كوريا الجنوبية تقدم درسًا بأفضل الممارسات

قد تضطر الولايات المتحدة إلى فرض أكثر الحلول خرقًا للخصوصية لاحتواء انتشار الفيروس
* أعلنت الولايات المتحدة عن أول إصابة بفيروس كورونا بعد يوم واحد فقط من تسجيل أول إصابة في كوريا الجنوبية، ولكن منذ ذلك الحين تجاوزت أعداد المصابين في الولايات المتحدة أرقام المصابين في كوريا الجنوبية التي شهدت بدورها انخفاضا في معدل الإصابات
* بعد نحو أسبوعين من تأكيد الحالة الأولى، وافقت الحكومة على إنتاج فحوصات لتشخيص المصابين بـ«كوفيد-19» وإظهار النتائج في ست ساعات ووزعتها على مراكز الفحص. ثم شرعت كوريا الجنوبية إلى إجراء فحوصات لأكثر من 20 ألف شخص يوميًا
* اشترت الحكومة في 5 مارس 80 في المائة من الأقنعة المنتجة محليًا، وأعطت الأولوية للمستشفيات في عملية التوزيع، ثم أنشأت نظامًا لتحديد الأسعار وتقنينها

أخذت كوريا الجنوبية إجراءات تتبع المصابين بفيروس كورونا المستجد إلى مستوى آخر. فعندما ينزل الركاب في مطار إنتشون الدولي في العاصمة سيول، يتم قياس درجة حرارة جسمهم ويُطلب منهم تنزيل تطبيق وزارة الصحة للتشخيص الذاتي على هواتفهم الذكية. ويجب عليهم استخدام التطبيق كل يوم للإبلاغ في حال شعورهم بأي من أعراض الإصابة بفيروس كورونا. ويتم تتبع تحركات كل شخص تظهر نتائج فحصه إيجابية، ويتلقى جميع الأشخاص الآخرين الذين يكونون في محيط المصابين رسائل تنبيهية على هواتفهم ليحافظوا على التباعد الاجتماعي.
ورغم الأوقات العصيبة التي يعيشها معظم سكان الكوكب، فإنه قد ينزعج معظم الأميركيين بسبب هذا النوع من المراقبة الذي يخرق خصوصيتهم ويتعارض مع قيم الحرية. ولكن عند مقارنة عدد الإصابات بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة يتبين أنه قد يتطلب مكافحة الفيروس وإعادة فتح الاقتصاد التغاضي المؤقت عن هذه القيم لصالح السياسات الخارقة للخصوصية الاجتماعية.
أعلنت الولايات المتحدة عن أول إصابة بفيروس كورونا بعد يوم واحد فقط من تسجيل أول إصابة في كوريا الجنوبية، ولكن منذ ذلك الحين تجاوزت أعداد المصابين في الولايات المتحدة أرقام المصابين في كوريا الجنوبية التي شهدت بدورها انخفاضا في معدل الإصابات. ويبلغ معدل الوفيات بسبب فيروس كورونا في كوريا الجنوبية ثلث معدل الولايات المتحدة. وأجرت كوريا الجنوبية فحوصات للمواطنين وصلت إلى ثلاثة أضعاف عدد الذين تم فحصهم في الولايات المتحدة ــ وذلك جزئيًا بفضل الشركات في كوريا الجنوبية التي تنتج أكثر من 350 ألف فحص في اليوم وتخطط لزيادة إنتاجها إلى مليون فحص يوميًا.
ولكن تعتبر سياسة كوريا الجنوبية لتتبع المصابين ومراقبة انتشار الفيروس جزءا صغيرا من معيار ذهبي لاحتوائه. وأثبتت تدابير مكافحة الفيروس التي اتخذتها كوريا الجنوبية - وهي مزيج من الإجراءات السريعة وابتكار السياسات بالتنسيق مع الحكومة الوطنيةــ فعاليتها في احتواء تفشيه، وباتت تستطيع أن تقدم دروسًا لدولٍ أخرى مثل الولايات المتحدة، التي فشلت في المقارنة معها. ولكن نظرًا لأن الولايات المتحدة قد أهدرت وقتًا ثمينًا لاحتواء الفيروس، فقد تضطر إلى أخد تدابير كوريا الجنوبية الخارقة للخصوصية بعين الاعتبار إذا أرادت إنقاذ أرواح مواطنيها وإعادة فتح الأعمال وتفادي انهيار اقتصادها.
 
