عاصفة «كورونا»

النظم السياسية الأوروبية داخل «الحجر الصحي»

* لم تنحصر معاناة أوروبا الصحية، في تصاعد أعداد المصابين أو المتوفين، وإنما أيضاً كانت واحدة من صورها الرئيسية بقاء الكثير من قياداتها السياسية خلف جدران «الحجر الصحي»، بسبب إصابتهم بوباء كورونا

* تبدو الآثار المترتبة على أزمة كورونا اجتماعية وسياسية واقتصادية، كما أنها قد يكون لها ارتدادات عميقة على السياسات الخارجية للكثير من البلدان الأوروبية

* عجزت الحكومات الأوروبية عن الاضطلاع بأدوار «الطيب المنقذ» في مجابهة تداعيات انتشار الفيروس، الذي يمثل نحو 75 % من ضحاياه من الأوروبيين، وذلك وفق إحصاء أجرته وكالة الصحافة الفرنسية

* تتساوى إيطاليا وإسبانيا في صدارة قائمة الدول الأكثر تسجيلا للوفيات. فيما تتصدّر الولايات المتحدة حالياً قائمة الدول الأكثر تسجيلا للإصابات المؤكدة

* ثمة تحذيرات من أن يودي كورونا بحياة ما بين 100 إلى 200 ألف أميركي، حتى إذا استمر السكان في البقاء بمنازلهم، والحد من اتصالهم بالآخرين

* وزيرة الشؤون الأوروبية الفرنسية أميلي دو مونشالان: إن كانت أوروبا مجرد سوق موحدة في أوقات الرخاء، فلا داعي لها، فلن يكون هناك انتعاش اقتصادي في ألمانيا وهولندا إذا كانت بقية أوروبا مريضة

أنقرة: كشف الانتشار السريع لفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) مدى ضعف وهشاشة قطاع الرعاية الصحية في كثير من الدول الغربية، سيما دول الاتحاد الأوروبي. هذا الضعف الذي ارتبط بمستويي الوقاية والعلاج استجلب بالتبعية تداعيات إنسانية دراماتيكية، تمثل أبرزها في تصاعد أعداد ضحايا «الفيروس الجوال»، أو العابر للحدود، والذي استطاع عبر فترة قصيرة تعميق الأزمات الصحية وما ترتب عليها من مشكلات اقتصادية واجتماعية وسياسية في كثير من دول العالم وفي مقدمتها بلدان الاتحاد الأوروبي.

فقد بدا أن هذه الدول تجابه أزمة خارج نطاق السيطرة وذلك على العكس من الدولة الصينية التي استطاعت عبر تدابير طارئة شملت رفع درجة الطوارئ على مختلف المستويات لمجابهة أزمة استدعت إجراءات صارمة وإدارة حازمة لقطاع صحي منضبط يحظى بقدرات وإمكانيات خولته مجابهة الأزمة أو على الأقل تحجيمها، هذا في وقت أصاب فيه الشلل قطاع الرعاية الصحية في أكثر من بلد أوروبي، على نحو دفع الكثير منها إلى تغليب المصالح الخاصة على قيم التضامن والتعاون المشترك، بما أفضى إلى تصاعد الانتقادات المتبادلة عبر لغة مشحونة بالغضب، على المستويين الرسمي والشعبي، سيما مع تنامي مظاهر العجز عن تلبية بعض الاحتياجات الطبية الأساسية، وتوفير الإعانات الاقتصادية اللازمة لمجابهة انتكاسة صحية جعلت الكثير من هذه الدول «حبيسة» خلف حدود مغلقة.

لم تنحصر معاناة أوروبا الصحية، في تصاعد أعداد المصابين أو المتوفين، وإنما أيضا كانت واحدة من صورها الرئيسية بقاء الكثير من قياداتها السياسية خلف جدران «الحجر الصحي»، بسبب إصابتهم بوباء كورونا، والذي لا يزال يثبت قدرته على إحداث تغيرات «جينية» في النظم السياسية الأوروبية لصالح اليمين الشعبوي الذي طالما طالب بالحفاظ على القيم الوطنية والتركيز على المصالح القومية، وباتت شعاراته تحظى بصدى واسع داخل المجتمع الأوروبي. فوفقا لدراسة حديثة أجرتها ياشكا مونك من جامعة هارفارد، تتصاعد مؤشرات التوجه الشعبي لدعم هذه التيارات في الاستحقاقات الانتخابية الأوروبية.

