«كورونا» وانخفاض أسعار النفط العالمي

مخاوف من تزايد الدين العام، وخسائر فادحة في التجارة

* استبعاد 425 مليار دولار من الناتج الكلي لمنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى

* توقعات بتراجع الصادرات النفطية بأكثر من 250 مليار دولار في أنحاء المنطقة وتحول أرصدة المالية العامة إلى السالب

* السياحة والطيران والتجارة والنفط... أكثر القطاعات تضررًا من الأزمة

* توقف الاستثمارات في بعض المشاريع... والصناديق السيادية صمام الأمان للدول المنتجة للنفط

* ضرورة ضمان السياسات النقدية والمالية تلبية احتياجات السيولة مع الحفاظ على السلامة المالية

* توفر السياسات الحمائية لمحركات النمو مع تخفيف الأثر الواقع على الأسر والقطاعات الأشد تضرراً

القاهرة: تعرضت منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى لصدمتين كبيرتين تعزز كل منهما آثار الأخرى، فإلى جانب الآثار المدمرة على صحة الإنسان، تتسبب جائحة كوفيد-19 والهبوط في أسعار النفط في حدوث اضطراب اقتصادي كبير بالمنطقة من خلال صدمات العرض والطلب المتزامنة. وكانت معظم بلدان المنطقة تقريبًا قد أبلغت عن حالات إصابة مؤكدة بفيروس كورونا، كما هبطت أسعار النفط بأكثر من 50 في المائة منذ بداية العام الجاري. بحسب صندوق النقد الدولي.

وتسببت الجائحة في حدوث اضطرابات حادة وخسائر فادحة في التجارة، مما أثر على القطاعات ومؤسسات الأعمال الغنية بالوظائف، فقد أدت إجراءات الاحتواء في الاقتصاديات الرئيسية وأهم البلدان الشريكة تجاريا إلى تخفيض الطلب الخارجي بشدة.

وقد أثر تباطؤ النشاط العالمي الناجم عن ذلك على سلاسل القيمة العالمية في المنطقة، وعلى قطاعات التجزئة والصناعات التحويلية الغنية بالوظائف، فضلا عن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. وفي الوقت نفسه، فإن الإجراءات الاحتوائية التقييدية التي اتخذتها حكومات المنطقة والمخاوف من الإصابة بالعدوى تضعف طلب المستهلكين، لا سيما في قطاعات السياحة والضيافة والتجزئة. وفي الوقت ذاته، ازدادت حدة تضييق الأوضاع المالية العالمية، مما زاد من التحديات أمام المنطقة.

ورغم أجواء عدم اليقين من عمق هذه الأزمة ومدتها، فسوف تتسبب هذه الجائحة في تفاقم مشكلة البطالة بالمنطقة وازدياد مواطن الضعف المرتفعة بالفعل، الناجمة عن زيادة الدين العام والدين الخارجي في الكثير من البلدان.

 



سياح يرتدون كمامات واقية خارج مسجد الحسين في القاهرة في مصر (غيتي) القطاع السياحي في الدول العربية من أكثر القطاعات تأثرًا بتداعيات تفشي فيروس كورونا

مواطن الضعف

ويشير تقرير صندوق النقد الدولى إلى أن الأثر الاقتصادي سيكون بالغا، حيث تسجل المنطقة انكماشا في 2020 بمتوسط قدره 3.1 في المائة، وقامت معظم بلدان المنطقة بتعديل توقعات النمو بالخفض بأكثر من 4 نقاط مئوية في سنة واحدة، وهو ما يعادل استبعاد 425 مليار دولار من الناتج الكلي للمنطقة. وجاءت هذه التعديلات بالنسبة لكل البلدان تقريبا أعلى من التعديلات المسجلة أثناء الأزمة المالية العالمية في 2008 وصدمة أسعار النفط في 2015.

من المتوقع أن يلحق ضرر جسيم بوجه خاص بالدول الهشة والمتأثرة بالصراعات، فمن المتوقع أن يؤدي الهبوط الاقتصادي إلى تفاقم حدة التحديات الكبيرة بالفعل التي تواجه هذه البلدان على المستوى الإنساني وفيما يتعلق بأزمة اللاجئين، لا سيما في ظل ضعف البنى التحتية الصحية والأحوال المعيشية في هذه البلدان مما سيحفز من سرعة انتشار الجائحة.