الوقت هو الأساس
لعب إطار كوريا الجنوبية الزمني لاستجابتها لانتشار فيروس كورونا دورًا أساسياً مكنها من احتوائه بشكلٍ فعال. فلم تضيع الدولة الكثير من الوقت. وبعد أقل من أسبوع على تشخيص أول حالة مصابة بالفيروس في 20 يناير (كانون الثاني)، التقى مسؤولون حكوميون بممثلين من 20 شركة طبية وحثوهم على البدء فورًا في تطوير الفحوصات للكشف عن الإصابة بفيروس كورونا. وأعلنت الحكومة حالة طوارئ في البلاد يوم 23 فبراير (شباط). وستستغرق إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ثلاثة أسابيع أخرى لاتخاذ هذا الإجراء.
ورغم بدئها المبكر في اتخاذ تدابير وقائية لاحتواء انتشار الفيروس إلا أنها أعطت الأولوية للعمل بسرعة. وفي نهاية شهر يناير- بعد تسعة أيام فقط من تسجيل أول إصابة- أنشأت المراكز الكورية لمكافحة الأمراض والوقاية منها والهيئة العامة للتأمين الصحي في كوريا الجنوبية مركز اتصال «1339» لإبلاغ الناس عن كل جديد وجمع بيانات عن الحالات المصابة. وفي الوقت نفسه، زوّدت الوكالة الكورية للسلامة والصحة المهنية أماكن العمل المعرضة للخطر بأكثر من 700 ألف قناع للوجه. وبعد نحو أسبوعين من تأكيد الحالة الأولى، وافقت الحكومة على إنتاج فحوصات لتشخيص المصابين بكوفيد-19 وإظهار النتائج في ست ساعات ووزعتها على مراكز الفحص. ثم شرعت كوريا الجنوبية إلى إجراء فحوصات لأكثر من 20 ألف شخص يوميًا.
قد تكون استجابة كوريا الجنوبية السريعة سببها الدروس التي تعلمتها خلال تفشي متلازمة الشرق الأوسط التنفسية عام 2015. حينها، تم تسجيل أكبر عدد إصابات بعد المملكة العربية السعودية، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن استجابة الحكومة كانت بطيئة وغير كافية. وكان الشعب حينها يفتقر إلى المعلومات اللازمة حول الوباء ولم يمتلك نظام الرعاية الصحية عددًا كافياً من الفحوصات. وكان المصابون ينتقلون من منشأة إلى أخرى بحثًا عن الفحوصات. ولتجنب تكرار هذه الأخطاء، أنشأت حكومة كوريا الجنوبية أنظمة الاستجابة للطوارئ التي تم تدريبها في حال انتشار أي وباء آخر. وأصدرت قانونًا ينص على الموافقة الفورية على أنظمة الفحوصات في حال حدوث أزمة صحية. وسمحت السياسة الأخيرة بالإنتاج السريع لمجموعات الفحوصات أثناء فترة تفشي فيروس كورونا.
 
