كورونا و«دول الجنوب» أي تأثير؟ وأي مستقبل؟

خبير: الدول العربية ستفقد 27 مليون وظيفة
* النظام العالمي الجديد سيكون نظاماً متعدد المراكز، وليس متعدد الأقطاب، خاصة أن الولايات المتحدة الأميركية تفاوض على القطبية الدولية فيما بينها وبين الصين
* الواقع الاقتصادي الحالي وخريطة التوازنات تؤكد على التوجه نحو مراكز ثقل دولية منتشرة في العالم، وبإمكان عالم الجنوب أن يغتنم الفرصة للتموقع في العالم الجديد
* دول عالم الجنوب تستطيع التموقع، من خلال القيام بإصلاحات داخلية حقيقية من خلال حكامة النظم السياسية، وتفعيل البرامج التنموية من خلال الاستجابة الفعلية لمطالب شعوبها
* محنة كورونا العالمية قد تكون القطرة التي أفاضت الكأس وأدت باستفاقة عالم الجنوب، وتعلمه الدروس جيداً

الجزائر: مع استمرار جائحة كورونا عالميًا، وتواصل عداد المصابين في الارتفاع، ليقارب المليون، ثمة أسئلة بارزة تطرح نفسها بشأن مصير البلدان الأقل جاهزية لمواجهة هذا الوباء الذي أطلّ عليها على حين غِرّة، فكبرى الدول التي تملك منظومة صحية قوية، باتت تتهاوى أنظمتها الصحية أمام عجز كوادرها ومرافقها الطبية على احتواء ومعالجة العدد المتفاقم من المصابين يوميًا، هذا الوضع يدفع للتساؤل عن مصير الدول الضعيفة صحيًا واقتصاديا، أو ما يسمى «دول الجنوب» على مواجهة هذا الوباء الفتّاك بأقل كُلفة ممكنة، وكيف سيكون موقعها عالميًا في ظل نظام دولي جديد بدأت تتشكل معالمه، حسب متابعين، على ضوء تداعيات هذا الوباء، خاصة على الدول الصناعية الكبرى.
وبشكل عام، يجزم كثيرون بأن ما قبل كورونا، ليس كما بعده، ويجزمون أن التغيير الذي ستشهده البشرية بعد انتهائها من إحصاء ضحاياها، بعد انتهاء الوباء سيكون عميقًا عبر مستويات مختلفة سياسيا واقتصاديا وحتى ثقافيًا، ويعتقد البعض أن الصين التي واجهت الفيروس واحتوته في مدة قياسية، سوف لن تكون الصين المعروفة سابقًا، فالعملاق النائم استيقظ بعد حسم معركة الفيروس ليقدم نفسه للعالم كدولة قوية، أحسنت تقدير الموقف حكومة وشعبًا، وتقدم يدها بعد ذلك لمساعدة الدول التي كانت توصف بـ«القوية» وأصبحت اليوم تصارع الوباء بكلفة باهظة، لتمارس الصين بذلك ما يسمى «الدبلوماسية الصحية» لتعزيز مكانتها في الساحة الدولية، ومثال ذلك تجربتها مع إيطاليا التي وجدت الصين واقفة بجانبها في الوقت الذي تخلت عنها دول الفضاء الأوروبي، ما دفع ببعض مواطنيها إلى إنزال علم الاتحاد الأوروبي، ورفع العلم الصيني مكانه.
الباحث محمد عزيز يؤكد أنه «لا يمكن النظر إلى أزمة الاتحاد الأوروبي المتصاعدة بفعل انتشار جائحة كورونا، باعتبارها توترًا عابرًا للعلاقات بين دوله، يمكن تجاوزه متى تمّ القضاء على الفيروس». 
في عصر «ما بعد الكورونا»، يتابع: «ستقف بلدان التكتّل أمام نوع مختلف مِن التحديات، تحدياتٌ مِن شأنها أن تَهز دعائم الاتحاد ووحدته، وسط غياب مظاهر التضامن بين دوله وانكفائها ضمن حدودها الداخلية، وتَجلي حدود السياسات النيوليبرالية، وربّما يتبيّن أن الاتحاد الذي استطاع تجاوز تداعيات بريكست وأزمة اللاجئين والأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008. بات أكثر هشاشة وضعفًا من ذي قبل، بعدما أعاد اختبار انتشار الوباء الاعتبار إلى الدولة القومية: الملاذ الأخير للشعوب في وقت الأزمات الكبرى».
حسب الباحث «شكّلت إيطاليا الاختبار الأصعب في هذا السياق، الاستجابة البطيئة، معطوفة على غياب الوحدة بين دول تكتّل اليورو، بدّدا الآمال بانحسار الوباء قريبًا، وجعلا من أوروبا بؤرة جديدة للأزمة».
وليس بعيدًا عن التأثيرات التي طالت الدول الصناعية الكبرى، وحجم التأثيرات والتداعيات التي مستها بسبب هذا الوباء، يتساءل البعض عن مصير دول الجنوب، ومدى التأثيرات التي طالتها، وكيف تتعامل معها في ظل منظومة سياسية عالمية بدأت تتشكل استنادًا لبعض المؤشرات.
 