ووقعت الأرصدة الخارجية وأرصدة المالية العامة تحت وطأة الضغوط، وتتعرض البلدان المصدرة للنفط لصدمة مزدوجة يتزامن فيها انخفاض الطلب العالمي وانخفاض أسعار النفط، حيث يتوقع تراجع الصادرات النفطية بأكثر من 250 مليار دولار في أنحاء المنطقة. ونتيجة لذلك، من المتوقع أن تتحول أرصدة المالية العامة إلى السالب، متجاوزة 10 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في معظم البلدان.

 

البلدان المستوردة للنفط

أما البلدان المستوردة للنفط فسوف تتأثر سلبا بالتراجع الكبير في تحويلات العاملين في الخارج وتدفقات الاستثمارات ورؤوس الأموال من البلدان المصدرة للنفط. ومع التدهور الكبير في عجز المالية العامة بهذه البلدان، من جراء أثر انخفاض النمو على الإيرادات الضريبية وارتفاع الإنفاق، فمن المتوقع ارتفاع مستوى الدين العام في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان إلى قرابة 95 في المائة من إجمالي الناتج المحلي.

وسوف تتزايد مواطن الضعف، تماشيا مع الاتجاهات العامة العالمية، وتشكل الديون الكبيرة التي تستحق آجالها قريبا مخاطر على التمويل في ظل الظروف الحالية بالأسواق. ومن المحتمل أن تحد مستويات الدين العام المرتفعة من الحيز المالي المتاح لاتخاذ تدابير إضافية.

 

نمو الاقتصاد العالمي

ووفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي لمعدل نمو الاقتصاد العالمي التي أعلنها في إطار تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، توقع أن ينكمش الاقتصاد العالمي إلى سالب 3 في المائة عام 2020 مع إمكانية استرداد عافيته في عام 2021 بتحقيق معدل نمو 5.8 في المائة، ويُعزى انخفاض النمو الاقتصادي العالمي إلى تراجع نمو الاقتصاد الأميركي في عام 2020 نتيجة لتفشي الفيروس إلى سالب 5.9 في المائة بسبب تراجع الاستهلاك العام والخاص، وعدم اليقين حول أسعار الأصول، فضلاً عن عمليات الإغلاق بسبب تفشي فيروس كورونا في الولايات المتحدة التي تشهد أكبر معدل إصابات ووفيات في العالم.

أما في منطقة اليورو، فمن المتوقع أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7.1 في المائة بسبب انخفاض الصادرات وتباطؤ الاستهلاك. بالنسبة للاقتصاد الياباني فمن المتوقع أن ينكمش في عام 2020 بنحو 5.9 في المائة. في حين من المتوقع تحقيق الاقتصاد الصيني نموا ضعيفا بنسبة 1.2 في المائة عام 2020. ولا تزال هناك مخاطر سلبية أخرى على الاقتصاد العالمي بالنظر إلى حالة عدم اليقين التي تسود العالم في هذه الفترة.

 



تواجه الدول العربية المستوردة للنفط ظروفًا استثنائية تتمثل في عجز الموازنات العامة (غيتي)

 

الطلب العالمي

يبطئ تفشي الفيروس الطلب العالمي، كونه يخلق نوعا من الهلع وعدم اليقين على مستوى القطاع العائلي وقطاع الأعمال باستثناء الطلب على المستلزمات الطبية والأجهزة والأمصال، الذي من المتوقع أن يزداد بشكل كبير مقارنة بالطلب على السلع والخدمات الأخرى التي تأثرت بالفيروس مثل النفط، وخدمات السياحة والنقل الجوي، وتقييد حركة السلع والمسافرين عبر الحدود حتى في دول الاتحاد الأوروبي.

كما تمثل منتجات وصادرات الدول الكبرى المتأثرة بتفشي فيروس كورونا، مدخلات تصنيع لبعضها البعض ولدول العالم الأخرى. بالتالي فإن أي صدمة عرض تنتج عن الوباء سوف تصيب العالم ككل، من خلال العدوى عبر سلاسل القيمة الدولية وبالأخص السلع الوسيطة.

 

العرض العالمي

من جانب آخر، تمتد تداعيات الفيروس لتصيب جانب العرض العالمي من خلال محركات الطاقة الإنتاجية التي أصبحت غير مستغلة بكامل طاقتها الإنتاجية طيلة فترة تفشي المرض نتيجة للسياسات الاحترازية والتدابير الوقائية المُتخذة مثل عمليات الحجر الصحي، وحظر التجوال في عدد من الدول المتقدمة والاقتصاديات الناشئة، ونتيجة لحالات الإصابة والوفيات التي تركت أثرًا على الأداء الاقتصادي خلال الربع الأول من عام 2020.