لذلك تبدو الآثار المترتبة على أزمة كورونا اجتماعية وسياسية واقتصادية، كما أنها قد يكون لها ارتدادات عميقة على السياسات الخارجية للكثير من البلدان الأوروبية، سيما في ظل عدم القدرة على تجاوز ارتدادات قيام دول مثل الصين وروسيا وبعض دول العالم الثالث بتقديم مساعدات صحية لبلدان يفترض أنها من دول العالم الأول، بعدما عجزت عن توفير أبسط أدوات الوقاية مثل «القفازات» و«الكمامات»، واقتصرت استجابتها على إغلاق الحدود بين دول منظمة «شينغن»، وذلك في إجراء أوحى بالكثير فيما يتعلق بالعودة إلى المخاوف التقليدية، وبما يرجح رؤى التيارات اليمينية.

وعلى الرغم من أن أزمة فيروس كورونا ليست حالة أوروبية خالصة وإنما تجسد قضية صحية عالمية، غير أنها تمثل أزمة إنسانية راح ضحيتها الآلاف وفي مقدمتهم الأوروبيون، الذين عجزت حكوماتهم عن الاضطلاع بأدوار «الطيب المنقذ» في مجابهة تداعيات انتشار الفيروس، الذي يمثل نحو 75 في المائة من ضحاياه من الأوروبيين، وذلك وفق إحصاء أجرته وكالة الصحافة الفرنسية. وتتساوى إيطاليا وإسبانيا في صدارة قائمة الدول الأكثر تسجيلا للوفيات. فيما تتصدّر الولايات المتحدة حاليا قائمة الدول الأكثر تسجيلا للإصابات المؤكدة.

 



الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (وسط) يرتدي قناع وجه خلال زيارة المستشفى الميداني العسكري خارج مستشفى Emile Muller في مولوز، شرقي فرنسا (غيتي)
 

 

 

انهيار قطاع الرعاية الصحية... أزمة أوروبية

تواصل أعداد ضحايا فيروس كورونا، التزايد بشراسة، حيث وصلت أعداد الإصابات حتى الآن إلى قرابة المليون إصابة حول العالم، فيما توفي قرابة 50 ألف شخص. وأوضحت أندريا آمون، مديرة «المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض»، أنه «في الأيام العشرة الأخيرة، تضاعفت أعداد حالات الإصابة والوفاة في الاتحاد الأوروبي، في الوقت الذي باتت فيه أوروبا بؤرة للوباء العالمي». 

وأضافت: «معدل الإخطار بالحالات يتزايد في مسار مشابه للذي لوحظ في مقاطعة هوبي الصينية، بؤرة الفيروس، في أوائل فبراير (شباط) الماضي، وفي إيطاليا منذ مارس (آذار) الخالي.

ترتب على ذلك أن أطلق رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، قبل أن يدخل «الحجر الصحي»، تصريحات مثيرة للذعر العالمي حينما قال إن ما تتبناه بريطانيا يمثل محض «مرحلة لإبطاء تفشي الفيروس». 

وأضاف: «سيرتفع عدد الحالات بشكل حاد، والواقع أن العدد الحقيقي للحالات ربما أعلى بكثير من عدد الحالات التي أكدناها عن طريق الفحوصات». وحذر جونسون من أن الكثير من العائلات: «ستفقد أحباءها قبل الأوان» بسبب الإصابة بالفيروس المميت. ووصف جونسون كورونا بالوباء العالمي وبأنه «أسوأ كارثة صحية».

هذا فيما خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خطابه اليومي، ليؤكد للأميركيين أنهم مقبلون على «أوقات عصيبة» مستندا إلى أرقام ووقائع، وذلك في ظل استمرار ارتفاع عدد الوفيات الناجمة عن فيروس كورونا المستجد في الولايات المتحدة. وثمة تحذيرات من أن يودي المرض بحياة ما بين 100 إلى 200 ألف أميركي، حتى إذا استمر السكان في البقاء بمنازلهم، والحد من اتصالهم بالآخرين.

