وزارة الصحة تدخل أدوية إيرانية غير مستوفية للمعايير العالمية إلى لبنان

حقيبة «الصحة» التي أصرّ «حزب الله» على تسلمها
* الأدوية الإيرانية استعملت في أميركا اللاتينية وتسببت في آثار جانبية كبيرة للمرضى
* وفقاً لموقع وزارة الصحة... أسعار الأدوية غير مثبتة الجودة أعلى من أدوية أميركية وأوروبية الصنع معتمدَة حول العالم
* لا يوجد مختبر إيراني يملك صلاحية إجراء فحوصات على أدوية «البدائل الحيوية»

بيروت: منذ أصرّ حزب الله أثناء تشكيل الحكومة السابقة على تسلم حقيبة وزارة الصحة، وهي الوزارة الخدماتية والأساسية الأولى التي يصرّ الحزب على تسلمها منذ أن دخل نادي الأحزاب التي تتمثل في الحكومات المتعاقبة، بدأ الحديث عن مخطط لدى حزب الله عن نيته إدخال الأدوية الإيرانية إلى السوق اللبنانية. وهذا ما حدث بالفعل في عهد الوزير حمد حسن الذي استكمل ما بدأه سلفه الوزير المقرب من حزب الله جميل جبق.
وفي حين يغرق لبنان في أزمة تفشي وباء كورونا، نجح الوزير المقرب من حزب الله بتمرير تسجيل 6 أدوية إيرانية تمّ نشرها على الموقع الرسمي لوزارة الصحة اللبنانية وتسعيرها، في سابقة لم يشهدها لبنان، من تسجيل أدوية غير مستوفية لكامل الشروط التي تضعها وزارة الصحة اللبنانية.
القصة بدأت في عهد الوزير السابق جميل جبق عندما أرسل لائحة بأسماء أربعة وعشرين دواء إيرانيًا «بيو- متشابهة» (bio similare) في سبتمبر (أيلول) 2019 إلى اللجنة الفنية في وزارة الصحة بهدف طلب تسجيلها رسميًا بين الأدوية المعتمدة، واعتماد الأدوية في السوق المحلية يحتاج إلى رفع الطلب إلى اللجنة الفنية التابعة للوزارة، والمؤلفة من طبيبَيْن وصيدليين و4 أعضاء آخرين لتمنح موافقتها بعد استيفاء كل الشروط، فيُعتمد الدواء في السوق المحلية.
ردّ اللجنة الفنية في الوزارة على طلب الوزير جبق أتى في 9 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بأنّ اللجنة تحتاج إلى مزيد من المستندات والاستحصال على شهادات من مختبرات عالمية على الأدوية لكي تتمّ الموافقة على اعتمادها، خصوصا أنّ هذه الأدوية تعتمد لعلاج أمراض مستعصية.
في 7 نوفمبر (تشرين الثاني) أصدر جبق طلبا استثنائيا بتسريع تسجيل هذه الأدوية، ولكن أتى ردّ اللجنة الفنية بالرفض، لأنّ هذه الأدوية تحتاج إلى المزيد من التجارب، قد اشترطت لتسجيل الدواء صدور التحاليل اللازمة من مختبر «كيموس» في برشلونة وهو المختبر الوحيد المعتمد من قبل وزارة الصحة اللبنانية للموافقة على تسجيل أدوية البدائل الحيوية (bio similare) في لبنان، وهي من أصعب أنواع الأدوية والتي تحتاج إلى مئات التجارب التي تمتّد إلى سنة على الأقل.

 




