«كورونا» وعودة الدولة... أزمات الداخل وتحديات الخارج

كشف «الفيروس» ضعف قدرات المنظمات الدولية على حماية مصالح الشعوب
* كشفت أزمة كورونا واقعاً مؤلماً في كثير من الدول التي أصابها الفيروس وخاصة في المنطقة العربية عن غياب للتعليم الرقمي
* لا شك أن هذه الأزمة وجهت ضربة عنيفة للاقتصادات الوطنية، نتيجة تأثيراتها على القوى الفاعلة في السوق الممثلة في العرض والطلب
* تطلبت مكافحة فيروس كورونا بقاء الناس في منازلهم بما يعني تراجعاً في الطلب على السلع والخدمات وإغلاق المنشآت أو تقليص عدد المشتغلين فيها لحمايتهم من انتقال العدوى
* ذكرت منظمة العمل الدولية أن عدد من سيفقدون وظائفهم سيتراوح بين خمسة ملايين وخمسة وعشرين مليون عامل، وهو ما يعني تزايد معدلات الجريمة سواء الجنائية أو الأمنية
* عالم ما قبل كورونا لن يكون هو عالم ما بعد كورونا؛ فليستعد الجميع لمزيد من التحولات والتغيرات التي ستعيد تنظيم مسار علاقات الدول خارجياً وتشابكاتها داخلياً

باكو: الدولة ذلك الكائن الذي تباينت نظرة الفلاسفة والمفكرين إلى دوره منذ نشأته، بين من ينظر إليها على أنها التنين الذي يبرر وجودها هو الخوف من حرب الجميع ضد الجميع، كما رأى جون هوبز، ومن رأى أن تفرد الدولة بالحقوق والسيطرة ليس أمرا صحيحا على إطلاقه... وإنما إلى جانب دورها في ضمان حق الأمن والبقاء على قيد الحياة، ثمة حقوق أخرى لا بد من مراعاتها مثل الحق في الملكية والتعبير عن الرأى والمشاركة والاجتماع كما يرى جون لوك، وبين من ينادي بدور للدولة ولكن في عملية توزيع عوائد الإنتاج بما يضمن عدالته وبما يضمن عدم إساءة استغلال العمال، وهو ما نادى به جون ستيوارت ميل.
هذه المقدمة عن أبرز الفلاسفة في نظرتهم للدولة ودورها، حيث تباينت النظريات السياسية التي قدمت بشأن دور الدولة، ذلك الدور الذي شهد تطورات مهمة في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك المنظومة الاشتراكية وانتهاء الحرب الباردة، وإن رجع إلى ما قبل ذلك بقليل وتحديدًا في نهاية السبعينات من القرن الماضي، حيث تغيرت المقولات الخاصة بالدولة في خضم ما عُرف آنذاك ببدايات حركة العولمة وما تتطلبه من تيسير تدفقات الأفراد والأموال والشركات والاستثمارات، إذ تركزت النظرة على أن الدولة شر، وأن علاجه تقليص أدوارها.
ومن ثم، فقد برزت فواعل غير دولاتية سواء في ساحة السياسة الدولية، أو في الساحات الداخلية للدول، حيث واجهت الدولة - خاصة الدول النامية - تحديات عدة انتقصت من مفهوم سيادتها وسطوتها وسيطرتها على شؤونها الداخلية ومصالحها الخارجية، وذلك كله تحت مزاعم عدة، منها ملفات حقوق الإنسان والتدخل لحمايته، ومنها المطالبة بإفساح المجال أمام السوق لإدارة الملفات الاقتصادية وتلبية احتياجات الناس من دون تدخل من الدولة طبقا لإدارة قوى السوق المتمثلة في العرض والطلب بحجة انتصار الرأسمالية الليبرالية وفقا لمنطق فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ الذي صدر في أوائل التسعينات من القرن المنصرم.
 