على جانب آخر، طالب رئيس الوزراء الإيطالي جوسيبي كونتي «الجميع ببذل أقصى الجهود، كون الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للبلاد على المحك». وقال إن «ما نقوم به ضد فيروس كورونا معركة نخوضها معًا» وإن «هذه ستكون أصعب الأيام لأننا لم نبلغ المرحلة الأكثر حدة للعدوى، وستستمر أعداد المصابين في النمو».

تأسست التصريحات الغربية المرتبكة ليس وحسب على إدراك عجز الإمكانيات التي فضحتها العشرات من الفيديوهات والتقارير سواء على القنوات الرسمية أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما انبنى ذلك أيضا على ما أشارت إليه المنظمة الأوروبية المعنية بالأمراض المعدية بشأن ترجيحها تجاوز العدد المتزايد لحالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد قدرات أنظمة الرعاية الصحية في الاتحاد الأوروبي وبريطانيا والنرويج وأيسلندا في الأسابيع المقبلة.

 



إحدى أعضاء فريق طبي تراقب من خلال نافذة القطار في باريس أحد المرضى قبل مغادرته في عملية إجلاء للمرضى المصابين بـ COVID-19 من مستشفيات باريس إلى المستشفيات الأخرى غربي بريتاني حيث تم الحد من تفشي المرض حتى الآن (غيتي)

تنعكس مؤشرات ذلك في مناطق أوروبية كثيرة، فمنطقة لومباردي في إيطاليا يعالج فيها أكثر من نصف مرضى فيروس كورونا وتم تسجيل ثلاثة أرباع الوفيات فيها، وقد بات ما بها من غرف الإنعاش متشبعة، فالمصابون بفيروس كورونا أصبحوا يحتاجون إلى أجهزة تنفس اصطناعية بشكل متزايد، على نحو تجاوز القدرة على الاستيعاب. وأصدرت كلية أطباء التخدير والطوارئ الإيطالية هذا الأسبوع وثيقة مرعبة حول انتشار الفيروس في بلد غني يعتبر من أحد أفضل أنظمة الرعاية الصحية في العالم.

وقد بدأت بعض المستشفيات في إيطاليا، حسب أسبوعية «جورنال دو ديمانش»، في عمليات فرز المصابين بفيروس كورونا من خلال إعطاء الأفضلية لمن يحتاجون إلى العناية المركزة ولهم الفرصة للبقاء على قيد الحياة. ترتب على ذلك أن استخدمت أكثر من دولة أوروبية - إلى جانب الولايات المتحدة – تعبير أنها «تخوض حرب في مواجهة تفشي فيروس كورونا».

ربما أدت هذه الحرب إلى قيام جمهورية التشيك بمصادرة شحنة من المساعدات الطبية والأقنعة الواقية كانت قادمة من الصين في طريقها إلى إيطاليا. وتقول حكومة التشيك إن الأمر وقع بالخطأ خلال ملاحقة عدد من الأفراد الذين يتاجرون في المعدات الطبية في هذا الوقت الحرج وتعهدت برد الشحنة لإيطاليا، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

أما ألمانيا فقررت حظر تصدير مستلزمات الوقاية الطبية للخارج. وأعلنت لجنة إدارة الأزمات التابعة للحكومة أن وزارة الصحة الاتحادية ستتولى تدبير هذه المستلزمات على نحو مركزي بالنسبة للعيادات الطبية والمستشفيات والسلطات الاتحادية، وقد أثار ذلك انتقادات واسعة بحسبانه يتناقض مع فكرة التضامن الجماعي القائمة عليها الأطر الأوروبية اقتصادية كانت أو سياسية.

 



 رجل يرتدي قناع وجه طبياً يقرأ خبراً في صحيفة مترو عن بوريس جونسون أثناء وقوفه خارج مستشفى سانت توماس في وستمنستر (غيتي)

 

«سندات كورونا».. المشروع الأوروبي مهدد بـ«الغرق»

أدخلت أزمة تفشي فيروس كورونا الاقتصاد العالمي في حالة من الركود التي تستلزم إيجاد تدابير عاجلة على مستوى كل دولة، وأيضا على المستوى الجماعي، حيث باتت الدول النامية تحتاح إلى أكثر من نحو 3 تريليونات دولار كحزم مالية متكاملة. هذا في وقت تضاعفت فيه مظاهر عجز البلدان الأوروبية، حيث لا تزال تعمل إيطاليا على دفع الاتحاد الأوروبي الذي ساهمت في تأسيسه وتعدّ إحدى دعائمه، إلى أن يكون في مستوى التحديات عبر تقديم حزم مساعدات مناسبة تدعم موقفها الاقتصادي ووضعها الصحي.

