كيف سيكون العالم بعد جائحة كورونا؟

نظام عالمي جديد أولوياته البحث العلمي وقضايا الصحة والبيئة والمناخ
* الطاعون الأسود والأنفلونزا الإسبانية والإيدز وأنفلونزا الخنازير أوبئة غيرت خريطة العالم
* النظام العالمي السائد سيسقط بعد كورونا لأنه كان يعلي من قيمة التسليح
 

القاهرة: على مدار أكثر من ثلاثة أشهر يعيش العالم بأكمله كابوس فيروس كورونا، الذي حصد آلاف الأرواح من مختلف الجنسيات، وأحدث هلعا كبيرا في أوساط المجتمع الدولي.
وما نعرفه عنه حتى الآن لم يكن كافيا حتى الساعة للتحكم في انتشاره وتفشيه في أوساط مختلفة ودول كثيرة على مستوى العالم.
ويعتقد أن فيروس كورونا الجديد ظهر أول الأمر في أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2019 في مدينة «ووهان» الصينية، في سوق لبيع الحيوانات البرية، وانتشر بسرعة، مستفيدا من تنقل المواطنين لتمضية عطلة رأس السنة القمرية في يناير (كانون الثاني) الماضي. وقد طال هذا الوباء آلاف الأشخاص وحصد مئات الأرواح خاصة في الصين، التي تعتبر بؤرة الوباء.
ويرى كثيرون أن جائحة كورونا التي ضربت البشرية في العالم والإجراءات التي اتخذتها دول العالم في مواجهته تشبه إلى حد كبير ما قام به الصحابي الجليل عمر بن الخطاب عندما واجه طاعون عمواس والذي أودى بحياة 30 ألف مسلم وقد كان كارثة حقيقية، وقتها أراد خليفة المسلمين زيارة الشام، والتقى مجموعة من الأمراء على حدود الحجاز والشام، وأخبروه بانتشار المرض بها، تشاور مع مَن معه، وآثر عدم دخولها في حين رفض الصحابي الجليل أبو عبيدة بن الجراح الخروج من الشام، وقد كان واليًا عليها، عملاً بما جاء في حديث الرسول بعدم الخروج من أرض الطاعون، واعتقادًا أن في ذلك فرارًا من قدر الله، وقال حينها مقولته الشهيرة: «إني في جند المسلمين، ولا أجد بنفسي رغبة عنهم».
وبعد انصراف عمر، رضي الله عنه، حصل الطَاعون الجارف، وكانت شدَته بالشام، فهلك به خلقٌ كثيرٌ، ولم يرتفع عنهم الوباء إِلا بعد أن وليهم عمرو بن العاص، فخطب في النَاس، وقال لهم: أيُها الناس إِنَ هذا الوجع إِذا وقع إِنما يشتعل اشتعال النَار، فتجنَبوا منه في الجبال، فخرج، وخرج النّاس، فتفرقوا حتّى رفعه الله عنهم، فبلغ عمر ما فعله عمرو، فما كرهه.
وهناك رواية تقول إنّ عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص بالتوجه بسكان المدن إلى الجبال، فالطاعون لا ينتشر عند أهل الجبال؛ عندها اختفى الوباء بهذه الحيلة.
ويكشف مؤرخون أنّ تعامل عمر بن الخطاب مع ذلك البلاء كان في منتهى الحذر، حيث لم يدخل هو ومن معه إلى الشام، كما حاول إخراج المعافين من أرض الوباء، فضلاً عن قيامه بتحمل المسؤولية كاملة بعد انجلاء هذا الوباء، فرحل إلى الشام وأشرف على حل المشكلات وتصريف تبعات هذه الأزمة.
وقد قدم المؤرخون الذين عاصروا تلك الأحداث صورًا متنوعة عن تلك الأوبئة وآثارها وعواقبها في سائر أرجاء الأرض مثل المقريزي وابن تغري بردي وابن كثير وابن إياس وابن بطوطة وابن عذارى المراكشي، ونظرًا لما تركته تلك الأوبئة من آثار في تاريخ البشرية نظرًا لانعكاسها على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية للمجتمعات في العالم بشكل عام والإنسانية ككل، كان لها عظيم الأثر في تغيير صورة الحياة وإعادة رسم النظام الدولي العالمي بعدها مرة أخرى.
ولم يكن وباء كورونا العالمي هو الوحيد في رسم خريطة العالم بل سبقته أوبئة أخرى أزهقت أرواح الملايين من البشر وتسببت في تغير نظرة العالم مرة أخرى إلى العلاقات الإنسانية ولعل أبرز تلك الأوبئة الطاعون الأسود والذي شهدته أوروبا عامي 1348 و1349 وهو ما عرف وقتها باسم الطاعون الأسود والذي أسفر عن مقتل نحو 20 مليون شخص. وذكرت دراسة صدرت عام 2018 أن البشر كانوا مسؤولين عن العدوى في ذلك الوقت وليس الفئران.
أيضا من هذه الأوبئة الأنفلونزا الإسبانية التي ظهرت في عام 1918 واجتاحت العالم، وأودت بحياة ما تراوح بين 40 و50 مليون شخص، ووفقا لدراسة نشرتها «بي بي سي» عام 2018 كان عدد الضحايا كبيرا لأنه في عام 1918. كانت الفيروسات لا تزال حديثة الاكتشاف ولم يدرك الأطباء حينها بالطبع أن الفيروسات هي التي تسبب هذه الأمراض، وكان الطريق أمامهم لا يزال طويلا لاكتشاف الأدوية المضادة للفيروسات واللقاحات التي تساعد الآن في كبح تفشي المرض وتسريع التعافي منه.
أيضا في عام 1976 ظهر في الكونغو وباء الإيدز وسرعان ما انتشر في مختلف أنحاء العالم، وقد بلغ عدد المصابين نحو 36 مليونا، وفي عام 2014 توصل علماء إلى أن منشأ وباء الإيدز يعود إلى العشرينات من القرن الماضي في مدينة كينشاسا الموجودة حاليا في جمهورية الكونغو الديمقراطية. وقالوا إن «مزيجا من الأحداث» شمل النمو السكاني وتجارة الجنس وحركة السكك الحديدية سمح بانتشار فيروس «إتش آي في» المسبب للإيدز. وأضاف العلماء في دورية «ساينس» العلمية قائلين إنهم لجأوا إلى دراسة تاريخ الفيروس للتعرف على أصل الوباء.