في نفس السياق، يعتبر قطاع تصنيع السلع المعمرة، والسيارات، والأدوات الإلكترونية والكهربائية، من القطاعات الرئيسية في العالم، خاصة في الاقتصاديات الناشئة التي يتمركز أغلبها في شرق آسيا مثل الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، التي هي في الأساس من أوائل الدول التي أصابها الوباء، بالإضافة إلى الشركات الصناعية الكبرى في الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية. وعليه فإن انقطاع الإمدادات نتيجة لتفشي الفيروس، من المتوقع أن يؤدي إلى تباطؤ العملية الإنتاجية، مما يؤدي إلى صدمات عرض أكبر في دول العالم.

 

التجارة الدولية

أصيبت حركة التجارة الدولية بالشلل خلال فترة وجيزة من تفشي فيروس كورونا، مما أثر بدوره على كل من الصادرات والواردات، وتوقعت منظمة التجارة العالمية تباطؤ حركة التجارة السلعية حول العالم في الأجل القصير نتيجة للاضطرابات الناتجة عن تداعيات الفيروس لظروف عدم اليقين وإغلاق الحدود بين الدول، بما في ذلك دول الاتحاد الأوروبي.

وتشير التقارير إلى أن تجارة الخدمات في العالم تشهد تباطؤًا ملحوظا منذ عام 2019، حيث انخفض معدل نموها من 4.7 في المائة في الربع الأول لعام 2019. إلى نحو 2.8 في المائة في الربع الثالث لعام 2019. ومن المتوقع أن يتواصل الانخفاض، لا سيما أن تفشي فيروس كورونا أثر سلبا في الأجل القصير على عدد من الخدمات المهمة التي تمثل أساسا لميزان مدفوعات الدول مثل خدمات النقل الجوي، وخدمات السياحة اللتين تعتبران من أكثر القطاعات تأثرًا بتفشي الفيروس.

 

السياحة

بالنسبة لقطاع السياحة، يعتبر السائحون الصينيون من أهم جنسيات السائحين في عدد من دول العالم، وبالتالي فإن انتشار الفيروس من المؤكد أن يخفض الإيرادات المتوقعة لشركات السياحة حول العالم التي تُعد أسواقا سياحية للصين من أهمها اليابان، وكوريا الجنوبية، وعدد من الدول العربية. مما يؤثر على ميزان المدفوعات الذي لن ينحصر فقط في الأثر السلبي على قطاع السياحة، بل سيطال كذلك قطاع الفنادق الذي سجل خسائر في الصين، حيث تم إلغاء غالبية حجوزات الفنادق بعد الإعلان عن تفشي الفيروس مما كبد القطاع السياحي في الصين خسائر فادحة.

وليس من المتوقع أن يسترد القطاع السياحي عافيته خلال الفترة المتبقية من عام 2020، حيث قد يمتد الأثر إلى نهاية عام 2021. فربما يبدأ في استرداد عافيته لكن ليس بمستوى ما كان عليه قبل الأزمة حتى في حال انحسار الفيروس، نظرًا للانطباع السلبي حول المرض الذي سيطر على السياح العالميين. في هذا الصدد، من المتوقع أن يتغير ترتيب دول العالم في مؤشر تنافسية السفر والسياحة.

 

 

سوق النفط العالمي

ويشير تقرير صندوق النقد العربي إلى أنه قبل تفشي كورونا سجلت الزيادة في مستويات الطلب العالمي على النفط انخفاضا في عام 2019 لتصل إلى نحو 0.083 مليون برميل يوميا بما يعكس تباطؤ النشاط الاقتصادي العالمي. 

في أعقاب انتشار فيروس كورونا، قامت منظمة الأوبك بمراجعة تقديراتها لمعدل نمو الطلب العالمي على النفط بالخفض في شهر مارس (آذار) إلى نحو 0.06 مليون برميل في اليوم، مما يعكس تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي المرتبط بانتشار فيروس كورونا خارج الصين.