الدكتور إدريس عطية

في حديثه لـ«المجلة» يؤكد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر-3، الدكتور إدريس عطية أن «تأثير كورونا على ما يسمى دول الجنوب لم يكن بالمستوى الكبير»، فهي برأيه «مجرد تأثيرات بسيطة عكس ما حدث في الصين أو أوروبا أو أميركا، لأن بؤرة الوباء العالمي انتقلت من الشرق إلى الغرب، أي من القارة الآسيوية إلى القارة العجوز، حيث إيطاليا وإسبانيا وفرنسا، وها هي تحتل أرقاما قياسية في القارة الأميركية حيث الولايات المتحدة الأميركية».
لحد الساعة عالم الجنوب (العالم الثالث) برأيه «لا يزال بعيدا عن التأثيرات العميقة لهذا الوباء، لا من حيث الوضع الصحي، ولا من حيث التداعيات الاقتصادية، لأن دول الجنوب كلها دول تعاني الهشاشة السياسية والمؤسساتية، وتعج بأنظمة صحية مهترئة وهزيلة للغاية، وخاصة دول القارة الأفريقية»، وبالتالي يؤكد أن «الأمن الصحي لهذه الدول منكوب منذ البداية، ونظرا لقلة التنقل الدولي وضعف الرحلات الجوية لهذه الدول فمعدل نقل الوباء وانتشار العدوى ظل بسيطا، وبالتالي فمستوى الإصابات بقي ضعيفا للغاية خاصة في دول أفريقيا جنوب الصحراء».
ومن حيث التداعيات الاقتصادية، يشير الباحث إلى أن «نسبة مساهمة هذه الدول في الاقتصاد العالمي، لا تزال بسيطة للغاية وتقارب الصفر، فمثلا أفريقيا تساهم بما نسبته 4 في المائة من الاقتصاد العالمي حسب تقديرات البنك الدولي لسنة 2019. ولذلك فالأضرار التي أصابت الدول الاقتصادية الكبرى في العالم لم تؤثر بنفس الجسامة على دول عالم الجنوب، لا من حيث السياحة ولا الخدمات ولا الطيران والصناعة».
ويبقى تأثر هذه الدول فقط حسب رأيه في «انهيار أسعار البترول والمواد الأولية على أساس أن أغلب هذه الدول ريعية تعتمد على الثروات الطبيعية في تعييش شعوبها».