وقد أفضى الارتفاع المضطرد في عدد الإصابات والوفيّات إلى تبني أغلب الحكومات الأوروبية، قرارا يقضي بتجميد جميع الأنشطة الاقتصادية، كما أصدرت تعليماتها إلى جميع الموظفين بعدم مغادرة منازلهم. هذا في وقت تبنت فيه حزما اقتصادية طارئة. فقد أعلن رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، حزمة دعم اقتصادي، تحت ضغط القطاع الصناعي وتجاوبا مع تداعيات الأزمة الكارثية. وفيما رحبت الأوساط العمالية والاجتماعية بهذه الخطوة، وأيدتها أحزاب المعارضة رغم انتقادها لما وصفته بالقرارات المرتجلة للحكومة الاشتراكية، قال أصحاب العمل إن شل العجلة الاقتصادية بشكل كامل طوال هذه الفترة سيترك آثارا مدمرة وطويلة الأمد بعد نهاية الأزمة الصحية.

وهاجم رئيس الحكومة الإيطالية جوسيبي كونتي الدول التي اعتبر أنها «تتبع رؤية قديمة ومتجاوَزة، ومقاربة غير مناسبة لهذه الأزمة». وعدّ كونتي أن هذه «ليست أزمة اقتصادية تمس دولا أقل انضباطا من الأخرى، بل أزمة صحية أثرت على المجالين الاقتصادي والاجتماعي»، وأضاف: «هذا تحدٍ تاريخي لكل أوروبا... هذه اللحظة المناسبة لإنشاء آلية دين أوروبية مشتركة تسمح لنا بالانتصار في الحرب ضد كورونا في أسرع وقت ممكن». وفي حوار مع جريدة «كورييرا ديلا سيرا» الإيطالية، حذر رئيس البرلمان الأوروبي ديفيدي ساسولي من أنه «من دون تضامن، فستصير الروابط والأسباب التي تجمعنا في حكم العدم». وكان رئيس الوزراء الإيطالي هدد خلال القمة الأوروبية الأخيرة التي نظمت عبر الفيديو بعدم التوقيع على الإعلان المشترك في حال لم يعتمد الاتحاد تدابير قوية مرفقة بأدوات مالية مبتكرة وملائمة بالفعل لحرب يتوجب على كل دول الاتحاد أن تخوضها سوياً».

 



المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تتحدث إلى وسائل الإعلام بعد مكالمة فيديو أجرتها مع قادة ورؤساء دول أخرى في الاتحاد الأوروبي في المستشارية في 17 مارس 2020 في برلين، ألمانيا (غيتي)

وثمة هوة فاصلة بين دول جنوب القارة، مثل إسبانيا وإيطاليا، مدعومة من فرنسا، ودول الشمال، على رأسها هولندا وألمانيا، فيما يخص استراتيجية الإدارة الاقتصادية للأزمة الصحية. فتسعى مدريد وروما، بحسبانهما الأكثر تضررًا من الوباء، إلى تعبئة دعم مالي مكثف من الاتحاد الأوروبي لتجاوز التداعيات الصحية والاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن الأزمة. ويطالب البلدان بتشارك الديون بين دول الاتحاد، مما يمكن أن يتم عبر إصدار «سندات كورونا»، بيد أنهما يواجهان برفض دول الشمال. وفي هذا الصدد، يقول رئيس البرلمان الأوروبي: «أظن أن بعض الدول لم تدرك حجم الكارثة التي نواجهها وخطورة الوضع على اقتصاداتها».

وتواجه الدول التي تعاني اختلالا ماليا، صعوبة في الاقتراض من الأسواق، إذ يطالبها المستثمرون القلقون على استرداد أموالهم بنسب فائدة أكثر ارتفاعا لإقراضها، لكن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيس الحكومة الهولندي مارك روتي لا يريدان البحث في الموضوع حاليا، تأسيسا على أنهما سيخضعان للمساءلة من برلمانيي بلديهما بشأن الالتزامات التي قدماها خلال الأزمة، ويخشيان أن يصب التضامن مع دول الجنوب في صالح الأحزاب الشعبوية الصاعدة في ألمانيا وهولندا، والتي باتت تتصاعد شعبيتها بسبب الصراعات الأوروبية والإخفاق في مجابهة الأزمة الصحية.

