مناورة إثيوبيا الأخيرة... هل توقع مصر في فخ «التسويف» مرة أخرى؟

بعد عرضها العودة للمفاوضات بعيداً عن الوسيط الأميركي
* خبير في شؤون المياه: العودة مرة أخرى للمفاوضات غير مجدية... ويجب على مصر تدويل القضية وتقديم شكوى للأمم المتحدة
* عبد الله الأشعل: السلوك الإثيوبي لا يعتبر نزاعا على المياه ولكنه مؤامرة لإفناء مصر، وهو سلوك عدائي تجب مواجهته
* أستاذ في الشؤون الأفريقية: مصر تملك من الآليات والأدوات ما يمكنها من إجبار الجانب الإثيوبي على الانصياع إلى صوت الحق والتسليم بالمطالب المصرية المقررة لحقوقها التاريخية في مياه النيل وإعادة إثيوبيا إلى لغة العقل
* أكاديمي مصري: العودة إلى ملف التفاوض مستبعد تماماً بالنسبة لمصر

القاهرة: بعد توالي جولات التفاوض حول سد النهضة لبضع سنوات والتي لم تسفر عن أي حلول عملية، والتي كان آخرها المفاوضات الرباعية التي جرت في واشنطن تحت رعاية وزارة الخزانة الأميركية والتي خرجت بصيغ محددة يمكنها المساهمة في حل الأزمة بعد الوصول إلى صيغ محددة، وقع عليها الجانب المصري منفردا، فيما رفض الجانبان السوداني، والإثيوبي، التوقيع عليها على الرغم من أنها لا تصب جميعها في صالح الجانب المصري، وخروج تصريحات لمسؤولين إثيوبيين تتهم واشنطن بالانحياز للجانب المصري، والتأكيد على بدء ملء خزان السد بإرادة إثيوبية منفردة، ما فتح الباب أمام مصر لإعلان أن جميع الحلول متاحة، وهو ما دفع الجانب الإثيوبي إلى إطلاق مناورة جديدة عبر الترويج لفكرة استعداده العودة إلى طاولة المفاوضات مع مصر حول قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، بشروط أهمها، إبعاد وزارة الخزانة الأميركية عن الملف، وإلغاء جميع الصيغ التي سبق وتم الاتفاق عليها من خلال مفاوضات واشنطن التي امتدت على مدار 3 أشهر تقريبا، والتي قاطعت أديس أبابا جولتها الأخيرة نهاية فبراير (شباط) الماضي، وكانت مخصصة للتوقيع بالأحرف الأولى على الاتفاق، وذلك بحجة أن الصيغ التي أعدها فريق الوزير الأميركي ستيفن منوتشين، بالتعاون مع البنك الدولي لم يتم التوافق على بنودها بين جميع الأطراف، لتعود مرة أخرى الآن وتعلن استعداد وزيري الخارجية والمياه الإثيوبيين، غيدو أندارغاشيو، وسيليشي بيكيلي لاستئناف المفاوضات بشكل مباشر دون وسطاء، أو بوسطاء غير ملزمين، من دون تطبيق المادة العاشرة من اتفاق المبادئ الموقع في مارس (آذار) 2015، بين مصر وإثيوبيا والسودان، والتي تتعلق بتسوية النزاع حول سد النهضة ومياه النيل الأزرق وطلب الوساطة في هذا الشأن. 
المناورة الإثيوبية الأخيرة والتي يقودها السفير المخضرم، جروم أباي، المقرب من رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، والذي شكل فريقا من الدبلوماسيين لعقد اجتماعات مطولة مع عدد من الوفود الأوروبية الدائمة لدى الاتحاد الأوروبي، يركز على ثلاث نقاط رئيسية، هي رفض أديس أبابا تدويل القضية، وتدخل الوسطاء غير المعنيين، كالولايات المتحدة لفرض حلول بعينها، واستحقاق إثيوبيا تاريخيا وتنمويا واقتصاديا بالاستفادة من مواردها المائية بحجة أن مصر هي الدولة الأكثر استفادة من مياه النيل على مدار التاريخ، وأن الاتفاق الثلاثي بين مصر وإثيوبيا والسودان يعتبر خروجا على الاتفاق الإطاري لدول حوض النيل الموقع في عنتيبي عام 2010. وتهدف المناورة الإثيوبية لكسب مزيد من الوقت، وإيقاع مصر في فخ «التسويف» واستكمال بناء السد، وملء الخزان بعيدا عن أي اتفاق ملزم مع مصر، فهل تقع مصر في هذا الفخ؟
من جانبها وفي محاولة لاستقراء المشهد، قامت «المجلة» باستعراض آراء الخبراء والمتخصصين في هذا الشأن، لاستيضاح الأهداف الإثيوبية، وما هي الحلول المصرية المتاحة لإحباط هذه المناورة.
 