 




رسم لضحايا الطاعون في فناء منزل، لجورج مونتبارد (غيتي)

 

وفي عام 2009. انتشر وباء أنفلونزا الخنازير وقد اكتشف أولا في المكسيك في أبريل (نيسان) من ذلك العام، قبل أن ينتشر في كثير من دول العالم. ووفقا لمنظمة الصحة العالمية، فإن أنفلونزا الخنازير من أكثر الفيروسات خطورة حيث يتمتع بقدرة تغير سريعة، هربا من تكوين مضادات له في الأجسام التي يستهدفها، وقد أعلنت منظمة الصحة العالمية في عام 2010 عن وفاة 18 ألف شخص جراء الوباء.
يقول الدكتور بشير عبد الفتاح، الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، في تصريحات لـ«المجلة»: إن كل حدث جسيم يخيم على العالم يعقبه فك للنظام القائم وإقامة نظام جديد، موضحا أنه لا يمكن للعالم أن يمضي بعد الأزمة عما كان عليه قبلها.
وأضاف الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن أثرياء العالم يهربون من كورونا بالذهاب إلى الجزر المنعزلة، مشيرا إلى أن العولمة أحدثت نقلة في الاتصالات والمواصلات، ومن ثم أدى إلى سرعة انتقال الأوبئة بشكل مروع، وهو ما انعكس على الأمن الغذائي وأمن الطاقة.
وأشار الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إلى أننا بصدد نظام عالمي جديد تكون فيه قضايا البيئة والمناخ والأوبئة في صدارة الأولويات، مؤكدا أن النظام العالمي السائد قبل كورونا سقط لأنه كان يعلي من قيمة التسليح، مؤكدا أن أزمة كورونا أثبتت أن الأنظمة الصحية في أوروبا هشة.
وتابع الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن دول الاتحاد الأوروبي تخطف من بعضها المساعدات التي ترسلها الصين بسبب هشاشة منظوماتها الصحية، مؤكدا أن دول الاتحاد الأوروبي كانت متماسكة عكس الأوضاع الآن، وأن النظام العالمي السائد قبل كورونا سقط لأنه كان يعلي من قيمة التسليح.
وأكد الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في تصريحاته التي اختص بها «المجلة» أن الاتحاد الأوروبي كان يُضرب به المثل في التماسك والوحدة والنظام الصحي المتطور، وأن الناس كانت تهاجر إلى أوروبا بسبب مستوى صحي أفضل ومستوى معيشي أفضل، موضحا أن السبب في الإخفاق له دلالات متعددة وهناك حجز من إيطاليا لمواجهة كورونا بسبب الاستخفاف والاستجابة المتأخرة للأزمة ونقص المستلزمات الطبية.
وحمل الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية دولة الصين مسؤولية انتشار هذا الوباء مؤكدا أنها هي من تسببت في عولمته بسبب تكتمها عليه لأكثر من شهرين ما تسبب في تجاوزه كل الحدود الدولية مؤكدا أنه عندما نتجاوز أزمة كورونا سنكون أمام مجتمع جديد يتشكل لمجابهة الأزمات البيئية التي تحدث بالعالم مؤكدا أننا بحاجة إلى أنسنة العلاقات الدولية.
وكان تيدروس أدهانوم جيبريسوس المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، قد أكد في تصريحات صحافية تناقلتها وسائل الإعلام أن وتيرة انتشار جائحة كورونا تتسارع، مع تسجيل ما يزيد على 300 ألف حالة إصابة حتى الآن في أنحاء العالم.
ودعا تيدروس خلال تصريحاته إلى الالتزام السياسي، وقال إنه سيخاطب قادة دول مجموعة العشرين هذا الأسبوع وسيطلب منهم العمل معاً لتعزيز إنتاج معدات الحماية الحيوية للعاملين في مجال الرعاية الصحية.
وردا على سؤال بشأن أولمبياد طوكيو 2020 المقرر افتتاحها في 24 يوليو (تموز)، قال مايك ريان المدير التنفيذي لبرنامج الطوارئ الصحية في المنظمة إنه يعتقد أنه سيتم اتخاذ قرار «قريبا جدا» بشأن مستقبلها.
وقال ريان: «كلنا ثقة في أن الحكومة اليابانية واللجنة (الأولمبية الدولية) لن تمضيا قدما في أي دورة ألعاب إذا كانت ستشكل خطورة على الرياضيين والمتفرجين».