ورغم ما سبق، فإن عطية يجزم أن «دول عالم الجنوب في عالم ما بعد كورنا، أصبح حقيقة»، خاصة أننا، يتابع: «سنشهد نظاما عالميا جديدا، وربما علاقات دولية جديدة تحت عناوين صينية، وصوننة جديدة للسياسة العالمية، حيث سيتغير كثير من القوى الدولية، ونشهد خريطة عالمية جديدة»، وهذه فرصة كبيرة برأيه لـ«دول عالم الجنوب للتموقع والركوب في قطار العصرنة الذي ستقوده الصين»، ذلك لأن عطية يعتقد أن «النظام العالمي الجديد سيكون نظاما عالميا متعدد المراكز، وليس نظاما عالميا متعدد الأقطاب، خاصة أن الولايات المتحدة الأميركية تفاوض على القطبية الدولية فيما بينها وبين الصين، لكن الواقع الاقتصادي الحالي وخريطة التوازنات تؤكد على التوجه نحو مراكز ثقل دولية منتشرة في العالم، وبإمكان عالم الجنوب أن يغتنم الفرصة للتموقع في العالم الجديد لما بعد كورونا، من خلال فك الارتباط بالعالم الغربي المتوحش رأسماليا واللامتسامح ليبراليا والمعولم آيديولوجيا، من خلال عقد شراكات استراتيجية مع الأقطاب والمراكز الجديدة كالصين مثلا»، ولماذا لا يضيف بأن «تشكل دول الجنوب مراكز دولية خاصة بها، بداية من أميركا الجنوبية، مرورًا بالقارة الأفريقية ووصولا إلى آسيا، من خلال تفعيل طاقاتها الاستيعابية اقتصاديا وسياسيا ومجتمعيًا، فأفريقيا مثلا يمكن أن تكون سلة غذاء العالم بامتياز على شاكلة غابة الأمازون التي تشكل رئة العالم». ولذلك يؤكد عطية أنه «ينبغي على دول عالم الجنوب حجز موقع متقدم في عالم ما بعد كورونا».
وبما أننا أمام فرصة وصفها الباحث بـ«التاريخية والفريدة من نوعها»، وأمام المشهد العام الراهن، فدول عالم الجنوب حسب حديثه «تستطيع التموقع، من خلال القيام بإصلاحات داخلية حقيقية من خلال حكامة النظم السياسية، وتفعيل البرامج التنموية من خلال الاستجابة الفعلية لمطالب شعوبها وفق منطق الديمقراطية كاستراتيجية حكم وتعضيدها بالحكم الرشيد كآلية تسيير تحقق الشفافية، وتعزز النزاهة وتطور الأداء الحكومي والوطني».
أما خارجيا فدول عالم الجنوب برأيه تحتاج إلى «مصاحبة اقتصادية وتكنولوجية خارجية»، ولذلك ينبغي حسب حديثه «على القوى الصاعدة مساعدة دول عالم الجنوب، ودفعها لكي تشهد نهضة حقيقية وتكافح الفقر وتدحض الأزمات، وتمكن الإنسان، وتستفيد من مقدراتها»، لأن الغرب برأيه «كبس كثيرا على أنفاس عالم الجنوب من خلال دعم الحكام الفاسدين، وتعزيز دورهم السياسي وارتباطهم بالنخبة في الغرب، مما جعلهم عبيدًا للغرب غير آبهين بمصالح شعوبهم»، لكن ساعة الفرج في تقديره «قد تكون قريبة»، ومحنة كورونا العالمية قد «تكون القطرة التي أفاضت الكأس وأدت باستفاقة عالم الجنوب، وتعلمه الدروس جيدا».
ووفقًا لما سبق ذكره، يؤكد عطية أن «ما بعد كورونا ليس كما قبله لا وطنيا ولا إقليميا ولا دوليا، فانتشار الفزع بهذا الشكل، وظهور عجز العظماء أمام هذا الكائن المجهري، ينبغي أن يثمر عن عولمة التضامن والمساواة والعدالة والإنصاف، وإعادة ترتيب سلم القيم العالمي». ويعتقد أن «عالم ما بعد جائحة كورونا مختلف ونتائجه ستكون أعمق من نتائج الحرب العالمية الثانية على العالم بأسره، ودول الجنوب قادرة على حجز موقع متقدم بين الأمم، فموقعها الاستراتيجي وتنوع ثرواتها الطبيعية ومواردها الإنسانية والثقافية يرشحها للريادة».
 