 خيارات مصرية كثيرة
من جانبه، قال الخبير في شؤون المياه بالمجلس العربي للمياه، الدكتور ضياء القوصي، في تصريحات خاصة لـ«المجلة»: إن مصر تقع في حرج كبير بسبب هذه المحاولات الإثيوبية التي تهدف إلى التسويف، مؤكدا أن مصر لديها خيارات كثيرة للحفاظ على مكتسباتها المائية، خاصة أنها لا تملك ترف التنازل عن متر واحد من حصتها في المياه، وعليها اللجوء إلى العقلانية الدولية من خلال التوجه إلى المنظمات الدولية الفاعلة في هذا المجال لإجبار الجانب الإثيوبي على الرضوخ والاستجابة إلى صوت العقل، خاصة أن محاولاتها للتسويف لم تعد مقبولة، من النظام المصري، أو من الرأي العام المصري أيضا، مؤكدا أن مصر لديها خيارات كثيرة ومتاحة لإجبار الجانب الإثيوبي على الانصياع إلى صوت العقل، وحل الأزمة بطريقة تصب في مصالح الدول الثلاث مصر، والسودان، وإثيوبيا، ودون الإضرار بأي طرف. 
وأضاف القوصي: «أنا لا أميل، ولا أؤيد العودة مرة أخرى للمفاوضات، خاصة أنها مفاوضات عقيمة لن تفضي إلى أي نتائج ملموسة، وقد جربنا المفاوضات مع الجانب الإثيوبي لعدة سنوات دون الوصول إلى أي حلول، ودون جدوى، ويجب على مصر تدويل القضية، وتقديم شكوى للأمم المتحدة، والمنظمات الدولية الكثيرة المعنية بهذا الأمر، لأن السلوك الإثيوبي لم يعد مقبولا بأي حال من الأحوال».

 




نهر النيل الأزرق أثناء مروره عبر سد النهضة (غيتي)

 


