كورونا يشعل حرب تصريحات دولية... وترامب «بطل المرحلة»

اتهامات عشوائية ووصفات طبية تقليدية

* اعتاد عدد من القادة الدينيين حول العالم على بثّ أفكارٍ غريبة واعتماد وصفاتٍ طبية من وحي خيالهم، والتشديد على أن التديّن وحده كافٍ للحماية من الإصابة بالأمراض المعدية

* تسمّر البريطانيون أمام شاشات التلفزة بانتظار تصريحات حكومتهم ليخرج عليهم رئيس الوزراء: «سأكون صريحًا، كثيرون سيفقدون أحبابهم»، معلنًا عن اللقاح البريطاني: «مناعة القطيع»

* جونسون تفاخرَ مرارًا بمصافحة مرضى «كوفيد-19» دون أي اعتبار لشروط السلامة والوقاية

* ترامب صرح بأن استخدام هيدروكسي كلوروكين لعلاج كورونا «لن يقتل» لكن الهامش بين جرعة العلاج والجرعة السامة «محدود»

* بعد تصريحات ترامب، أضيف هيدروكسي كلوروكين لقائمة «نقص الدواء» الخاصة بالجمعية الأميركية لصيادلة النظام الصحي

* ترامب: «لا أتخيل نفسي وأنا أرحب بالرؤساء ورؤساء الحكومات والطغاة والملوك والملكات في البيت الأبيض وأنا أرتدي الكمامة»

* حاكم ولاية نيويورك: «ليس لدينا الملك ترامب، بل لدينا الرئيس ترامب. إذا أمرني بإعادة فتح نيويورك، وتعريض حياة المواطنين للخطر، فلن أفعل»

* ترامب استند إلى «حدسه» في وصف بيانات منظمة الصحة العالمية حول معدل الوفيات جراء الفيروس بـ«الخاطئة»

لندن: منذ بدأت ملامح أزمة عالمية، ومع تردد وتشكيكات منظمة الصحة العالمية حول اعتبارها جائحة أو وباء أم لا، أمطر السياسيون ورجال الدين شعوب العالم بتصريحاتٍ بعضُها منطقي والبعض الآخر لا يمتّ للمنطق بصلة، حول أزمة فيروس كورونا المستجدّ، بل إن تصريحاتٍ طبية بحتة، صدرت من جهاتٍ غير معتمدة طبيا. هذه العشوائية لم تقف عند حدود المنطق، بل تسببت أحيانًا في أزمات دولية، أو صحية، أو حتى وفيات.

ليس جديدًا بالطبع زجُّ الدين بشكل مبتذل في كل أزمة، فقد اعتاد عدد من القادة الدينيين حول العالم على بثّ أفكارٍ غريبة واعتماد وصفاتٍ طبية من وحي خيالهم، والتشديد على أن التديّن وحده كافٍ للحماية من الإصابة بالأمراض المعدية، متناسين أو متجاهلين أن حالات كثيرة لمصابين بفيروس كورونا سُجلت في تجمعات دينية، هذه التصريحات تبعث الأمل في نفوس بعض البسطاء، ومثال ذلك رجل الدين الإيراني مرتضى كهنسال الذي تجول في أحد المستشفيات موزعًا أدوية مدعيًا أنها «معجزة» في شفاء مرضى فيروس كورونا المستجد، وأظهرت مقاطع فيديو مشاهد له وهو يضع إصبعه في وعاء ثم يمسحه على شفاه المرضى وأنوفهم في قسم الحجر الصحي في مستشفى أنزلي، وقد فارق أحد هؤلاء المصابين الحياة.

هذا ولم يتوان إعلاميون وشخصيات معروفة «غير طبية» عن الترويج لعلاجات شعبية على أنها ذات مفعول «سحريّ» في الحماية من كورونا ومن أي فيروس يهدد الحياة، كالشاي واستنشاق بخار الماء، والثوم والزنجبيل والليمون. الغريب أن وزير الصحة لإحدى الدول العربية صرح في مقابلة تلفزيونية أن «الشماغ يغني عن الكمامة»، لتردّ عليه منظمة الصحة: «الوشاح غير فعال، الكمامات الطبية لا تصنع من القماش العادي الذي تصنع منه الملابس».