وكان لانتشار الفيروس تأثيرات سلبية على حركة النقل والطلب على الوقود في عدد من القطاعات الاقتصادية ومن أهمها الصناعة في مختلف البلدان والمناطق الأخرى خارج الصين، مثل اليابان وكوريا الجنوبية ودول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في أوروبا والشرق الأوسط. ومن المتوقع أن يبلغ الطلب الإجمالي على النفط 99.73 مليون برميل في اليوم في عام 2020.

من جانب آخر، تم تعديل توقعات الزيادة في مستويات المعروض النفطي العالمي في عام 2020 بمقدار 0.09 مليون برميل يوميا ليصل إلى نحو 1.99 مليون برميل يوميا.

وأشارت منظمة الأوبك في تقريرها الشهري الصادر في مارس الماضي إلى أن أسواق المنتجات النفطية في الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي تأثرت سلبيا بتفشي الوباء لا سيما وقود الطائرات نتيجة للاضطرابات التي لحقت بقطاع النقل الجوي بعد انتشار الفيروس خارج الصين. كما تأثر صافي إيرادات مصافي التكرير النفطية في عدد من المناطق حول العالم خاصة في آسيا. 

من ناحية أخرى، تأثر قطاع النقل النفطي سلبا بالتطورات المرتبطة بتفشي فيروس كورونا مما أدى إلى توقعات غير تفاؤلية بشأن مستقبل إنتاج ونقل النفط العالمي، حيث أدت الاضطرابات الناجمة عن التدابير الرامية إلى وقف تفشي الوباء في الصين إلى انخفاض حاد في الأنشطة الاقتصادية، بما في ذلك تشغيل المصافي، مما أثر على واردات النفط الخام وأسعار الشحن.

 

الدول العربية

ويؤكد صندوق النقد العربي أنه بحكم العلاقات التجارية القوية بين الدول العربية وباقي دول العالم وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي والصين وانكشاف الدول العربية على الاقتصاد العالمي أكثر من غيرها من مجموعات الدول الأخرى، سوف تطال تداعيات فيروس كورونا غالبية الدول العربية المصدرة والمستوردة للنفط على حدٍ سواء. متوقعا تأثر مستويات النشاط الاقتصادي في الدول العربية نتيجة انتشار الفيروس من خلال عدد من القنوات، أهمها تأثر مستويات الطلب الخارجي التي تساهم بنحو 48 في المائة من الطلب الكلي في الدول العربية علاوة على تأثر الإنتاج في عدد من القطاعات الاقتصادية الأساسية التي تسهم بنحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وتراجع الإنفاق الاستهلاكي والاستثماري، وهو ما سينعكس على بعض الاستثمارات في المرحلة المقبلة.

من ناحية أخرى، تأثر القرار الاستثماري بعدم اليقين بخصوص ما سيؤول إليه الوضع خلال الشهور المتبقية من عام 2020 وهو ما قد يؤدي إلى تأثر المشاريع الاستثمارية القائمة والمخطط لها، نتيجة تباطؤ النمط الاستهلاكي.

 



يعتبر قطاع تصنيع السلع المعمرة كالسيارات، والأدوات الإلكترونية والكهربائية، من القطاعات الرئيسية في العالم. والصورة لخط تجميع سيارات في مصنع سيارات فوكسهول في بريطانيا (غيتي)

 

المالية العامة

يتوقع التقرير أن تواجه الدول العربية خلال عام 2020 تحديات ذات صلة بتداعيات فيروس كورونا على أوضاع المالية العامة، وقد تمتد إلى العام المقبل، نظرًا لحجم الإنفاق الحكومي المتزايد للحد من انتشار الفيروس، وتبقى الأسعار العالمية للنفط أحد المحددات التي تستند إليها تقديرات الموازنة العامة في الدول العربية، وهو ما قد يتطلب مراجعة موازناتها العامة نظرًا للانخفاض المفاجئ لسعر برميل النفط إلى حدود 38 دولارا للبرميل في مارس 2020، فضلاً عن حجم الإنفاق الطارئ على المستلزمات الطبية والقطاع الصحي الذي قد يتزايد بعد المحاولات الجارية باكتشاف أمصال وأدوية لعلاج الأعراض الناتجة عن فيروس كورونا، فضلاً عن التحديات القائمة في هذه الدول قبل ظهور الفيروس.

على مستوى الدول المصدرة للنفط، من المتوقع أن يؤدي انخفاض الأسعار العالمية للنفط إلى إجراء تعديلات على تقديرات موازنة عام 2020 التي دخلت حيز التنفيذ. 