امرأة ترقص على الشرفة، خلال الحجر المنزلي في أميركا لاحتواء فيروس كورونا (غيتي)

صحيح أن هذه الرؤية لم تمتد طويلا مع تعددية الأزمات الدولية والإقليمية بل والداخلية في كثير من الدول، والتي فرضت مرة أخرى أهمية وجود الدولة كفاعل رئيسي في إدارة ليس فقط العلاقات الدولية وإنما الشؤون الداخلية، إلا أنه من الصحيح كذلك أن هذه المطالبات تباينت حسب كل قطاع أو مجال، ووفقا لكل أزمة على حدة ومصالح أطرافها، فعلى سبيل المثال مع وقوع الأزمة المالية العالمية عام 2008-2009 أو ما يعرف بأزمة الرهن العقاري التي بدأت في الولايات المتحدة الأميركية ثم انتقلت تأثيراتها إلى العالم بأسره، تزايدت المطالبات بضرورة وجود دور فاعل للدولة لمواجهة تداعيات هذه الأزمة وتصحيح الانحرافات التي أوجدها منطق السوق الذي يسعى أنصاره إلى تعظيم أرباحهم بغض النظر عن الاعتبارات الأخرى. في حين أن هذه المطالبات لم تبرز لدى أنصار هذه الرؤية حينما واجهت الدولة الوطنية في بعض دول منطقة الشرق الأوسط تحديات خلال عامى (2010 - 2011) هدفت إلى انتقاص من مكانة الدولة بل تفكيكها كما يحدث حاليا في بعض دولها (سوريا وليبيا واليمن والعراق نموذجاً).
ولكن بعيدا عن الأجندات التي تحملها الأطراف المنادية أو الرافضة لعودة دور الدولة، فقد جاءت أزمة كورونا الصحية أو ما يعرف بفيروس كوفيد-19 ليضع الجميع في توجه واحد هو المطالبة بتعظيم دور الدولة واستردادها لمكانتها في حماية المجتمع، كون أن الدول أوجدت في الأصل من أجل الحفاظ على المجتمعات وخدمتها. ولذا، فمن مهامها الحفاظ على صحة المواطن، بعيداً عن المكاسب المتحققة أو الخسائر المحتملة التي تشغل عقل صاحب المشروع الخاص الذي يسعى إلى الربح سواء في المدى القصير أو البعيد وإن كان هذا ليس عيبا في السوق بقدر ما هو مسؤولية الدولة في تحقيق التوازن المطلوب بين عمل القطاع الخاص في الميادين والمجالات التي يمكن أن يحقق فيها ربحا وفي الوقت ذاته تضمن أن لا يكون ذلك على حساب المصلحة العامة.
وعليه، كشفت الأزمة الصحية الراهنة أن ثمة تحولا مهما ستشهده الأيام القادمة فيما يتعلق بدور الدولة ومحوريتها في مواجهة التحديات العالمية، لأنه من غير الدولة ومؤسساتها لن يستطيع العالم أن يواجه التحديات المشتركة على غرار الأزمات الصحية والبيئية كما هو الحال في أزمة فيروس كورونا الذي كشف عن أهمية إعادة النظر في دور الدولة الاستراتيجي وتدخلها وإن كان بصيغة جديدة تراعي أمرين مهمين: 

 




موظفة في القطاع الطبي تحتضن عضوًا في فريق المساعدة الطبية في حفل بمناسبة رحيلهم، بعد المساعدة في احتواء انتشار فيروس كورونا في ووهان الصينية (غيتي)

الأول، طبيعة عمل المؤسسات الداخلية المعاونة لها في إدارة شؤون المجتمع ويقصد بهذه المؤسسات على وجه الدقة كل من مؤسسات القطاع الخاص والمجتمع المدني، إذ إنه من الصعوبة بمكان في ظل تعددية الملفات الخدمية والتشغيلية (توفير مزيد من فرص العمل) التي تتزايد يوما بعد يوم مع زيادة أعداد السكان، أن تتمكن الدولة من القيام بدورها على الوجه الأكمل في تقديم الخدمات المطلوبة في مختلف المجالات؛ التعليمية والصحية والثقافية والترفيهية والإعلامية والتشغيلية وغيرها، وإنما يجب أن يعاونها القطاعان الخاص والأهلي شريطة أن يكون تقديمهما للخدمات المعاونة للدولة وفقا للسياسة العامة التي تتبناها الدولة، وهو ما أكدت عليه الرؤية الأممية للتنمية المستدامة 2030 وتبنتها مختلف بلدان العالم، حيث طالبت الرؤية بإفساح المجال للقطاع الخاص والأهلي لتقديم الخدمات المجتمعية، شريطة أن تضمن الدولة كفاءتها وفعاليتها من ناحية، وملاءمتها لمستويات الدخول للمواطنين من ناحية أخرى بما يحسن من مستويات المعيشة.
الأمر الثاني، يتعلق بطبيعة دور الدولة في أوقات الأزمات، إذ تأكد للجميع أنه إذا كان مقبولا أن يكون دور الدولة في الأوقات العادية مرهونا بضمان التزام القطاعين الخاص والأهلي بدورهما الداعم لمسؤولياتها في المجالات الخدمية والتشغيلية، فإن هذا الدور يتعاظم بشكل كبير في أوقات الأزمات التي تستوجب تدخلا فاعلا وسريعا لمواجهة تداعياتها على غرار ما يواجهه العالم اليوم مع أزمة فيروس كورونا التي تطلبت دورا فاعلا في مجالات محددة أبرزها ما يأتي:
 