 

لا مناعة لدى القطيع أو راعي القطيع
في الوقت الذي سارعت فيه الحكومات لفرض إجراءات صارمة لوقف زحف فيروس كورونا المستجد، ولمنع وصوله حدّ «الجائحة»، تسمّر البريطانيون أمام شاشات التلفزة بانتظار تصريحات حكومة وثقوا بتقديراتها، وأمِلوا بفاعليتها، ليخرج عليهم رئيس الوزراء البريطاني قائلاً: «سأكون صريحًا، كثيرون سيفقدون أحبابهم» لأن فيروس كورونا سيواصل الانتشار في البلاد على مدار الأشهر المقبلة، حاصدًا المزيد من الأرواح، معلنًا بذلك عن اللقاح البريطاني في مواجهة كورونا المستجد: «مناعة القطيع». وهو موقفٌ وصفه البعض بالمستهتر، لم يلبث أن تغيّر إلى الاستنفار فالإغلاق التام للبلاد، ثم دخول رئيس الوزراء البريطاني إلى العناية المركزة بعد معاناة مع الفيروس نفسه.

جونسون تفاخرَ مرارًا بمصافحة مرضى كورونا دون أي اعتبار لشروط السلامة والوقاية، وقال في مؤتمر صحافي بتاريخ 3 مارس (آذار): «كنت في المستشفى الليلة الماضية حيث أعتقد أنه كان هناك عدد قليل من مرضى فيروس كورونا، وصافحت الجميع، ستسعدون بمعرفة ذلك، واستمررت في المصافحة».

الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل تعدّى إلى وصف مستحضرات طبية وأدوية علاجية تستخدم لأمراض مختلفة، وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب واحدا ممن أطلقوا هذه التصريحات.

 



مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية بأمريكا، أنتوني فاوتشي، حمّل ترامب مسؤولية "تأخر الاستجابة لتفشي الوباء في أمريكا" (غيتي)

 

هيدروكسي كلوروكين وأمل زائف

ترامب شجّع صراحة، على اعتماد عقار «هيدروكسي كلوروكين» على وجه الخصوص، وهو المستحضر المستخدم لعلاج الملاريا والذئبة والتهاب المفاصل الروماتويدي، شجّع على استخدامه في علاج كورونا. وفي مؤتمر صحافي بتاريخ الأول من أبريل (نيسان) صرّح بأن العقار «لن يقتل»، وهي إحدى المرات الكثيرة التي كرّر فيها ترامب هذا التأكيد، كما أكد أن «هذا الدواء كان موجودًا منذ سنوات، وكان فعالاً وقويًا في مكافحة الملاريا، ونعتقد أنه قد ينجح الآن، بناء على أدلة قوية جدًا».

الرئيس الأميركي أعلن أن الولايات المتحدة «صادقت» على استخدام العقار، لمعالجة المصابين بفيروس كورونا المستجد، ولكن يبدو أن حماسه لهذا المستحضر ليس واقعيًا. فالفصل هنا هو التجارب السريرية، والتي تتضمن تجربة المستحضر على مجموعة ضخمة من الأشخاص ومراقبة تأثيره عليهم.

إدارة الأغذية والأدوية أدلت بتصريحات تتضارب مع إعلان ترامب، إذ أشارت إلى أن عقار كلوروكين تمت المصادقة عليه لمعالجة الملاريا والتهاب المفاصل، وقال رئيس الإدارة ستيفن هان: «طلب منا الرئيس التدقيق في هذا العقار. نريد القيام بذلك من خلال تجربة سريرية موسعة وعملية»، وأشار إلى أنه إن كانت الهيئة على استعداد «لإزالة الحواجز» من أجل تسريع الابتكارات، فإنها ستتحمل «المسؤولية» لـ«ضمان سلامة المنتوجات وفعاليتها».

