حزب الله والانقضاض على ما تبقى من لبنان

* بعد أن أصبح حزب الله متحكماً بالكامل في الرئاسات الثلاث مع تشكيل حكومة حسان دياب، يتفرغ للانقضاض على آخر ما تبقى من لبنان كما عرفناه، وهو اقتصاده الحر والقطاع المصرفي
* حزب الله يستغل معاناة اللبنانيين بسبب أزمة اقتصادية هو من المسؤولين الرئيسيين عنها، ويستغل غضبهم من جشع المصارف ليوصل رسائله إلى القطاع المصرفي كي يذعن لمصالحه

نجح حزب الله خلال العقدين الأخيرين في فرض سيطرته على لبنان ومؤسساته الدستورية، وكانت بداية مسلسل السيطرة يوم استطاع حزب الله التفلت من القرار الدولي 1559 الصادر عن مجلس الأمن في صيف عام 2004. والقاضي بنزع سلاح الميليشيات، فاستفاد من رهان اللبنانيين على إمكانية فك ارتباطه بإيران والتزامه بالدستور من خلال الحوار اللبناني- اللبناني.
جاء اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، وما تبعه من اغتيالات وعمليات إرهابية في لبنان، وانسحاب للجيش السوري، وضغوطات دولية على نظام الأسد في دمشق ونية اللبنانيين بإعادة الاستقرار للبنان بعد الانسحاب السوري لتعطي فرصة للحزب للمناورة لالتقاط أنفاسه، وبدء مشروعه بقضم الدولة اللبنانية.
ورط لبنان في حرب يوليو (تموز) 2006. تلك الحرب التي لا يزال لبنان يدفع تبعاتها اقتصاديا، ليقول بعدها أمين عام حزب الله حسن نصر الله عبارته الشهيرة «لو كنت أعلم»، فبعد صدور القرار الدولي 1701 الذي أوقف العدوان الإسرائيلي وأبعد حزب الله (ولو نظريًا) عن الحدود الجنوبية، ارتد الحزب إلى الداخل اللبناني، ليقول الأمر لي، فاجتاحت ميليشياته بيروت والجبل في مايو (أيار) 2008 اعتراضا على قرارات حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، وما لم يستطع تحقيقه عسكريًا حققه من خلال اتفاق الدوحة؛ فبعد أن كان الحزب يمنع انعقاد جلسات مجلس النواب لانتخاب رئيس للجمهورية، وبعد إقفال مجلس النواب لأكثر من عام من قبل رئيسه نبيه بري حليف حزب الله، كي لا تتمكن الأغلبية النيابية من انتخاب رئيس للجمهورية يلبي تطلعات لبنان بالسيادة والحرية، استطاع بعد اجتياحه بيروت والجبل من خلال اتفاق الدوحة من فرض انتخاب «رئيس توافقي» وانتزاع بدعة «الثلث المعطل» في الحكومة اللبنانية، مما سمح له بالتحكم في قرارات الحكومة اللبنانية، مقابل سحب ميليشياته من شوارع بيروت والجبل والتعهد بعدم توجيه سلاحه مجددا إلى الداخل اللبناني، وعدم استخدام ورقة الثلث المعطل بإسقاط الحكومة.
كعادته لم يلتزم الحزب بتعهداته، استقال وزراؤه ووزراء التيار الوطني الحر وحركة أمل من حكومة سعد الحريري، فسقطت الحكومة باستقالة أكثر من ثلث أعضائها، ونزلت لاحقا عناصر ميليشيات حزب الله بقمصانهم السوداء ليرهبوا اللبنانيين والنواب ويفرضوا لاحقًا تسمية الرئيس نجيب ميقاتي رئيسًا للحكومة.
بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان في العام 2014، عاد حزب الله ليعطل مجددا انتخاب رئيس للجمهورية، وليضع شرطًا لملء الفراغ الرئاسي وهو انتخاب العماد ميشال عون رئيسًا. وبعد نحو عامين من الفراغ كان له ما أراد.
لم يكتف حزب الله بفرض سيطرته على موقع رئاسة الجمهورية باتباع سياسة «من أختاره أو لا أحد»، ولا بفرض سيطرته على مجلس الوزراء من خلال فرضه هو وحلفاؤه بدعة الثلث المعطل، فنجح في فرض قانون انتخابي على أساس النسبية يضمن له الأكثرية في مجلس النواب، مستفيدا من سذاجة بعض الخصوم ومن تهديده الدائم: «إما أن يكون ما أريد أو لن تكون انتخابات».
واليوم، وبعد أن أصبح حزب الله متحكماً بالكامل بالرئاسات الثلاث مع تشكيل حكومة الرئيس حسان دياب، يتفرغ للانقضاض على آخر ما تبقى من لبنان كما عرفناه، وهو اقتصاده الحر والقطاع المصرفي.
استغل حزب الله انتفاضة 17 تشرين، والأوضاع المعيشية والاقتصادية السيئة ليعطي الزخم لمعركته مع المصارف والتي كان قد بدأها قبل سنوات بهدف ترويضها، وما يحصل مؤخرًا من تدابير مصرفية خانقة بحق اللبنانيين، هو بموافقة ضمنية من الحزب بالطبع.