أحد أفراد الطاقم الطبي يأخذ عينات طبية من امرأة لاختبارات فيروس كورونا (غيتي)

المجال الصحي، حيث إن الدولة مطالبة أولا باتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحفاظ على صحة المواطنين وغير المواطنين الموجودين على أراضيها، وذلك بالوقاية للحيلولة دون انتقال العدوى وانتشار المرض، وهو ما يتطلب تخصيص الموارد المالية الضرورية لمقاومة المرض بدءاً من توفير الكمامات والقفازات والمطهرات، مروراً بتجهيز الأعداد المناسبة من أسرّة العناية المركزة اللازمة لمن يصابون بالمرض، وصولا إلى تجهيز الاحتياجات الطبية الأخرى مع توفير أطقم الأطباء والتمريض المدربة على التعامل مع مثل هذه الأزمات. كما أن الدولة مطلوب منها التعامل مع المخالطين للمصابين وكيفية إجراء الفحوصات الطبية اللازمة لضمان عدم انتشار العدوى أيضاً. كل هذا يعني أن ثمة موارد مالية مطلوب توفيرها سواء كانت من مصادر جديدة أو إعادة توجيه لبعض الموارد التي سبق تخصيصها لمجالات أخرى ربما تتوقف أو تتضرر بسبب عدم توافر الموارد المالية المطلوبة. ولكن قرار الدولة في هذا الشأن إنما يتعلق بالصالح العام ومصلحة المجتمع، فهي صاحبة السلطة في تخصيص الموارد وكيفية توزيعها بين المجالات والقطاعات المختلفة.
المجال التعليمي، في خضم المواجهة الشاملة والتدابير الاحترازية الواجب على الدول اتخاذها للحيلولة دون انتشار هذا الفيروس الذي ينشط في وجود التجمعات والأعداد الكبيرة، كان من المهم أن تقدم كثير من الدول على منح المؤسسات التعليمية إجازات مفتوحة وتأجيل للامتحانات، وهو ما قد يؤثر سلبا على مستويات التعليم لهؤلاء الطلاب، الأمر الذي دفع الجميع إلى توفير منصات التعليم عن بُعد أو ما يطلق عليه التعليم الرقمي بحيث تحملت الحكومات مسؤولية توفير هذه المنصات الإلكترونية لجميع المراحل التعليمية فضلا عن توفير القنوات التلفزيونية التعليمية التي تقدم برامج تعليمية للطلاب في مختلف مراحلهم الدراسية. وقد كشفت الأزمة الصحية واقعا مؤلما في كثير من الدول التي أصابها الفيروس وخاصة في المنطقة العربية عن غياب للتعليم الرقمي سواء بسبب عدم توافر المناهج التعليمية الرقمية من ناحية، أو عدم تدريب الأساتذة والمدرسين على استخدام المنصات الإلكترونية في الشرح من ناحية أخرى، فضلا عن ضعف خدمات الإنترنت في كثير من المناطق خاصة الريفية والنائية في كثير من هذه الدول من ناحية ثالثة.
 