مجلة «Antiviral Research» الطبية أيضًا، ذكرت أن العقار «يعتبر آمنًا وآثاره الجانبية خفيفة وعابرة»، لكن الهامش بين جرعة العلاج والجرعة السامة «هامش محدود».

وفي تعليق مباشر على تصريحات ترامب، أكد المفوض السابق بإدارة الأغذية والدواء في أميركا، الدكتور سكوت غوتليب، في لقاء تلفزيوني أن هيدروكسي كلوروكين موجود بالفعل منذ أكثر من 80 عامًا، وأن الدراسة التي ربما يستند إليها الرئيس ترامب هي دراسة فرنسية بسيطة، استخدمت مستحضرًا مشتقًا من عقار هيدروكسي كلوروكين، وشملت 20 مريضًا فقط، توفي أحدهم، وظهرت النتائج الإيجابية على 6 منهم فقط، والفائدة التي أظهروها تتلخص في «تقليل كمية الفيروس في الأنف» ما يعني، بحسب الدكتور غوتليب، أن المستحضر ليس له تأثير على مسار هؤلاء المرضى، وأن «البيانات المتعلقة بالمستحضر أولية للغاية».

وفي دراسة أخرى عام 2011 تبيّن أنه بينما كان الكلوروكين فعّالا ضد الأنفلونزا في المختبر، إلا أنه لم يكن فعالاً مع البشر.

منظمة الصحة العالمية أيضًا كان لها رأي في الموضوع، حيث علّق المدير العام لمنظمة الصحة العالمية الدكتور تيدروس غيبريسوس أن «استخدام أدوية غير مختبرة من دون الأدلة الصحية قد يزيد الأمل الزائف، بل قد يضر أكثر مما ينفع ويسبب نقصًا في الأدوية الأساسية اللازمة لعلاج الأمراض الأخرى»، وبالفعل، في الأسبوع الأول من أبريل (نيسان) أضيف هيدروكسي كلوروكين لقائمة «نقص الدواء» الخاصة بالجمعية الأميركية لصيادلة النظام الصحي.

 



موقف بريطانيا الذي وُصف بالمستهتر لم يلبث أن تغيّر إلى الاستنفار فالإغلاق التام، ثم دخول رئيس الوزراء البريطاني إلى العناية المركزة بعد معاناة مع الفيروس نفسه (غيتي)

 

ارتداء الكمامات «اختياري»؟

وفي تصريح مشابه قال الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إنه لن يرتدي الكمامة رغم النصيحة الإرشادية الطبية الجديدة للأميركيين بأن يفعلوا ذلك: «لا أتخيل نفسي وأنا أرحب بالرؤساء ورؤساء الحكومات والطغاة والملوك والملكات في البيت الأبيض وأنا أرتدي الكمامة»، وأكد أن الالتزام بارتدائها «اختياري» وليس إلزاميا، وذلك رغم تصريحه شخصيًا بأن الدراسات الأخيرة تفيد بأن «انتقال العدوى من الأفراد الذين لم تظهر عليهم الأعراض يلعب دورًا في انتشار الفيروس أكبر مما كان يعتقد سابقًا».

لا بد من الاعتراف بأن ترامب هو بطل هذه المرحلة في التصريحات الجدلية. تصريحاته التي عُرفت بغرابتها، وصفتها صحيفة «واشنطن بوست» بـ«الطائشة»، وقالت الصحيفة إن تصريحات ترامب حول عودة الحياة إلى طبيعتها في أميركا منتصف الشهر المقبل «تنمّ عن تفكير متهوّر»، وكان آخر هذه التصريحات توقعه في مقابلة تلفزيونية أن «الفيروس قد ينتهي في أبريل»، وأن «الحرارة عمومًا تقتل هذا النوع من الفيروسات».

 

ترامب في مواجهة كبار مسؤولي إدارته الطبيين

حمّل أنتوني فاوتشي، مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية بأميركا، ترامب مسؤولية «تأخر الاستجابة لتفشي الوباء في أميركا».