هذا من شأنه أن يقلل من الإيرادات الحكومية للدولة ويتسبب في عجوزات مالية أكبر مما كانت عليه في السنوات السابقة. وبالتالي لتمويل العجز المالي الذي تركه حجم الإنفاق الطارئ على الفيروس، قد تلجأ الدول العربية المصدرة للنفط في الأجل الطويل إلى مصادر تمويل أخرى، مثل الزيادة في الإيرادات الضريبية وتنويع الهياكل الاقتصادية.

ورغم حجم الإنفاق الكبير للدول المصدرة للنفط وخاصة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فإنها قد تستفيد من ميزة الصناديق السيادية التي كونتها من فوائضها المالية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط في سنوات سابقة التي يبلغ إجمالي حجم أصولها 2.978.6 مليار دولار أميركي.

من ناحية أخرى، تواجه الدول العربية المستوردة للنفط ظروفا استثنائية تتمثل في عجز الموازنات العامة وربما تكون الفرصة سانحة للاستفادة من الانخفاض المفاجئ في أسعار النفط لتحقيق وفرة مالية باعتبار أن تقديرات موازنة 2020 التي أجريت في عام 2019 قد بُنيت على فرضيات أسعار مرتفعة نسبياً عن الأسعار الحالية، وهناك إمكانية للدول المستوردة للنفط لعكس هذه الوفرة المتوقعة من فروقات أسعار النفط لتمويل حزم التحفيز والتدابير التعويضية وبالأخص دعم الأفراد والشركات الصغيرة والمتوسطة العاملة في المجالات المتضررة على رأسها النقل الجوي والسياحة، أو قد تلجأ إلى زيادة حجم الإنفاق على القطاع الصحي وخدمات الرعاية الاجتماعية، والضمان الاجتماعي والتحويلات النقدية المباشرة. ويعتبر انخفاض أسعار النفط ميزة سوف تمكن بعض الدول العربية المستوردة للنفط التي تتبنى عملية التحول التدريجي من الدعم غير المباشر على السلع والخدمات الأساسية إلى الدعم النقدي المباشر الموجه إلى مستحقيه.

 

الدين العام

يعتبر موضوع الدين العام أحد أهم الأدوات التي لجأت إليها الدول العربية للتصدي لجائحة كورونا. فبالإضافة إلى الكثير من الإجراءات التي تم تبنيها من قبل البنوك المركزية ومؤسسات النقد العربية لتوفير السيولة اللازمة للجهاز المصرفي لدعم القطاع الخاص، هناك بعض المقترحات بإصدار سندات دين حكومية لدعم جهود الدول العربية لتوفير التمويل المطلوب لمواجهة هذا الوباء. حيث يمثل تفشي فيروس كورونا عبئا إضافيا على حجم الدين العام في الدول العربية سيما وأن الإجراءات الحالية سوف تؤدي إلى زيادة إجمالي الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي خلال الأعوام المقبلة.

من ناحية أخرى، بدأت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية النظر في إصدار سندات دين لدعم جهودها في التصدي لجائحة كورونا، حيث أصدرت قطر سندات سيادية بقيمة 10 مليارات دولار. كما شرعت الكويت في إجراء بعض التعديلات على قانون الدين العام يسمح للحكومة باقتراض نحو 25 مليار دينار كويتي.

وكانت الإمارات قد أعلنت في عام 2019 عن إصدار سندات اتحادية في 2020 وذلك وفقا لمرسوم القانون السيادية، ومساعدة القطاع المصرفي على تلبية قواعد السيولة الدولية بمجرد إصدارها وتطوير سوق الأوراق المالية.

 



خفض عدد من شركات الطيران العربية رحلاتها اليومية في أعقاب انتشار فيروس كورونا. الصورة لفحص درجة حرارة جسم المسافرين في نقطة تفتيش في أربيل (غيتي)

 

خدمات النقل

خفض عدد من شركات الطيران العربية رحلاتها اليومية في أعقاب انتشار فيروس كورونا.

اتخذت شركات الطيران العربية عددا من الإجراءات للحد من انتشار الفيروس، تمثلت في إعفاء المسافرين من الرسوم المفروضة على إلغاء وتأجيل الرحلات.