امرأتان تختبران إجراءات التباعد الاجتماعي، لاحتواء تفشي فيروس كورونا (غيتي)

المجال التشغيلي، لا شك أن هذه الأزمة قد وجهت ضربة عنيفة للاقتصادات الوطنية، نتيجة تأثيراتها على القوى الفاعلة في السوق الممثلة في العرض والطلب، إذ تطلبت مكافحة هذا الفيروس بقاء الناس في منازلهم بما يعني تراجعا في الطلب على السلع والخدمات وإغلاق المنشآت أو تقليص عدد المشتغلين فيها لحمايتهم من انتقال العدوى، وهو ما أدى في الوقت ذاته إلى انخفاض العرض، فالتراجع في الطلب والانخفاض في العرض يغذي كل منهما الآخر بما يترتب عليه دخول الاقتصاد الوطني في حلقة مفرغة تهدده بالتوقف عن العمل. ولا يقتصر الأمر على هذا فحسب، بل يمتد إلى تهديد السلم والأمن المجتمعي، إذ سيترتب على دخول الاقتصاد هذه الحلقة المفرغة، زيادة معدلات البطالة مع فقدان الملايين لوظائفهم ومصادر دخلهم التي يلبون بها الاحتياجات المعيشية لأسرهم، فطبقا لدراسة سريعة لآثار أزمة كورونا على التشغيل في العالم خلصت منظمة العمل الدولية إلى أن عدد من سيفقدون وظائفهم سيتراوح بين خمسة ملايين وخمسة وعشرين مليون عامل، وهو ما يعني تزايد معدلات الجريمة سواء الجنائية أو الأمنية نتيجة تشريد الملايين من المواطنين من دون عمل، الأمر الذي يفرض على الدولة التدخل بأنظمة حماية اجتماعية توفر مصدراً مؤقتاً من الدخل لهؤلاء المواطنين لحين عودة عجلة الإنتاج للدوران، وهو ما يعني مزيداً من العجز في الموازنات العامة للدول. ولكن لم يكن ثمة حلول أخرى يمكن أن تلجأ إليها الدول سوى تقديم مزيد من التسهيلات الائتمانية لدعم حركة السوق، فنجد أن البنك المركزي الأوروبي منح تسهيلات بـ750 مليار يورو لمساندة المنشآت ولشراء الأوراق المالية حتى لا يتوقف النشاط الاقتصادي، كما اتجهت الولايات المتحدة إلى تخصيص تريليون دولار لنفس الأغراض، وهو الأمر ذاته الذي انتهجته معظم حكومات العالم لإطلاق حزم من الإجراءات بمئات المليارات من اليوروات والدولارات لتنشيط اقتصاداتها، فضلا عن إقدام بعضها على خفض سعر الفائدة للتشجيع على الاقتراض من أجل الإنتاج والاستهلاك. 
إضافة إلى ما سبق، أقدمت كثير من الحكومات على إطلاق برامج للحماية الاجتماعية عبر توفير مداخيل شهرية للعمالة غير المنتظمة أو تلك التي تأثرت بسبب الأزمة، وهو ما يعني مزيداً من الأعباء على موازنات هذه الدول.
 




سياح يتجاوزون حاجزًا للشرطة عند شاطئ ميامي المغلق، للحد من انتشار فيروس كورونا (غيتي)

فضلا عن هذه المجالات الثلاثة على المستوى الداخلي، فقد كشفت الأزمة الأخيرة عن أهمية إعادة دور الدولة على النحو الذي سبقت الإشارة إليه، حيث إنه من المهم كذلك التوكيد على أن هذه الأزمة أيضا استوجبت إعادة دور الدولة على الساحة الدولية، أخذا في الحسبان أن هذه العودة لا تعني أن تنغلق الدولة على ذاتها أو تقطع تواصلها مع الخارج كما يطالب أنصار التيار الشعبوي، وإنما كشفت الأزمة عن بعدين مهمين في دور الدولة على الساحة الدولية يتمثلان فيما يأتي: البعد الأول، يتعلق بأهمية الاستفادة من تجارب الآخرين فيما أقدموا عليه من سياسات وإجراءات قد تفيد في ترشيد الإنفاق العام في وقت تشح فيه الموارد، فعلى سبيل المثال يمكن الاستفادة مما انتهجته بعض البلدان في كيفية تحقيق التوازن بين إدارتها للأزمة الصحية والحفاظ على نشاطها الاقتصادي خاصة في ضوء التشابك الاقتصادي المعولم، الناتج عن فكرة سلاسل الإنتاج والتي تعني أن إنتاج أي سلعة نهائية مثلا يمر عبر سلسلة من عمليات الإنتاج الجزئي في بلدان كثيرة، فلا يمكن أن تنشط عملية الإنتاج في بلد ما إن لم تنشط حلقات الإنتاج في البلدان السابقة عليها واللاحقة لها، وهو ما يعني أن ثمة صعوبة في معالجة هذه الأنماط الإنتاجية على المدى القصير، فضلا عن أن تأثيراتها على المدى البعيد إذا ما أقدمت دولة على العودة إلى سياسات الاكتفاء الذاتي ستؤدي إلى انخفاض كفاءة استخدام أدوات الإنتاج، بما سينعكس سلباً على مستويات المعيشة في تلك البلدان. 
 