فاوتشي، وهو أحد أهم المسؤولين الأميركيين عن مكافحة فيروس كورونا المستجد، أكد أن «اتخاذ إجراءات احترازية بشكل مبكّر، كان بإمكانه إنقاذ الكثير من الأرواح»، وطالب مرارًا بتمديد حالة الطوارئ والحجر، فيما اكتفى ترامب بالرد عليه من خلال إعادة نشر تغريداته السابقة المطالبة بإقالة فاوتشي.

فاوتشي ذكر أيضًا أن ارتداء الكمامة يمكن أن يكون حائلاً بين المُصاب وغير المصاب، وشدّد على أهمية ارتداء الجميع للكمامة، لأن ذلك سيشكل حماية للجميع، وهو ما يتضارب مجددًا مع تصريحات سابقة للرئيس الأميركي.

 

إغلاق متأخر ثم رفع إغلاق مبكّر

وبرغم وصف استجابة إدارته للجائحة بـ«المتأخرة»، وتسجيل البلاد أكثر من 640 ألف حالة، و33 ألف وفاة، حتى كتابة هذه المادة، ما زال ترامب يصرّ على تفرّده في التحرّك أمام هذه الأزمة، حيث واجه رفضًا شديدًا لاختياره إعادة فتح الولايات الأميركية بعد إغلاق عام فُرض لاحتواء وباء فيروس كورونا، مؤكدًا أن الخطط لإعادة فتح البلاد اقتربت من صيغتها النهائية، وقد يكون ذلك حتى قبل الأول من مايو (أيار)، وقال إنه سيفوّض حكام الولايات لوضع خطة لإعادة الفتح في الوقت والطريقة الأكثر ملاءمة، الأمر الذي أشعل خلافًا عارمًا مع حكام الولايات حول من يمتلك الحق في إنهاء حالة الإغلاق العام، حيث زعم ترامب أن لديه الصلاحية «الكاملة» لإنهاء الإغلاق العام.

ورفض حاكم ولاية نيويورك، أندرو كومو هذه التصريحات، قائلا: «ليس لدينا الملك ترامب، بل لدينا الرئيس ترامب. إذا أمرني بإعادة فتح نيويورك، وتعريض حياة المواطنين للخطر، فلن أفعل ذلك». وأضاف في لقاء تلفزيوني: «ليس لديه السلطة المطلقة كما يقول.. لا يوجد تشريع يمنح الرئيس سلطة تتجاوز تدابير الصحة العامة في الولايات».

واستمرّ سيل التصريحات، بردّ ترامب: «عندما يكون شخص ما رئيس أميركا، فإن السلطة تكون مطلقة». جاء ذلك في مؤتمر صحافي حول جائحة كورونا، وُصف بأنه «الأكثر غرابة وفوضوية حتى الآن»، بدأ بعرض فيديو لترامب يستعرض إنجازاته في السيطرة على انتشار كورونا.

هذا الفيديو، الذي بدا غريبًا في مناسبة مؤتمر صحافي حول تطورات جائحة فيروس كورونا، تسبب في حالة من التوتر في قاعة المؤتمر، حيث واجه ترامب استنكارًا من عرض إنجازاته بدل «استغلال وقت» صنع الفيديو في أمرٍ أكثر جدوى، تلاه غضبٌ وردود انفعالية من ترامب، ثم اتهامه لإحدى الصحافيات بأنها «لئيمة».