الدكتور هادي مراد


بعد استقالة الحكومة السابقة وتشكيل الحكومة الجديدة أتت المفاجأة في زمن كورونا، بحسب الباحث في الأمراض السرطانية الدكتور هادي مراد، الذي قال في حديث لـ«المجلة»: «تفاجأنا على الموقع الإلكتروني الرسمي لوزارة الصحة اللبنانية بنشر 6 أدوية إيرانية الصنع من أصل 24 دواء كانت في اللائحة تمّ تسجيلها وتسعيرها بظرف 4 أشهر فقط، متخطين التسلسل الزمني والإجراءات التي يجب أن يمرّ بها تسجيل أي دواء في وزارة الصحة، فهذا الإجراء هو بالعادة آخر إجراء بروتوكولي تتبعه الوزارة بعد أن يكون الدواء قد مرّ بجميع مراحل التجارب المطلوبة، ولكن ما الذي حدث الآن؟».
يضيف مراد: «كان يجب إخضاع هذه الأدوية إلى تجارب مختبر مرجعي، كأي دواء يتم استقدامه للاستعمال في لبنان، كما تشترط وزارة الصحة. فبحسب منظمة الصحة العالمية، هناك معايير أساسية للمصادقة على اعتماد أي دواء، حيث يجب أن تتوفر فيه 3 شروط: الفعالية، والسلامة، والنقاء، وحتى الآن لم نحصل على مستندات تؤكد أنّ هذه الأدوية التي تمّ إدراجها في موقع وزارة الصحة تعتمد هذه المعايير الأساسية، إضافة إلى عدم اختبارها في المختبر المعتمد في إسبانيا. وحتى إن كانت هذه الأدوية قد اختبرت في مختبرات إيرانية، أو أتى جواب وزارة الصحة بأن هذه الأدوية مختبرة في إيران، فلائحة الصحة العالمية للمختبرات المؤهلة لإجراء الفحوصات على أنواع الأدوية 24 مختبرا، ولا يوجد أي مختبر إيراني ضمن هذه اللائحة يملك الصلاحية لإجراء فحوصات على أدوية «البدائل الحيوية» لأن لا قدرة لها على إجرائها، أهمها «البايو أساي»، و«الريسبتور أفيليتي»، أضف إلى ذلك أنه لا توجد لديهم المواد الفعالة للدواء».
ولكن هل دخول الأدوية الإيرانية سيؤدي إلى خفض الفاتورة الصحية للمريض، خصوصا أنّ وزارة الصحة تشترط أن تكون أسعار الأدوية «البيو- متشابهة» أقل بنسبة 40 في المائة عن سعر الدواء الأساسي، يؤكد مراد أنّه «بحسب اللائحة التي نشرت في موقع وزارة الصحة فإن أسعار الأدوية غير مثبتة الجودة أعلى من أسعار أدوية أخرى أميركية أو أوروبية الصنع مثبتَة ومعتمدَة حول العالم».
ولفت مراد إلى أنه خلال مؤتمر للأدوية «البيو- متشابهة» (bio similar forum) الذي عُقد في بيروت في 20 فبراير (شباط) الماضي: «كشف طبيب يُدعى جيلبير هرنانديز عن أنّ هذه الأدوية الإيرانية استعملت في أميركا اللاتينية وتسببت في آثار جانبية كبيرة وصلت إلى 50 في المائة لدى المرضى، فرُفض استعمالها وتمّ سحبها من السوق».
وتساءل مراد عن الأسباب التي دفعت الوزير الحالي والسابق إلى الإصرار على استقدام هذه الأدوية ودوافعهما، خصوصا مع عدم إثبات فعاليتها. وقال: «عندما سئل الوزير حمد حسن عن إدراج هذه الأدوية على موقع الوزارة قال: أرسلنا الدواء إلى أوروبا وعندما تنتهي الإجراءات نتحدث.. يبدو أن الوزير لا يعرف شيئا، وما حصل هو عمل مستشارين، ولكن على حساب صحة المواطن»، يختم مراد.

 




الدكتور عاصم عراجي


وبات واضحا أنّ وزارة الصحة اعتمدت أسلوب «التهريب» في إدراج أدوية إيرانية على موقع الوزارة الرسمي في ظل الحجر الصحي وانشغال المواطنين بأزمة كورونا، وهموم الوقاية منها إضافة إلى همومهم اليومية والوضع الاقتصادي المزري الذي يخيم على لبنان. وهنا كان حديث لـ«المجلة» مع رئيس لجنة الصحة النيابية الدكتور عاصم عراجي، لسؤاله: هل اتخذت إجراءات لحماية صحة المواطن؟
عراجي أكّد أنّه تواصل مع وزير الصحة قبل بدء أزمة انتشار فيروس كورونا، وأضاف: «طلبت منه إبراز كل الملفات التي تبرّر تسجيل تلك الأدوية خلال اجتماع يضمّ اللجنة الفنية في الوزارة التي وافقت على اعتمادها. ولكن مع إقفال مجلس النواب وانشغال الوزراء بكيفية التصدي للوباء المستجد، تأجّل اللقاء إلى ما بعد انتهاء هذه الأزمة».
وتابع: «نحن كلجنة نيابية نحتاج إلى مستندات لكي نتأكّد من أنّ هذه الأدوية تتوافق مع المواصفات العالمية، وأخذت موافقة اللجنة الفنية في وزارة الصحة، أما إن لم تكن هذه الأدوية قد حصلت على موافقة اللجنة، فلن نقبل بمخالفة القوانين والأنظمة التي ترعى وصول الدواء إلى لبنان وسيتم سحبها من الأسواق اللبنانية».
وختم عراجي: «نحن في لجنة الصحة أنجزنا آلية لمراقبة إدخال الدواء إلى لبنان عبر مكتب الدواء الوطني، ووضعنا آلية وعمل هذا المكتب، ولكن بسبب فيروس كورونا وإقفال المجلس النيابي لم نصل إلى إطلاق العمل به وبالطبع هذا المكتب سيضع حدا لدخول أي دواء لا يستوفي الشروط العالمية المعتمدة».
إذن لا يتوقف حزب الله عن ربط مصير اللبنانيين بإيران، وآخر «إنجازاته» الاستهتار بصحة اللبنانيين من أجل عيون النظام الإيراني على حساب صحة اللبناني، ولكن هل ستتحرك ضمائر المسؤولين لوقف هذا الخطر الإيراني الجديد؟ أم إن مصلحة إيران العليا فوق كل اعتبار؟