لذلك، تدعو ميركل وروتي إلى اللجوء إلى صندوق إنقاذ منطقة اليورو، الذي يمكن أن يوفر خط تمويل للدول التي تواجه صعوبات. لكن إيطاليا، الدولة الأكثر مديونية في منطقة اليورو بعد اليونان، تعارض ذلك. من ناحية أخرى، تخشى روما أن يرسل اللجوء إلى الصندوق إشارة سلبية للأسواق تعطيها انطباعا بأنها تتلقى مساعدة.

وما يزيد من حدة الأزمة أن إسبانيا، الثانية بعد إيطاليا من حيث عدد الوفيات في العالم، قد استنفدت بدورها كل قدراتها على الاستدانة لتمويل خطط الطوارئ ودعم القطاعات الاقتصادية والاجتماعية المتضررة جراء هذا الوباء الذي يضرب هذين البلدين، ويُخشى أن تمتد آثاره الدراماتيكية إلى الدول الأوروبية الأخرى.

في هذا الشأن حذر الرئيس السابق للمفوضية الأوروبية، الفرنسي جاك دولور من أن «المناخ الذي يبدو سائدًا بين رؤساء الدول والحكومات، وغياب التضامن الأوروبي، يمثلان تهديدا قاتلا للاتحاد الأوروبي». 

من جهته، قال المفوض الأوروبي للاقتصاد الإيطالي باولو جنتيلوني، إن «المشروع الأوروبي مهدد بالغرق، ومن الواضح أن الخلافات الاقتصادية بين الدول الأوروبية تزداد، وفي حال فاقمت الأزمة الخلافات بين الدول الأوروبية بدل تحجيمها فسيكون من الصعب الحفاظ على المشروع الأوروبي». وأشار الرئيس السابق للحكومة الإيطالية إلى أن الوصول إلى حل يمر عبر حوار مع ألمانيا التي لا يمكن من دونها الوصول إلى تسوية.

وعلى الرغم من ترجيح التوصل لاتفاق أوروبي ينقذ بلدان أوروبا من عثرات صحية واقتصادية متزامنة، غير أنه منذ إعلان حالة الطوارئ العامة في أغلب البلدان الأوروبية استمرت الأحزاب السياسية، والهيئات الاقتصادية والاجتماعية، في انتقاداتها للبطء في اتخاذ القرارات وقلّة التخطيط وعدم الوضوح في الرؤية، سيما في حالة إيطاليا وإسبانيا. وتأتي أشدّ هذه الانتقادات من الحكومة الإقليمية في كاتالونيا التي تعتبر حالة الطوارئ اجتياحًا لصلاحياتها وتصر على أنها أقدر من الحكومة المركزية على مواجهة الأزمة.

وتبدو المشكلة الأوروبية مركبة وذلك مع تزايد احتمالات مطالبة تركيا هي الأخرى بدعم اقتصادي أوروبي فالإجراءات الاقتصادية وحملة التبرعات التي يقودها الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، وفق المؤشرات الراهنة لن تجدي نفعا في تجاوز الأزمة الصحية التي باتت تتصاعد مظاهرها في أكثر من مدينة تركية، سيما في ظل حالة الغموض غير البناء، حسب وصف المعارضة، بسبب عدم المصارحة بشأن انتشار الوباء في الأوساط الشعبية التركية.

وقد زادت حدّة الصراع بين المعارضة التركية والحكومة بسبب التعامل مع فيروس كورونا المستجد، مع اتهام أعضاء من المعارضة، للحكومة بعدم الشفافية وإخفاء العدد الحقيقي للمصابين بكورونا، بما أدى لتجاوز أعداد المصابين حاجز العشرة آلاف، ووفاة المئات. واستعرضت النائبة البرلمانية عن حزب الشعب الجمهوري المعارض في تركيا، جامزة تاشيار، تقريرا يحذر من انهيار المنظومة الصحية في تركيا عقب انتشار الفيروس. وتؤكد تقديرات المعارضة على أنّ العدد الحقيقي للمصابين بالفيروس أكثر من الأرقام الرسمية، نظرا لأن السلطات لا تجري الفحوصات إلا على المسافرين القادمين من خارج البلاد.