موظفة لدى الحكومة الفلبينية، أثناء رشها بمطهر قبل دخولها لمبنى المكاتب، ضمن إجراءات الحد من انتشار كورونا (غيتي)

البعد الثاني، يتعلق بالتعاضد الدولي والإقليمي في مواجهة هذا الخطر، إذ من الملاحظات السلبية على كيفية إدارة مختلف الدول لهذا الوباء العالمي الذي اعتبرته منظمة الصحة العالمية وباء ضد البشرية، أن المعالجات التي تبنتها معظم البلدان كانت معالجات منفردة تتعلق بسياسات وتوجهات كل دولة دون أن تكون هناك رؤية تكاملية عالميا أو حتى إقليميا لمواجهة هذا الخطر الذي يهدد الأمن والسلم الدوليين. 
صحيح أن منظمة الصحة العالمية تفاعلت منذ اللحظات الأولى لبدء تفشي هذا الخطر، إلا أن تفاعلها لم يكن على مستوى خطورة الحدث من حيث المعالجات القادرة على التفاعل بإيجابية لمواجهته. وصحيح كذلك أن الاتحاد الأوروبي حاولت بعض مؤسساته أن تتخذ قرارات جماعية لمواجهة هذا الخطر، إلا أنها كذلك لم ترق إلى المستوى المطلوب. في حين لم تتخذ المنظمات الدولية والإقليمية الأخرى موقفا قويا يعزز سياسات التعاون بين دولها، مع الأخذ في الحسبان أن الأهداف الرئيسية من وراء تأسيس كل هذه المنظمات هو حماية الأمن والسلم وتحقيق الاستقرار والتنمية لأعضائها، في حين كشفت أزمة كورونا عن ضعف مثل هذه المنظمات وعدم قدرتها على تبني سياسات جماعية تحمي مصالح أعضائها وشعوبهم، الأمر الذي يؤكد أن ثمة حاجة ماسة إلى إعادة النظر في جدوى مثل هذه المنظمات حال فشلها في إدارة الأزمات العالمية والإقليمية التي تهدد الأمن والسلم الدوليين والإقليميين.
 





نهاية القول، إن أزمة فيروس كورونا، لم تكن الأزمة الصحية الأولى التي يواجهها العالم أجمع، كما أنها لن تكون الأخيرة، وإن كانت هي الأولى من نوعها من حيث خطورتها وحدتها وتأثيراتها التي لم تزل تتفاقم يوما بعد يوم، إلا أنها كانت بمثابة جرس إنذار شديد التأثير، سبقته أجراس إنذار أقل حدة وخطورة لكن لم يلتفت إليها العالم فيما سبق، وهو ما جعله اليوم في صدمة من التعامل مع مثل هذه الأزمة بتداعياتها المختلفة وتأثيراتها المتنوعة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، الأمر الذي سيفرض على العالم بأسره إعادة النظر في كثير من سياساته وتنظيماته وإجراءاته، كما يفرض على الدول إعادة النظر في كيفية إداراتها لشؤونها الداخلية. فعالم ما قبل كورونا لن يكون هو عالم ما بعد كورونا؛ فليستعد الجميع لمزيد من التحولات والتغيرات التي ستعيد تنظيم مسار علاقات الدول خارجيا وتشابكاتها داخليا.