 
 ضرورة تغيير الخطط ولغة الخطاب
ومن جهته، قال مساعد وزير الخارجية الأسبق الدكتور عبد الله الأشعل، في تصريحات خاصة لـ«المجلة»: إثيوبيا أخذت موقفا مناهضا لمصر منذ البداية، وهو انتهاجها لمسألة الإصرار على بناء السد ومنع المياه عن مصر، وللأسف مصر كانت تدرك ذلك منذ البداية، وكانت الدول الممولة للسد تعلق تمويلها على موافقة مصر، ومصر قدمت حسن النية بتوقيع الاتفاق الإطاري، وانتهى الأمر إلى إعلان إثيوبيا أنها سوف تقوم بعملية ملء خزان السد بشكل منفرد ما يعني جفاف مصر، واتفاق واشنطن- رغم أنه لا يحقق المصالح المصرية- إلا أنه كما يبدو كان سيساهم في إيجاد صيغ توافقية، بحصول مصر على حصة مائية ملزمة لإثيوبيا، حيث طالبت إثيوبيا بحصول مصر على 30 مليار متر مكعب من المياه سنويا، واقترحت السودان 35 مليار، ومع ذلك لم ترغب إثيوبيا في التوقيع على مثل هذه الصيغ. 
وأضاف الأشعل: برغم أن أزمة كورنا أحدثت ارتباكا في جميع دول العالم خاصة الولايات المتحدة الأميركية التي تعد حاليا البؤرة رقم 1 في العالم، ومع ذلك يجب أن لا تنسى مصر موضوع سد النهضة، لأن إثيوبيا فعلا تسعى إلى التحلل من جميع الالتزامات، وتمكين مخططها الساعي لإبادة مصر، ومن المفترض أن تنشئ مصر لجنة مكونة من وزارة الدفاع، ووزارة الخارجية، ووزارة الري، ومجلس الوزراء للعمل على معالجة الموضوع من جميع اتجاهاته «الاستراتيجية، والعسكرية، والاقتصادية، وغيرها»، وصحيح أن أزمة كورونا تهز العالم إلا أن إثيوبيا ماضية في تنفيذ مخططها، حيث أعلنت أنها ستبدأ ملء خزان السد في يوليو (تموز) القادم، ولأن إثيوبيا لا تريد أن تقع تحت طائلة أي التزام، فعندما رأت أن اتفاق واشنطن سوف يقيدها خلافا لاستراتيجيتها الأساسية رفضت التوقيع عليه، وعلى مصر أن تتنبه لهذا وتغير من خططها، ولغة خطابها. 
وتابع الأشعل: رأينا وزير الخارجية المصري سامح شكري يقوم بجولة في عدة دول أفريقية مثل جيبوتي والصومال لاستيضاح موقف هذه الدول من الأزمة، وهذا غير كاف، لأنه يجب أن تبدأ المسألة بمذكرة واضحة نحدد فيها الموقف المصري المستند للقانون الدولي، لأنه في حال عدم الاستناد إلى قواعد القانون الدولي فسوف تقوم السودان أيضا بمنع المياه عن مصر، حيث إنها وبتأييد من إثيوبيا تستنكر اتفاق 1959 الخاص باقتسام مياه النيل، فنحن ليس لدينا مفر، ولا بد من الاستناد إلى قواعد قانونية معتبرة، في هذا الموضوع.
وأكد الأشعل، بالقطع مصر تملك من الآليات، والأدوات ما يمكنها من إجبار الجانب الإثيوبي على الانصياع إلى صوت الحق والتسليم بالمطالب المصرية المقررة لحقوقها التاريخية في مياه النيل، وإعادة إثيوبيا إلى لغة العقل، أولا يمكن لمصر أن تضع مصطلح الحقوق القانونية لمصر المستندة إلى قواعد القانون الدولي، ولدينا 5 اتفاقيات دولية في هذا الصدد، إضافة إلى العمل على توضيح السلوك الإثيوبي الذي لا يعتبر نزاعا على المياه، ولكنه مؤامرة لإفناء مصر، والذي يعد سلوكا عدائيا منذ بداية الأزمة، مستغلا حسن النوايا المصرية، وبعدما وصلت إلى مراحل معينة من بناء السد أخذت في «التبجح»، بتصريحات أنه إذا أرادت مصر الحرب، فإن إثيوبيا لديها القدرة على حشد مليون جندي، إضافة إلى ذلك، فإن مصر يمكنها التحرك من خلال أطر قانونية في الإطار الأفريقي، وعرض الموضوع على الاتحاد الأفريقي والمحكمة الأفريقية، لكسب الرأي العام الأفريقي الذي يعد الأساس في النزاع، لأن أفريقيا هي البيئة الحاضنة للنزاع، وبعدها يمكن التحرك على المستوى الدولي، ونضع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن أمام مسؤولياتها، وأن تعرض الأمر بصيغة أن إثيوبيا تريد أن تفني العرق المصري، والتدليل على ذلك بالحجج التي قدمتها إثيوبيا في أدبياتها، فإثيوبيا تتنصل من القانون الدولي ويجب على مصر أن تعمل على إخضاعها للقانون الدولي، فالموقف المصري يحتاج إلى تعديل وجدية في المرحلة القادمة، لأنه يمكن أن تقع مصر في فخ التسويف الإثيوبي والدخول في مفاوضات غير جادة مرة أخرى، لأن هذه القضية حيوية جدا، فمصر لن تبقى على الخريطة لو تم تجفيف نهر النيل، ويجب العمل من منطلق أن إثيوبيا دولة معادية، لأن كل المؤشرات تقول إن إثيوبيا تسير في تنفيذ هذا المخطط (إفناء العرق المصري) منذ زمن طويل، من خلال السدود، حيث إنها تسعى لعمل ثلاثة سدود أخرى على النيل الأزرق، الذي تتحصل مصر من خلاله على نسبة 85 في المائة من حصتها المائية، وما يدلل على سوء النوايا الإثيوبية أن لديها 24 نهرا داخليا، و12 نهرا دوليا كان يمكنها إنشاء سدود على أي منها لتوليد الطاقة الكهربية كما تدعي، ولكنها تسعى من خلال سد النهضة للإضرار بمصر، كما أنها قامت بإنشاء السد بالقرب من الحدود السودانية لضمان أنه في حالة انهيار السد لا يتأذى الجانب الإثيوبي ولكن تتأذى السودان ومصر. ولا بد أن تغير الحكومة المصرية نظرتها للمشكلة، وبالتالي فإن أدوات مصر لمعالجة المشكلة يجب أن تختلف عما كانت عليه في السابق، لأن الذهاب إلى المفاوضات مرة أخرى هو مضيعة للوقت والدليل على ذلك مفاوضات واشنطن التي استهلكت مزيدا من الوقت دون جدوى، وفي النهاية تخرج تصريحات إثيوبية تدعي وقوف إثيوبيا في وجه الإرادة الأميركية وتمتنع عن التوقيع على صيغ الاتفاقات بحجة عدم مراجعتها من جميع الأطراف، ولو لم تكن أديس أبابا قد حصلت على الضوء الأخضر من واشنطن لما تجرأت أت تعلن وبهذا الشكل تحديها للإدارة الأميركية. كما أن الإدارة الأميركية لو كانت جادة في الوصول إلى اتفاق لكان بإمكانها بما تملكه من أدوات أن تجبر الجانب الإثيوبي على الانصياع إلى نتائج المفاوضات التي استمرت لثلاثة أشهر على الأقل. 
وختم السفير عبد الله الأشعل: اتفاقيات توزيع مياه النيل تم إبرامها وقت أن كان تعداد مصر 20 مليون نسمة، والآن زاد التعداد على 100 مليون نسمة، أي إن الاحتياجات المائية المصرية كان يجب زيادتها، وليس نقصانها وحصول مصر على 30، أو 35 مليار متر مكعب من المياه سنويا عوضا عن حصتها الحالية 55.5 مليار متر مكعب سنويا.
 