دولة الابتكار
يلعب الابتكار دورًا فعالاً في استجابة كوريا الجنوبية البناءة للوباء المستجد. وقد تم تسليط الضوء على استخدام كوريا الجنوبية للتطبيقات ذات التقنية العالية وكاميرات المراقبة التلفزيونية المغلقة لتحديد موقع المصابين الجغرافي ووضع علامات تحدد مكان تواجدهم. ولكن كانت أكثر ابتكارات كوريا الجنوبية أناقة إدراكها السليم الذي أنقذ الأرواح وأبطأ انتشار الفيروس.
وبعد نحو شهر من تشخيص أول حالة إيجابية في كوريا الجنوبية، توصل مسؤولون حكوميون من وزارة الصحة إلى فكرة إجراء الفحص داخل السيارة. وتمت إقامة أول منشأة في موقف سيارات تابع لجامعة، وذلك في 23 فبراير. ويوجد اليوم أكثر من 70 مرفق مماثل وأكثر من 600 مرافق لإجراء الفحوصات على الصعيد الوطني. وسمحت هذه المرافق للآلاف بإجراء الفحص يوميًا حتى مع الحفاظ على التباعد الاجتماعي، إذ ينتظر المرضى دورهم بأمان داخل سياراتهم.
وابتكرت كوريا الجنوبية فكرة أخرى بسيطة ولكنها عملية وهي نظام «الموقع المعين». فقد خصصت الحكومة بعض المرافق الطبية للمرضى المصابين بفيروس كورونا حصريًا، وحددت مرافق أخرى لعلاج المصابين بأمراض أخرى. وتم إدراج المرافق المعينة في التطبيق الحكومي وتم تحديدها بعلامات كبيرة على مبانيها. ووقف أشخاص يرتدون سترات واقية من المواد الخطرة عند مداخل المستشفيات لتوجيه المرضى إلى المواقع المخصصة وغير المخصصة. وساعد هذا النظام على إبعاد المرضى المصابين بفيروس كورونا عن المرضى الآخرين، وبالتالي تقليل انتشار المرض.

 




يتم فحص أجهزة اختبار العينات المستخدمة في تشخيص الحالات المصابة بفيروس كورونا المستجد على خط الإنتاج، وسيتم تجهيزها لتكون ضمن مجموعات الفحوصات التي ستشحنها شركة «إس دي بيوسينسور» للتشخيص البيولوجي قرب مدينة تشونغجو، في جنوب سيول يوم 27 مارس 2020 (غيتي)

 


 
كل السياسة وطنية
لم تكن لتنجح إلى هذه الدرجة خطة استجابة كوريا الجنوبية لتفشي فيروس كورونا لولا التنسيق مع الحكومة الوطنية. فقد جمعت الحكومة بين القطاعين العام والخاص لحل المشاكل، واستجابت لتفشي الفيروس على المستوى الوطني، بدلاً من الاعتماد على السلطات المحلية وحدها لمعالجة الوباء. وتستعد السلطات الوطنية للتعافي من التداعيات الاقتصادية للوباء من خلال الإعلان عن حزم المساعدات للمدن والمحافظات وتعليق مدفوعات الضمان الاجتماعي وتقديم مبالغ نقدية للأسر التي يقل مدخولها عن متوسط مستوى الدخل.
وبدا واضحًا تأثير التنسيق الوطني عندما عانت كوريا الجنوبية من النقص الحاد في أقنعة الوجه، وهو ما تعاني منه الولايات المتحدة في الوقت الحاضر، مما أدى إلى تخزينها وارتفاع سعرها. واشترت الحكومة في 5 مارس 80 في المائة من الأقنعة المنتجة محليًا، وأعطت الأولوية للمستشفيات في عملية التوزيع، ثم إنشأت نظامًا لتحديد الأسعار وتقنينها. وحددت أيامًا سمحت فيها للمواطنين بشراء الأقنعة بحسب الأرقام الأخيرة من سنوات ميلادهم وذلك بهدف منع التخزين.
وبسبب رقابة الحكومة على التوزيع، يكلف القناع في كوريا الجنوبية نحو 1.27 دولارًا ويمكن شراؤه من الصيدليات أو مكاتب البريد أو التعاونيات الزراعية. وتضمن وفرة العرض عدم اضطرار رؤساء البلديات والمحافظين إلى المزايدة على بعضهم للحصول على الإمدادات الطبية. وفي المقابل، أدت الاستجابة العشوائية واللامركزية في الولايات المتحدة إلى حصول نزاعات بين الحكام والمسؤولين في الولايات حول المخزونات الفيدرالية والواردات الأجنبية من المعدات الطبية. ويبلغ سعر قناع N-95في الولايات المتحدة على موقع «إيباي» 30 دولارًا.
 
