سيناريوهات إيران المظلمة بعد جائحة «كورونا»

أثبتت طهران للعالم فشلها في مكافحة الفيروس
* تشجعت الميليشيات العراقية الشيعية المدعومة من إيران أكثر لمهاجمة الأفراد الأميركيين وتعزيز مصالح طهران خلال ذروة أزمة انتشار فيروس كورونا في العراق

 
واشنطن: يبدو أن النظام الإيراني لا يزال يركز على هيمنته الإقليمية وخطابه المعادي لأميركا في خضم جائحة فيروس كورونا المستجد الذي شل العالم وحوّل جهود جميع الدول إلى الداخل لتتركز على صحة مواطنيها. وبدلاً من إعادة توزيع موارده - التي تم استنفادها بالفعل بسبب العقوبات الأميركية المفروضة عليه ومغامراته العسكرية الإقليمية - قرر النظام الإيراني إعطاء الأولوية لمهمة الحرس الثوري الإيراني وأهدافه، خاصة تلك المتعلقة بفيلق القدس.
 
الخطاب المعادي لأميركا مقابل الانهيار الاقتصادي
تشجعت الميليشيات العراقية الشيعية المدعومة من إيران أكثر لمهاجمة الأفراد الأميركيين وتعزيز مصالح طهران خلال ذروة أزمة انتشار فيروس كورونا في العراق. وغرّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب على حسابه في «تويتر» قائلاً: «بناء على معلومات، تخطط إيران أو حلفاؤها لتنفيذ هجومٍ مباغتٍ يستهدفُ قوات أو منشآتٍ أميركية في العراق». مضيفًا: «إذا حدث ذلك، فستدفع إيران ثمنًا باهظًا جدًا». وزاد التوتر بعد أول زيارة علنية لقائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني الجنرال إسماعيل قاآني- الذي حل محل قاسم سليماني- إلى العراق. 
وبحسب التقارير الإخبارية، تهدف زيارة قاآني إلى دعم الميليشيات الشيعية ومنع تشكيل حكومة عراقية جديدة برئاسة عدنان الزرفي.
وعلى الرغم من أن التهديدات تتزايد وتنفيذ الهجوم على القوات الأميركية يبدو وشيكًا، إلا أنه ليس مؤكدًا بالضرورة نجاح هذه الهجمات أو مرورها دون تداعيات. فالولايات المتحدة لم ترد على مقتل الأفراد الأميركيين في هجوم 11 مارس (آذار) على معسكر التاجي في بغداد. ولكن، إذا نفذت إيران هجومًا عن طريق ميليشياتها العراقية، فمن المرجح أن ترد الولايات المتحدة.
وإذا ردت الولايات المتحدة، قد لا تتحمل إيران مزيدًا من الخسائر. فوفقًا لمتتبع جامعة جونز هوبكنز، توفي ما لا يقل عن 3.739 شخصا في إيران بسبب فيروس كورونا. ولكن بحسب جماعات المعارضة الإيرانية فإن العدد الحقيقي أكثر بكثير، وتزعم أن الحكومة لم تكن صادقة بشأن حصيلة الوفيات، التي ربما تكون قد تعدت 18 ألف شخص حتى اليوم، بالإضافة إلى النصف مليون إيراني المصابين. ومن المحتمل أن لا تكون ذروة العدوى في إيران قد بدأت بعد وأن جميع تصريحات المسؤولين حول احتواء الفيروس في أربعين يومًا غير دقيقة.
لقد تسببت جائحة فيروس كورونا بتفاقم اقتصاد إيران الهش بالفعل. فمنذ أن فرضت الولايات المتحدة عقوبات على إيران، انخفضت صادراتها النفطية إلى ما دون 10 مليارات دولار سنويًا، مما أدى إلى تخفيض ميزانيتها السنوية بنحو 40 في المائة. وفي الوقت نفسه، تعهد المسؤولون الإيرانيون في الداخل بـ«عدم» طلب المساعدة من الولايات المتحدة في مكافحة فيروس كورونا. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية عباس موسوي في مؤتمرٍ صحافي إن بلاده «لم تطلب أبدا ولن تطلب من أميركا مساعدة طهران في معركتها ضد التفشي».
ولكن تختلف التصريحات عن الواقع. فقد طلب النظام الإيراني- أثناء إصدار مسؤوليه تصريحات وتهديدات ضد الولايات المتحدة ومصالحها- المساعدة من المجتمع الدولي الذي تشكل الولايات المتحدة جزءًا رئيسيًا منه. وطلبت إيران للمرة الأولى منذ عام 1979 من صندوق النقد الدولي قرضا طارئًا، مما يعني أنه لم يعد بإمكان الاقتصاد الإيراني الصمود حتى انتهاء هذه الأزمة. وتحتاج إيران إلى كل ما تستطيع الحصول عليه من مساعدات ولكن يمكن أن تشكل عملياتها الإقليمية عائقًا أمام حصولها على أي مساعدة مالية.
وقد يعني توقع كيفية تطور هذا الوضع أن إيران ما بعد كورونا قد تواجه ظروفًا اقتصادية مزرية وزيادة في مستويات الفقر والبطالة والمزيد من العزلة من قبل المجتمع الدولي. والانعكاس الواقعي يتمثل بعودة الاحتجاجات بقوة إلى الشوارع ومزيدٍ من التدهور للنظام وأركانه. وحتى لو كانت هذه هي الفرصة المناسبة ليتولى الحرس الثوري زمام الأمور، إلّا أنه سيفشل بتحقيق ذلك بسبب الوضع الاقتصادي ورد الفعل العنيف من الدول الإقليمية، حيث ينفذ مخططاته في الغالب.
 