 

خدمات السياحة

يعتبر القطاع السياحي في الدول العربية من أكثر القطاعات تأثرًا بتداعيات تفشي فيروس كورونا، لا سيما أن 80 في المائة، من القطاع يتكون من الشركات الصغيرة والمتوسطة. نظرًا للجهود الدولية للحد من تفشي فيروس كورونا، والقيود التي فُرضت على حركة السفر والسياحة بين الدول، تأثر قطاع السياحة بصورة مباشرة لا سيما في الدول العربية التي تعتمد عليه كأحد مصادر الإيرادات الهامة للموازنات العامة وكذلك موازين مدفوعاتها.

في الأجل القصير كان الأثر قويا، نظرًا لحالة الارتباك التي سادت القطاع والخسائر التي يتكبدها مقدمو الخدمة في الدول العربية نظير إلغاء بعض الحجوزات من الفنادق. لذلك يعتبر توفير تدابير وإجراءات تعويضية للفاعلين في قطاع السياحة من ضمن الأولويات التي يجب أن تركز عليها الدول العربية نظرا لأهمية القطاع في توفير فرص العمل، ودعم الناتج المحلي الإجمالي، ودعم تجارة الخدمات، ورفد الموازنات العمومية للدول العربية، فضلاً عن توفير العملة الصعبة.

في هذا السياق، سوف تستفيد الشركات العاملة في المجال السياحي من حزمة المزايا والحوافز التي قدمتها بعض المصارف المركزية ومؤسسات النقد العربية في إطار جهودها للحد من انتشار فيروس كورونا خاصة تلك المتعلقة بتأجيل أقساط العمليات التمويلية القائمة، أو الاستفادة من المزايا المُقدمة من الحكومات فيما يتعلق بتخفيض عبء التكاليف التشغيلية، وتقديم حوافز ضريبية.

في الأجل المتوسط والطويل، تمثل خدمات السياحة والسفر إحدى مكونات حساب الخدمات في الميزان الجاري وبالتالي فإن خسائر القطاع سوف تنعكس على موقف حساب العمليات غير المنظورة لميزان المدفوعات. فكلما تمتع الاقتصاد بفائض وافر في حساب التجارة السلعية الصادرات والواردات السلعية.

فإن ذلك سيتيح له تعويض العجز في حساب العمليات غير المنظورة الذي يشمل الخدمات، والدخل، والتحويلات الجارية، وهو ما سوف يسهم في تخفيف أثر تراجع متحصلات قطاع السياحة، والعكس صحيح.

 



توقعت منظمة التجارة العالمية تباطؤ حركة التجارة السلعية حول العالم في الأجل القصير نتيجة تداعيات الفيروس (غيتي)

 

التجارة السلعية

تعتبر الصين أحد أهم الشركاء التجاريين للدول العربية، حيث تشير الإحصاءات إلى أنه حتى عام 2018 تعتبر الصين ثاني أكبر شريك تجاري للدول العربية بوزن نسبي بلغ 13 في المائة عام 2018، وذلك بعد الاتحاد الأوروبي الذي احتل المرتبة الأولى في حركة التجارة السلعية مع الدول العربية بوزن نسبي بلغ 20 في المائة من إجمالي تجارة الدول العربية مع العالم. شهد عجز الميزان التجاري تحسنا في الفترة الأخيرة وبالأخص مع الصين حيث تحول العجز البالغ 38 مليار دولار في عام 2017 إلى فائض قدره 34 مليار دولار عام 2018، في حين سجل موقف الميزان التجاري مع الاتحاد الأوروبي عجزًا قدره 48 مليار دولار مقابل 117 مليار دولار في عام 2017. ومن المتوقع أن يؤثر انتشار الفيروس على موقف التجارة الخارجية للدول العربية مع أبرز شركائها التجاريين.

 

الأسواق المالية العربية

تأثرت الأسواق المالية العربية بتداعيات فيروس كورونا كغيرها من أسواق المال العالمية. كذلك سجلت بعض البورصات خسائر مفاجئة جراء انخفاض أسعار أسهم الشركات الكبرى المُدرجة. وفقا للمؤشر المركب الذي يصدره صندوق النقد العربي الذي يقيس أداء الأسواق المالية العربية مجتمعة، سجلت أسواق المال العربية تراجعا ملحوظا في مارس 2020، حيث تعتبر سوق دبي المالية من أكثر الأسواق تأثرًا.