قبول الحلول البديلة
لقد فشلت الولايات المتحدة في عدة جوانب بسبب عدم استجابتها المبكرة للوباء، وبالتالي فقدت الكثير من الوقت. أولاً، ظن ترامب أن حظر السفر من الصين وأوروبا كان كافيًا لوقف انتشار الفيروس. ولزيادة الطين بلة، فشلت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة في إنتاج فحوصات لكشف المصابين بفيروس كورونا ولم تسمح إدارة الغذاء والدواء بعملية الموافقة التنظيمية المعجلة. لكن الخطوات التالية مهمة. فإذا أرادت الولايات المتحدة إعادة فتح اقتصادها قريبًا، لا يزال بإمكانها الاستفادة من تجربة كوريا الجنوبية واتباع أفضل ممارساتها لاحتواء انتشار الفيروس في المناطق التي يسجل فيها أكبر عدد من الإصابات والتأكد من تسجيل الحد الأدنى من الإصابات في المناطق التي لم تشهد تفشيًا حادًا بعد. وللأسف، قد تكون الإجراءات التي تستطيع الولايات المتحدة اتخاذها خلال هذه المرحلة المتأخرة ضمن أكثر الحلول خرقًا للخصوصية في ترسانة كوريا الجنوبية.
وكان من الممكن أن يحتوي الفحص الفعال وتتبع الأفراد المصابين انتشار الفيروس من البداية. لقد فات الأوان - ولكن سيتطلب إجراء فحوصات كثيرة وفي كل المناطق والتتبع الشامل لجميع الأفراد والتباعد الاجتماعي المستمر لتعافي أجزاء من الاقتصاد وإعادة فتحه بأمان. ولا تزال الولايات المتحدة بحاجة إلى تطوير فحوصات ومعرفة كيفية تتبع الأفراد على نطاقٍ واسع. والطريقة الوحيدة للقيام بذلك تكون عن طريق تدريب وتجنيد جيش من الفنيين لرسم شبكة من التفاعلات لكل فردٍ مصاب. أو يمكن للولايات المتحدة أن تتبع كوريا الجنوبية في الاستفادة من الجهاز الإلكتروني الذي يمتلكه كل مواطن، وهو الهاتف الجوال.
ولكن من المؤكد وجود عنصر غير مرحب به في تطبيقات كوريا الجنوبية للتشخيص الذاتي والتتبع، إذ يعتبر الأميركيون أن خصوصيتهم حق دستوري، ويرفضون بالتالي أن يتم تتبع موقعهم ويختارون انتظار اللقاح. ولكن قد يستغرق هذا الانتظار أكثر من عام ويمكن أن يخلق متاعب مالية وجسدية ونفسية لا تعد ولا تحصى. ويعتبر تطبيق الهاتف الذي ابتكرته كوريا الجنوبية حلاً ممكنًا لأنه يستخدم نظام GPSبفعالية، وهي تقنية مألوفة لمعظم الأميركيين. ويجب على الولايات المتحدة اتخاذ هذه الخطوة غير المريحة حتى لو مؤقتًا فقط، نظرًا لتأخرها في بداية الأزمة في إجراء الفحوصات وتتبع المصابين، وإلا ستخاطر بخسارة عشرات الآلاف من الأرواح الأخرى.
* تم نشر المقال أولاً على موقع ForeignAffairs.com.