 

هل يشعر ترامب بالخطر؟

يأتي هذا الفيديو والتصريحات المثيرة للجدل، في وقت يقترب فيه موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، ولربما يتبادر للذهن أن هذا الفيديو «الاستعراضي» إنما هو محاولة للتذكير بإنجازات اقتصادية ضخمة حققها الرئيس ترامب خلال ولايته، لكنّ خطأه ربما كان بربط نجاحه كرئيس بمؤشرات الأسهم الأميركية، فالمشكلة تكمن بأن مؤشرات الأسهم لا يعوّل على ارتفاعها مهما علا، لأنه قابل للانهيار في أي لحظة، ولكنه اختار ذلك بنفسه، حتى أخذ كورونا الأسهم وهوى بها بعيدًا، ماحيا معظم المكاسب الأميركية منذ فوز ترامب، وهو ما ارتفعت معه طلبات إعانة البطالة لمستويات لم تشهدها من قبل، وانقلب عليه نجاحه الاقتصادي، الذي لطالما فاخر به وتمسك به، خلال أقل من شهر. الأمر الذي ربّما أنذره بالخطر، لأن دراسات كثيرة تؤكد أن الناخب الأميركي يحكم على الرئيس في سنة الانتخابات، بغض النظر عن الإنجازات طوال فترة الحكم.

لكن حزبه بدا أكثر تفاؤلاً، وهو ما كان جليًا على لسان رئيسة مجلس قيادة الحزب الجمهوري رونا مكدانيل: «أظهر التزام الرئيس ترامب الذي لا يتزعزع تجاه الشعب مرارًا وتكرارًا أنه الرئيس الذي نحتاجه لقيادة بلدنا خلال هذه الأزمة، وما زلنا ننتقل إلى الانتخابات في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) بحماس كبير».

وفي محاولاته لتبرير تأخر إدارته في التحرك ضد الفيروس، ردّ على المشككين: «جو بايدن اتهمني بالعنصرية لأنني قلت سنغلق جميع الرحلات من الصين»، وقال في تغريدة على «تويتر»: «هل تريدون إغلاق البلاد دون أي إصابة أو وفاة؟ هذا جنون».

وحين سُئل ترامب عن بيانات منظمة الصحة العالمية حول معدل الوفيات جراء الفيروس، قال: «أعتقد أن نسبة 3.4 في المائة رقم خاطئ... شخصيًا أعتقد أن الرقم أقل من واحد في المائة بكثير... استنادًا إلى حدسي». بينما كانت المنظمة الدولية قد أعلنت أن النسبة التي أعلنتها استندت إلى إحصاء كل حالات الإصابة المؤكدة بفيروس كورونا التي انتهت إلى الوفاة.

 



حاكم ولاية نيويورك: "لايوجد تشريع يمنح الرئيس سلطة تتجاوز تدابير الصحة العامة في الولايات" (غيتي)

 

حربُ اتهامات جديدة

هنا تحول ترامب هذه المرة خارج حدود ولاياته، ووجه سهام تصريحاته اللاذعة إلى منظمة الصحة العالمية لأنها «أساءت إدارة أزمة كورونا في العالم»، متهمًا إياها بالتواطؤ مع الصين، وقرّر تجميد تمويل بلاده للمنظمة، قائلا: «أوعزت بتعليق تمويل منظمة الصحة العالمية، في الوقت الذي تتم فيه إعادة تقييم دور المنظمة في سوء الإدارة الشديد والتعتيم على تفشي الفيروس».

القصة بدأت مع فتح فصل جديد في العلاقات الصينية الأميركية المتوترة، حين تصاعدت المشاكل من جديد على خلفية بدء أزمة جائحة كورونا المستجد، أشعلتها تغريدة لأحد المتحدثين باسم الخارجية الصينية، تشاو لي جيان، قال فيها: «متى ظهر المرض في الولايات المتحدة؟ كم عدد الناس الذين أصيبوا؟ ما هي أسماء المستشفيات؟ ربما جلب الجيش الأميركي الوباء إلى ووهان... تحلوا بالشفافية! أعلنوا بياناتكم! أميركا مدينة لنا بتفسير»، في إشارة إلى أن الفيروس صناعة أميركية.

وردًا على هذا التصريح، استدعت الخارجية الأميركية السفير الصيني لدى واشنطن، تسوي تسيانكاي، بسبب ما وصفته بـ«الحملة الوقحة لتضليل المعلومات».