 

الإنتاج النفطي

تشكل احتياطيات الدول العربية من النفط الخام نحو 57.1 في المائة من الاحتياطيات العالمية، حيث شهد الإنتاج النفطي في الدول العربية انخفاضا بلغ 0.2 في المائة ليصل إلى 712.3 مليار برميل في عام 2018. من ناحية أخرى، يمثل احتياطي الدول العربية من الغاز الطبيعي نحو 27.1 في المائة من إجمالي احتياطيات الغاز العالمي حيث وصل إلى 54.6 تريليون متر مكعب في عام 2018 بزيادة قدرها 0.6 في المائة.

من ناحية أخرى، بلغ إنتاج أوبك من النفط الخام نحو 27.84 مليون برميل يوميا في فبراير (شباط) 2020، بانخفاض 510 براميل يوميا عن بيانات يناير (كانون الثاني) 2020. يعتبر هذا المستوى أقل مستوى للإنتاج النفطي خلال الخمس سنوات السابقة. يعزى ذلك إلى توقف إمدادات النفط من ليبيا بسبب الأوضاع الداخلية وإغلاق الموانئ وحقول إنتاج النفط بسبب تفشي فيروس كورونا إلى جانب التزام الدول العربية بشكل عام باتفاق «أوبك+» لتعديل كميات الإنتاج لضمان توازن السوق. ومن المتوقع أن يتأثر إنتاج الدول العربية من النفط خلال عام 2020 بعدد من العوامل من أهمها التوقعات بركود النشاط الاقتصادي العالمي والتطورات فيما يتعلق بـ«اتفاق أوبك+» الذي تستهدف دول أوبك من ورائه ضمان توازن السوق النفطية.

 

أولويات السياسة

الأولوية القصوى هي إنقاذ الأرواح؛ حيث ينبغي استيعاب الإنفاق الأساسي على الصحة، بغض النظر عن الحيز المالي. أما النفقات غير الأساسية فينبغي تأجيلها لإيجاد الحيز اللازم للتصرف. وقد يلزم توفير التمويل الخارجي والدعم من الجهات المانحة.

يجب توفر السياسات الحمائية لمحركات النمو، مع تخفيف الأثر الواقع على الأسر، والقطاعات الأشد تضررا، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة: فيجب أن تكفل سياسة المالية العامة توفير شبكات الأمان الاجتماعي الكافية، وتقديم مساعدات التخفيف الضريبي، وإعانات الدعم، والتحويلات المؤقتة والموجهة للمستحقين. وينبغي أن تضمن السياسات النقدية والمالية تلبية احتياجات السيولة مع الحفاظ على السلامة المالية.

في المرحلة المقبلة، يجب أن يتمثل الهدف المنشود في وضع الاقتصاد على مسار تحقيق النمو المستدام، وسيتطلب هذا استعادة الثقة، عن طريق توفير دعم واسع النطاق على مستوى المالية العامة والسياسة النقدية حيثما توافر الحيز اللازم، وطلب المساعدة الخارجية في حالة ضيق الحيز المتاح. ولا ينبغي إلغاء هذا الدعم إلا إذا كان الاقتصاد ماضيا بالفعل على مسار التعافي؛ وينبغي تجنب اللجوء إلى السياسات الحمائية.

آراء خمسة من الخبراء الأميركيين بشأن انخفض سعر برميل النفط العالمي 

 

واشنطن: محمد علي صالح

 

يوم الاثنين الماضي، انخفض سعر برميل النفط العالمي إلى أقل من صفر دولار. وتسبب ذلك في انهيار شديد في الطلب. رغم أن الأميركيين لاحظوا أن ذلك لم ينعكس، ولو بفرق نصف دولار، على سعر الغاز في محطات الوقود.

قاد الانهيار المفاجئ في السعر، نفط خام غرب تكساس، الذي، عادة، يلعب دور الوسيط في عقود النفط الآجلة. وكانت هذه عقود النفط الذي سيسلم في مايو (أيار)، رغم وفرته في جميع أنحاء العالم.

هذه آراء خمسة من الخبراء الأميركيين، من تغريداتهم، ومواقعهم، ومقابلات صحافية:

 



ريد موريسون

 

ريد موريسون، خبير في شركة «برايس ووترهاوس» في الاستثمارات والتأمينات في مجالات النفط والطاقة:

«هكذا، يبدأ سوق النفط عملية مؤلمة، وطويلة، ومعقدة، لموازنة العرض مع الطلب. لكن، مع توقعات أقل للطلب، تبلغ نحو 70 مليون برميل في اليوم. لهذا، يظل الوضع الاقتصادي مغلقا، مع عدم وجود وضوح حقيقي حول ما ينتظرنا في المستقبل. لا يوجد سبب لنتوقع زيادة في الطلب على المدى القريب.