الخبير الاقتصادي الدكتور سليمان ناصر

وعن تحليله للمشهد الاقتصادي العالمي في ظل كورونا، والتداعيات المحتملة لهذا الوباء على الاقتصاد العالمي، واقتصاديات دول الجنوب، يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور سليمان ناصر أن «وباء كورونا سبب تهاويًا كبيرًا وغير مسبوق لأسعار النفط وهذا بسبب نقص الطلب العالمي عليه في الأسواق الدولية، فبعد أن كان فوق الستين دولارا قبل تفشي أزمة كورونا أصبح الآن يقترب من 20 دولارا ببضع دولارات»، ويتابع: «صحيح أن الصين التي تعتبر أكبر مستورد للنفط في العالم بنحو 10 ملايين برميل قد بدأت تتعافى تدريجيًا من هذا الوباء وبدأ اقتصادها يشتغل من جديد، لكن موجة الوباء انتقلت بعد ذلك إلى غرب الكرة الأرضية وضربت بقوة كلاً من دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وهما قطبان اقتصاديان عالميان لا يُستهان بهما، مما نتج عنه نحو 3 إلى 4 مليارات إنسان جالس في البيت بسبب الحجر المنزلي، ومما ينبئ بأن أزمة كورونا وبالنتيجة أسعار النفط لن تتعافى في الأجل القريب».
وبالإضافة إلى تدهور أسعار النفط بسبب كورونا، يؤكد ناصر لـ«المجلة» أن «هناك مشكلة أخرى أيضًا مؤثرة هو رفض روسيا في اجتماع أوبك الأخير اقتراح خفض الإنتاج، مما يعني أن السوق ستشهد تخمة في المعروض دون أي بوادر للحل في الأفق لمشكلة الأسعار». 
وبالنسبة لتداعيات هذا الأمر على دول الجنوب، يبيّن ناصر أن «الكثير من دول الجنوب هي دول ذات اقتصاد ريعي، أي تعتمد في اقتصادها على تصدير المواد الأولية، وهذه المواد كانت تًصدَّر أساسًا إلى دول الشمال وهذه الدول مصانعها متوقفة واقتصادها شبه مشلول، مما يعني توقف هذه الصادرات والتي تعتبر مصدر الدخل الأساسي لهذه الدول، مما يعني بالنتيجة مزيدًا من البطالة لديها، فعلى سبيل المثال تشير التقديرات إلى أن الدول العربية لوحدها (وهي من دول الجنوب) ستفقد ما يقارب 27 مليون وظيفة بسبب هذا الوباء، وهذا ما يعني في النهاية مزيدًا من الفقر في هذه الدول».
ناصر يوضح أيضا أن «الكثير من دول الجنوب يعتمد على مساعدات من دول الغرب، سواء كانت من الحكومات أو من جمعيات إنسانية فيها، وهذه الدول الغربية قد مس معظمها وباء كورونا وركزت كل إمكانياتها المالية والمادية لمكافحة هذا الوباء ولم تفلح في ذلك، مما يعني أنها لن تجد الأموال الكافية لتقدمها كمساعدات لدول الجنوب، بل قد يصل الأمر حتى إلى امتناع البنوك في الدول الغربية عن منحها قروضًا لأن جهود التمويل في تلك الدول متوجهة أيضًا لمكافحة الوباء».
ومن المتوقع يتابع ناصر في حديثه لـ«المجلة» أن «يرتفع الطلب على حجم القروض من المؤسسات النقدية والمالية الدولية إذا وصل الوباء بقوة إلى دول الجنوب في ظل ضعف بنيتها الصحية، ولن تستطيع هذه المؤسسات تلبية الطلب على تلك القروض في ظل الطلب المتوقع عليها من دول أخرى سواء كانت ناشئة أو حتى متقدمة». ففي هذا الصدد يكشف أن «مديرة صندوق النقد الدولي أعلنت عن تخصيص الصندوق لمبلغ 50 مليار دولار تُصرف كمساعدات تمويلية (إقراضية) عاجلة للدول المتضررة من وباء كورونا، منها 10 مليارات دولار للبلدان الأكثر فقرًا كتسهيلات ائتمانية سريعة الصرف، مع العلم أن الطاقة الإقراضية الكلية للصندوق تبلغ تريليون دولار، وهو ما يمثل نصف المبلغ الذي خصصته الولايات المتحدة لوحدها للإنفاق على هذه الأزمة».