ولاحقًا، أعرب عضو المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، يانغ جيتشي، خلال محادثة هاتفية مع وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، عن رفض بكين القاطع لأي محاولات أميركية لتشويه سمعة الصين وتلطيخ جهودها في مكافحة فيروس كورونا، وأكد استعداد بلاده للتصدي للإجراءات الأميركية.

لكن ترامب، لم يتوقف عن وصف سلالة فيروس كورونا المستجد بـ«الفيروس الصيني»، وهو ما أشعل غضب الصين، وقال المتحدث باسم الخارجية الصينية، غين شوان، في مؤتمر صحافي: «هذا التعليق يشوه صورة الصين، نحن غاضبون جدًا ونرفضه بشدة»، وأكد المسؤول الصيني، أن على الولايات المتحدة أن «تهتم بأمورها».

وبالعودة إلى النزاع مع منظمة الصحة العالمية، فقد اتهمها ترامب بالانحياز للصين، وخلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض مطلع أبريل، لوّح الرئيس الأميركي بتجميد مساهمة بلاده في المنظمة، قائلا: «كان يجب أن يعرفوا، وربما كانوا يعلمون، لذلك سننظر بشأن ذلك عن كثب وسنقوم بتجميد الأموال التي يتم إنفاقها على المنظمة»، لكن ترامب تراجع تحت ضغط أسئلة الصحافيين عن تهديده، مشيرًا إلى أنه لا يزال ينظر في احتمال اتخاذ مثل هذا القرار. ليعود بعد يومين وتحديدًا بتاريخ 14 أبريل ليعلن رسميًا وقف تمويل بلاده للمنظمة. وإذ وجه الرئيس الأميركي لائحة اتهام مطولة إلى المنظمة الأممية، فقد قال إن «العالم تلقى الكثير من المعلومات الخاطئة حول انتقال العدوى والوفيات» الناجمة عن الوباء، وأضاف: «بصفتنا الراعي الرئيسي، من واجب الولايات المتحدة الإصرار على المساءلة الكاملة»، واعتبر المنظمة «منحازة» للصين، مؤكدًا أنها أخفت الحقائق عن العالم و«فشلت في الحصول على المعلومات في الوقت المناسب وبطريقة شفافة» ولو أنها قامت بعملها وأرسلت خبراء إلى الصين لتقييم الأوضاع على الأرض بمهنية وأبرزت قلة الشفافية في الصين، لكان بالإمكان السيطرة على تفشي الوباء في معقله بأعداد وفيات أقل، محملاً إياها المسؤولية الكاملة عما يحدث في العالم.

مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم، أشار إلى خشيته من فشل توحيد الجهود في وجه الفيروس: «نصيحتي تتلخص في 3 أشياء، أرجو أن تتمسكوا بالوحدة على المستوى الوطني ولا تستغلوا كورونا لأهداف سياسية. وأن تتضامنوا بصدق على المستوى العالمي. وأن تتحلى الولايات المتحدة والصين بالقيادة النزيهة».

من جانبه، انتقد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش القرار الأميركي، معتبرًا أن الوقت ليس مناسبًا لوقف تمويل المنظمة الدولية التي تتصدر الجهود العالمية لوقف انتشار الوباء.
وقف التمويل الأميركي للمنظمة يعني وقف مساعدات تقدر بما بين 400 إلى 500 مليون دولار من موازنة المنظمة التي تقدر بنحو 4.8 مليار دولار، في أحد أحلك الظروف التي مرت بها حتى الآن.

وهذا التحرك الأخير ربما يوجه ضربة للجهود العالمية في حشد الطاقات والصفوف لمواجهة جائحة فيروس كورونا، أو ربما يكون محقاّ. لكن الأهم من ذلك كله، وفي خضمّ هذه الحرب السياسية وتقاذف التصريحات، يبقى السؤال: هل سينتهي عام 2020 بتراجع زحف فيروس كورونا المستجد وتراجع حدة الاتهامات المتبادلة بين قادة العالم؟ وهل ستثمر تصريحات ترامب اللاذعة بإعادة انتخابه رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية؟