مناورة إثيوبية تفتقر لحسن النوايا
في السياق، قال الأستاذ بمعهد الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة الدكتور أيمن شبانة في تصريحات خاصة لـ«المجلة»: إن الإعلان الإثيوبي الأخير باستعدادها العودة لطاولة المفاوضات مع مصر حول قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، بشرط إبعاد وزارة الخزانة الأميركية عن الملف، وإلغاء جميع الصيغ التي سبق وتم الاتفاق عليها من خلال مفاوضات واشنطن التي امتدت على مدار 3 أشهر تقريبا، هي مناورة تفتقر إلى حسن النوايا، وتستهدف إضاعة الوقت، ومجاراة الموقف، وإثيوبيا ليس لديها النية للتوقيع على أي اتفاق أو الوصول إلى أي حلول أو اتفاقات، وسوف يستمر ذلك إلى فترة الانتخابات القادمة في إثيوبيا والتي قد تجرى في أغسطس (آب) القادم، وأكد شبانة أن مصر لديها الآليات المتاحة لإجبار إثيوبيا على تغيير موقفها سواء كانت آليات ودية، أو قسرية، ولكن لا يمكن الخوض في مثل هذه المسائل، ومصر تحتفظ بها لنفسها، كما أنه يمكن لمصر من خلال حلفائها تغيير الموقف الإثيوبي عن طريق دعم إنشاء السد وتقديم أموال وعقد اتفاقيات تجارية، واتفاقيات سياسية وأمنية وعلاقات تجارية وتعاون في مجالات الموانئ وغيرها، وباختصار العودة إلى ملف التفاوض مستبعد تماما بالنسبة لمصر حيث وصلت إثيوبيا إلى مرحلة عدم الاكتراث بالمطالب والمصالح والاعتبارات المصرية، ولذلك فإن عودة مصر إلى طاولة التفاوض أصبحت مستبعدة وبشكل نهائي.