وأشار أحد تقديرات المعارضة إلى أن عدد المستشفيات في تركيا يبلغ 1534 مستشفى، وأن عدد أسرة المرضى هو العنصر الأهم في الأزمات الصحية المحتملة، مشيرا إلى وجود نحو 231 ألف و913 سريرا للمرضى داخل المستشفيات في تركيا، معتبرا أنها قليلة. وتحتل تركيا، على جانب آخر، المرتبة الأخيرة بين دول منظمة التعاون الاقتصادية والتنمية فيما يتعلق بعدد الأطباء لكل ألف شخص.

 



رئيس الوزراء السلوفاكي إيغور ماتوفيتش (من الوسط إلى اليسار) وزعيم حزب OLaNO المناهض للفساد والرئيسة سوزانا كابوتوفا (من الوسط إلى اليمين) في صورة عائلية مع الوزراء، يرتدون جميعهم الأقنعة الواقية (غيتي)

 

التداعيات السياسية... أدوار محتملة «لليمين الشعبوي»

قد يكون للفشل في «اختبار كورونا» على الصعيد الأوروبي عواقب وخيمة. وعلى الأرجح قد يؤدي، حسب أغلب التقديرات، إلى القضاء على ما تبقى من عوامل الثقة ومشاعر التضامن بين مختلف البلدان الأوروبية، بما قد يفضي إلى تزايد مظاهر التفكيك واهتزاز صورة أوروبا الموحدة أمام العالم. ذلك أن الضرر الذي يلحق بالعلاقات السياسية بين البلدان الغربية غدا ينتقل إلى الشعوب. فالغضب الشعبي في كثير من البلدان الأوروبية حيال شركائهم في الاتحاد أو الولايات المتحدة الأميركية بات متزايدا ويجتاح وسائل التواصل الاجتماعي، وربما جسدته الاتهامات «بعدم الوفاء» التي وجهتها صحافية إيطالية مؤخرا أثناء مؤتمر صحافي جمع وزير الخارجية الأميركية، مايك بومبيو، مع رئيس الوزراء الإيطالي جوسيبي كونتي.

وتعبيرا عن المأزق الأوروبي السياسي والخطر الصحي الذي يعم البلاد، اختارت صحيفة «فاتو كوتيديانو» عنوان: «كونتي يقول لأوروبا ميتة أن تذهب إلى الجحيم». كما عنونت «لاريبوبليكا» ذات الخط السياسي المؤيد للاتحاد الأوروبي تقليديا، بعبارة «أوروبا قبيحة». وبدورها، اعتبرت صحيفة «كورييري ديلاسيرا» أنه «في حال افتقد الاتحاد الأوروبي إلى اتفاق، فإن هذا يعني أن المشروع الأوروبي نفسه قد انتهى». هذا فيما انتقد رئيس الوزراء البرتغالي أنطونيو كوستا ما سماه «التفاهة المتكررة» للحكومات التي تنظر للاعتبارات الاقتصادية في وقت تواجه فيه أوروبا أزمة «حياة».

وتقول مجلة «لوبوان»، في هذا السياق، إنه خلال الأزمة العالمية السابقة بين عامي 2008 - 2010. سعى قادة الدول الكبرى إلى توحيد سياستهم للحد من تأثير الانهيار المالي وإنقاذ الاقتصاد العالمي لكن في مواجهة تفشي فيروس «Covid-19» الذي ظهر في الصين لم تسعى الدول لتنسيق جهودها وباتت الأنانية السمة الطاغية على السياسات والإجراءات الصحية والاقتصادية. وتضيف، نتائج ذلك باتت دراماتيكية، فالحماية الصحية وترسانة التدابير المتخذة تختلف من بلد إلى آخر حيث توقف الاقتصاد العالمي وانخفضت أسعار النفط وانهارات أسعار الأسهم، وإذا صدقت بعض التوقعات فإن أزمة الفيروس لا تزال في مهدها. ويتنبأ مارك ليبسيتش عالم الأوبئة في جامعة هارفارد أن ما يقرب من 60 في المائة من سكان العالم البالغين قد يتأثرون بالوباء في غضون بضعة أشهر.