رد الفعل الإقليمي العنيف
أثبتت إيران للعالم- وبشكل أساسي لشعوب المنطقة- أنها فشلت في احتواء ومكافحة فيروس كورونا. وسيستغرق الأمر بعض الوقت، إلّا أنه لن يمر دون رد فعل.
وبحسب مقال نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية: «يخشى مسؤولو الصحّة وغيرهم من المسؤولين في لبنان وسوريا والعراق أن تكون أعداد المصابين بفيروس كورونا المستجد أكثر بكثير من الأرقام الرسمية التي كشفت عنها الحكومات الثلاث، ويزعمون أن جهات فاعلة غير حكومية تقوم بعزل مجتمعات بأكملها من المرضى في مناطق خارجة عن سيطرة الدولة».
ولا يزال «حزب الله» في لبنان يحاول إخفاء الأعداد الحقيقية للمصابين داخل المجتمع الشيعي. وفي العراق، أوقفت هيئة الإعلام والاتصالات ترخيص عمل وكالة «رويترز» في البلاد، على خلفية نشرها خبرًا اتهمت فيه السلطات العراقية بإخفاء الأرقام الحقيقية للمصابين بفيروس كورونا، مما يعني أن العراق يحاول إخفاء الأرقام الحقيقية بالفعل.
وينطبق نفس الأمر على سوريا والدول الأخرى التي تستطيع إيران أو تحاول الدخول إليها. فقد تسببت إيران أولاً بعدم الاستقرار، ثم الانهيار الاقتصادي– مثلاً في العراق ولبنان- والآن انتشار فيروس كورونا. ومهما حاولت إيران ووكلاؤها إخفاء أثرها السلبي على هذه البلدان والمجتمعات، إلا أنها لم تعد تمتلك ما تخفيه. فقد فشلت رواية المقاومة وانهارت تحت الضربات الإسرائيلية على مواقع «حزب الله» وإيران العسكرية في سوريا. وتتناقص اليوم أعداد الخدمات والوظائف التي كانت إيران تقدمها في السابق كبدائل للمجتمعات الشيعية في لبنان وأماكن أخرى بسبب العقوبات الأميركية.
ستبقى إيران مع البلدان والمجتمعات التي تعاني من أوضاع مالية متدهورة والمقدر لها الانهيار. ويهيمن سيناريو عودة الاحتجاجات في لبنان والعراق، ولكن بأعدادٍ أكبر وأكثر شراسة. وستكون احتجاجات واسعة النطاق ينظمها أناسٌ لم يعد لديهم ما يخسروه، وستستهدف إيران ووكلاءها.
تمكنت إيران ووكلاؤها خلال الموجة الأولى من الاحتجاجات من تجنب الخطاب المعادي لإيران وتوجيهه ضد البنوك في لبنان والوجود الأميركي في العراق. وحاولت- ونجحت تقريباً- في تقسيم الشارع والمتظاهرين. ولكن غيرت أزمة كورونا مجرى الأمور ولم يعد بإمكان النظام الإيراني الاختباء خلف الأرقام الرسمية. وعندما تبدأ الأرقام الحقيقية في الظهور، سيظهر بوضوح أن النظام الإيراني كان السبب في نشر فيروس كورونا في العراق وسوريا ولبنان، على أقل تقدير. ولن يكون من السهل مواجهة هذه الحقيقة، ولن تتوقف الاحتجاجات حتى تتم محاسبة إيران أو على الأقل تقديم تعويضات للشعوب المتضررة. ولكن الموارد شحيحة ولم يعد لدى الناس ما يخسرونه.
حنين غدار: زميلة زائرة في زمالة «فريدمان» في «برنامج غيدولد للسياسة العربية» في معهد واشنطن. وتركز في مقالاتها على السياسة الشيعية في الشام (دول شرق البحر الأبيض المتوسط). وتغرد باسم: @haningdr