لهذا، نتوقع إعلانات كثيرة، وطويلة، ومؤلمة، لشركات نفط، أو لها صلة بالنفط، تعلن إفلاسها، حسب البند السابع.

تتفاقم المشكلة لأنه، حسب البند السابع (إعلان الإفلاس)، لا بد من وجود جهة مالية تدعم الإعلان. أين توجد هذه؟ ولدعم النفط الصخري الذي صار مكلفا جدا؟».

 



أبهي راجندران

 

أبهي راجيندران، خبير في مركز سياسة الطاقة العالمية (سي جي بي آي) في جامعة كولومبيا (نيويورك)، ومدير شركة «إنيرجي أنتليجنس» (استخبارات الطاقة) في نيويورك:

«سواء كان عقد مايو (أيار)، أو يونيو (حزيران)، أو غيرهما، فإن انخفاض السعر التاريخي كارثة كبرى.

لقد حان الوقت للاستيقاظ لاحتمال إنتاج فقط مليوني برميل يوميا. سيقل كثيرا الإنتاج الأميركي، خاصة بسبب ما يحدث خارج الولايات المتحدة. يمكن القول إن النفط الصخري سيتأثر، لكن الحقيقة أنه تأثر، من قبل «كورونا». لا يحتاج أي شخص إلى ذكاء مفرط ليقول إن فيضان النفط العادي يقلل من الرغبة في البحث عن نفط تحت الصخور».

 



جايانا بيرن

 

جايانا بيرن، أستاذة المال في قسم الأعمال في جامعة نوتردام (ولاية إنديانا)، وكانت مديرة شركة استثمارات «فتش»، في قسم أميركا اللاتينية:

«ناهيك عن سعر مايو (أيار)، أشك في أن سعري يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) سيستقران. وذلك لأنه صار واضحا أنهما يعكسان زيادة الطلب على البنزين، ووقود الطائرات فقط. بينما يظل الطلب في قطاع النقل في حالة جمود.

لا أحد يريد النفط في مايو (أيار)، لأنه لا يوجد أي مكان لخزنه. هذا هو السبب في أن المضاربين الذين أبرموا عقودًا لتسليم ذلك الشهر، واجهوا خيارات قليلة يوم الاثنين الماضي. فقرروا ابتلاع الخسائر، آملين في تحسن فيما بعد مايو».

 



 ويل إنغلند

 

ويل إنغلند، محرر الشؤون الاقتصادية في صحيفة «واشنطن بوست»، ومؤلف كتاب «على حافة الحرب والثورة» عن روسيا، عندما كان مراسل الصحيفة هناك:

«ما حدث كان عابرًا، ورمزيًا، أكثر من أي شيء آخر. ولن يكون له تأثير كبير على سعر البنزين في محطات الوقود. لكن، ما حدث أوضح قدرة كورونا على تدمير، ليس فقط صحة الناس، بل اقتصاد العالم.. يأتي هذا مع قرارات شركات النفط الأميركية الكبرى بتخفيض الإنفاق على الآبار الجديدة بنسبة 30 في المائة، وأحيانا بنسبة 50 في المائة. ومع قرارات تسريح المزيد والمزيد من العمال. فعلا، بدأت بعض الشركات في إغلاق آبارها.

قد يكون ما حدث عابرا، لكنه مثل هزة زلزال عنيف».

 



كيفين كريمر

 

السيناتور كيفين كريمر (جمهوري، من ولاية ساوث داكوتا)، ورئيس اللجنة الفرعية للطاقة:

«ما حدث اليوم (الاثنين)، خطر كبير، يهدد، ليس فقط قطاع النفط والغاز، ولكن، أيضا، كل الاقتصاد الأميركي. وبالتالي، أمننا الوطني، إذا لم يستطع هذا القطاع أن يتعافى.

يؤكد الانخفاض الكبير المثير عدم قدرتنا على السماح للدول الأجنبية بإغراق السوق، لا سيما بسبب انخفاض سعة التخزين عندنا. في الوقت الحاضر، يوجد أكبر عدد من ناقلات النفط في طريقها إلى شواطئنا. لم يحدث هذا منذ سنوات. لهذا أدعو الرئيس ترامب لمنع هذه الناقلات من تفريغ حمولاتها في الموانئ الأميركية».