وعلى خلفية «تباطؤ» دول الاتحاد في دعم دولة مثل إيطاليا ظهرت أربعة مشاهد ذات دلالات عميقة؛ الأول كان مشهد المدرعات والعربات الروسية التي تجوب شوارع إيطاليا حاملة على متنها مساعدات وأطقم طبية. والثاني بتعلق بمشهد الأطباء الكوبيين الذين وصلوا إلى إيطاليا أيضا والترحيب الهائل الذي قوبل به أطباء الدولة التي تفرض أميركا عليها حظرا منذ عقود، فيما الثالث تعلق بمشهد تقبيل الرئيس الصربي لعلم الصين اعترافا منه بدعمها ومساندتها لبلاده وتجسد الرابع في مشهد إنزال مواطن إيطالي لعلم الاتحاد الأوروبي ورفع علم الصين بدلا منه.

يوضح ذلك طبيعة الآثار السياسية المحتملة على مستقبل العلاقات الخارجية للكثير من البلدان الأوروبية. وقد لا تكون آثار ذلك سريعة على المستويات المحلية في البلدان الأوروبية بسبب الاصطفاف الوطني لمواجهة الأزمة التي تشكل «فاجعة إنسانية» بالنسبة لكثير من البلدان الأوروبية، بيد أنها ستؤثر حتما على المعادلات السياسية القائمة، وقد تفضي إلى تحور «الجينات السياسية» لدعم الأحزاب اليمينية، سيما في ظل الانتقادات الهائلة التي توجهها هذه الأحزاب للدول الغربية بسبب تخليها عن دعم دولها في محنتها الصحية. وقد يدعم توجهاتها مستقبلا الأدوار التي تلعبها الصين حاليا لدعم قدرات هذه الدول في مواجهة اجتياح فيروس كورونا.

 



موظفة بلدية يغسل الساعة التي تحسب بالعد التنازلي انطلاقة بطولة أمم أوروبا 2020 (غيتي)
 

 

إن نظرة سريعة على المسرح السياسي العالمي خاصة في أوروبا تعطي اليوم مؤشرا دالا على عمق التحولات المحتملة في القارة الأوروبية، بعدما باتت وحدتها السياسية والاقتصادية على المحك. لذلك قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن تفشي فيروس كورونا يهدد الدعائم الأساسية للاتحاد الأوروبي. هذا فيما حذر الرئيس السابق للمفوضية الأوروبية جاك دولور من أن «المناخ الذي يبدو سائدا بين رؤساء الدول والحكومات وغياب التضامن الأوروبي يمثلان تهديدا قاتلا للاتحاد الأوروبي». وقال دولور: «الجرثومة عادت من جديد». فعلى غرار ما حصل خلال أزمة الديون السيادية في منطقة اليورو التي بدأت عام 2010 في أعقاب أزمة 2008 المالية، عاد الشرخ القديم للظهور بين دول الشمال، مثل ألمانيا وهولندا التي لها سياسة مالية عمومية راسخة، وبين دول الجنوب على غرار إيطاليا وإسبانيا وحتى فرنسا التي تُتهم بالتراخي في تطبيق القواعد الضابطة للموازنة.

وفي حوار مع صحيفة «بيلد» الألمانية، عبر وزير الخارجية والاقتصاد الألماني السابق، الاشتراكي الديمقراطي زيغمار غابرييل، عن خشيته من أن يرى «أوروبا تتفكك». وأضاف: «إن لم نكن مستعدين الآن لتقاسم ثروتنا لا أعلم ماذا سيحصل لأوروبا». أما رئيس البنك المركزي الهولندي كلاس نوت، فتوجه إلى مارك روتي قائلا: «المنزل يحترق. يجب بذل جميع الجهود الآن لإخماد النار».

تلخص المشهد الأوروبي وزيرة الشؤون الأوروبية الفرنسية أميلي دو مونشالان حين تشير إلى أن تعامل الاتحاد الأوروبي مع كورونا سيحدد مصداقيته، وتضيف «إن كانت أوروبا مجرد سوق موحدة في أوقات الرخاء، فلا داعي لها، فلن يكون هناك انتعاش اقتصادي في ألمانيا وهولندا إذا كانت بقية أوروبا مريضة»، واعتبرت أن «الأحزاب الشعبوية في أوروبا ستكون فقط الفائز الأكبر إذا أخفق قادة الاتحاد الأوروبي في العمل معا في مجابهة أزمة صحية وإنسانية هائلة».