية، وإعطائها حرية أكثر في التعامل مع الشركات الأجنبية لحماية شركاتها المحلية، وغيرها من السياسات الهادفة إلى مساعدة هذه الدول على تقليل مستويات الفقر وتوفير المزيد من فرص العمل، إضافة إلى منحها فترة كافية لتمكنها من التكامل مع أنظمة التجارة الدولية. ولا شك أن التمتع بهذه المزايا يجب أن يقتصر على الدول النامية. ولكن الإشكالية في كيفية تحديد وضع هذه الدولة ما إذا كانت دولة نامية أم لا؟ لأنه من الصعوبة بمكان تغيير وضعية هذه الدولة إلا إذا أقرت هي بذلك، دون أي اعتبارات أخرى، وهو ما يجعل دولة مثل الصين بما حققته من نجاحات اقتصادية سمحت لها بالاستحواذ على ما يزيد على 12 في المائة من التجارة العالمية إلا أنها لا تزال تتمتع بوضعية الدولة النامية بما يكسبها هذه المزايا ويسهل الكثير من تعاملاتها التجارية وهو ما ترفضه بعض الدول وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة والدول الأوروبية واليابان الذين أصدروا بيانا مشتركا في منتصف يناير 2020 يتضمن مقترحا لتغيير أنظمة منظمة التجارة العالمية احتجاجا على المعاملة التفضيلية التي تتمتع به الصين داخل هذه المنظمة والمطالبة بتغيير القواعد المنظمة في هذه الحالة تحديدا.
نهاية القول، إن المبادرة السعودية المعروفة بمبادرة الرياض لإصلاح منظمة التجارة العالمية، تظل رؤية مهمة في سبيل استعادة المنظمة لدورها في مجال حرية التجارة العالمية، إذ تستهدف هذه المبادرة وضع قواعد قادرة على التعامل مع التحديات خلال الربع قرن القادم حتى 2045، بما يضمن تطوير وتعزيز أداء المنظمة وتكيفها مع حقائق ومتغيرات التجارة الدولية، انتظارا لما سيسفر عنه الاجتماع الوزاري الثاني عشر للمنظمة، المزمع تنظيمه في يونيو (حزيران) القادم (2020) بالعاصمة الكازاخية «نور سلطان»، والذي يعد واحدا من أهم الاجتماعات في حياة المنظمة، كما ذكر روبرتو أزيفيدو المدير العام لمنظمة التجارة العالمية ذلك بقوله إن «عام 2020 هو عام حاسم بالنسبة إلى منظمة التجارة، ومن شأن النتائج الملموسة في مدينة نور سلطان أن تعزز مصداقية المنظمة وتقدم البرهان على أنها قادرة على التكيف مع القرن الـحادي والعشرين».