وتعود مشكلة حزب الله المزعومة مع المصارف وتحديدًا مع المصرف المركزي وحاكمه رياض سلامة إلى العام 2016، فبعد توقيع الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في نهاية العام 2015 قانونا يوسع العقوبات على حزب الله لمنع تمويل أنشطته الإرهابية، ويجيز اتخاذ الإجراءات اللازمة لفرض عقوبات على المؤسسات المالية الأجنبية (ومن ضمنها المصارف) التي تتعامل معه أو تبيض أموالاً لحسابه. أصدر حاكم مصرف لبنان قرارا أعلن فيه التزام المصارف في لبنان بتطبيق العقوبات الأميركية المفروضة على نحو 100 مؤسسة وشخصية محسوبة على «حزب الله».
لم ينتظر حزب الله طويلاً للرد على القانون الأميركي وقرار الحاكم، فما هي إلا أيام قليلة حتى تلقى القطاع المصرفي اللبناني تحذيرا شديد اللهجة، حيث استهدف تفجير المركز الرئيسي لبنك لبنان والمهجر، في عملية كان واضحا أنها رسالة تحذيرية لا تهدف إلى إيقاع إصابات، وكان المصرف المستهدف هو أول من بدأ تطبيق القانون الأميركي.
واليوم يجد حزب الله الفرصة سانحة أمامه لفرض شروطه على القطاع المصرفي، وقد تجلى أول مسعى له بدفع حكومة حسّان دياب إلى تعليق سداد قيمة سندات اليوروبوند المستحقة على الدولة اللبنانية، دون أن تسبق هذه الخطوة أي مفاوضات مع الدائنين، إضافة إلى رفضه بداية التعاون مع صندوق النقد الدولي للتعامل مع الأزمة الحالية عبر نائب أمينه العام نعيم قاسم الذي صرح بأن «الحزب لا يقبل بالخضوع لأدوات استكبارية في العلاج»، في إشارة لصندوق النقد الدولي. ليعود نائب الحزب حسن فضل الله ويصرح بأن موقفهم الرافض «ليس من صندوق النقد الدولي كمؤسسة مالية دولية بل من الشروط المعروضة على لبنان»، ليتبين أن ما يقوم به الحزب هو تأمين مصالحه وإيهام الناس بأنه معهم في مواجهة احتكار المصارف لأموالهم.
كل ذلك كان يترافق مع حملة إعلامية شرسة على القطاع المصرفي، وقد نجح حزب الله بسبب الأوضاع الاقتصادية السيئة من أن يجيش أعدادًا كبيرة من اللبنانيين وبعضهم مناوئ له، من الانضمام إلى هذه الحملة.
مصادر سياسية ومصرفية عدة حذرت مؤخرا من مخطط حزب الله الرامي إلى السيطرة على الحركة الاقتصادية في البلاد، بعد أن صارت له الكلمة العليا في الأمن والسياسة، وبدأت ملامح هذه السيطرة تظهر مع شح الدولار بالأسواق وتوقف أغلب المؤسسات التجارية عن عملها بسبب عدم قدرتها على توفير السيولة اللازمة للقيام بعمليات الاستيراد والتصدير، وتعطيل العمليات التجارية القائمة على التحويلات المصرفية والاعتمادات، وفي الوقت نفسه غزت البضائع السورية والإيرانية السوق اللبنانية، عن طريق تجار تابعين للحزب، حيث يتم إدخال هذه البضائع عبر المعابر التي يسيطر عليها حزب الله. وصار بمقدور حزب الله القيام بأعمال تجارية دون منافسة تذكر، فيستفيد من أرباحها بعيدا عن المصارف وملتفاً على العقوبات، ويؤمن في الوقت نفسه سوقا جديدة للمنتجات السورية والإيرانية، بحيث يتمكن أيضا كلا النظامين، ومن خلال تجار ورجال أعمال مقربين منهم، من الالتفاف على العقوبات.
وللتذكير فإن حزب الله لطالما كان يتلقى الأموال من إيران عبر سوريا بالحقائب، كما سبق وأكد مركز العقوبات والتمويل غير المشروع في معهد الدفاع والديمقراطيات الأميركي. كذلك يتلقى الأموال نقدًا من أعماله غير المشروعة أو من خلال مناصريه في أفريقيا عبر حقائب تأتي بالطائرات ولا تخضع لأي تفتيش بسبب سيطرة الحزب على المعابر.
حزب الله الذي يستغل اليوم معاناة اللبنانيين بسبب أزمة اقتصادية هو أساسا من المسؤولين الرئيسيين عن الوصول إليها، ويستغل غضبهم من جشع المصارف ليوصل رسائله إلى القطاع المصرفي كي يذعن لمصالحه (وليس لمصالح الناس طبعًا) ومرات أخرى على خصومه السياسيين، متبعًا في كثير من الأوقات سياسة «اكذب، اكذب، ثم اكذب حتى يصدقك الناس»، بات قاب قوسين أو أدنى من إعلان سيطرته الكاملة على لبنان وتغيير هويته على كافة الصعد وإلحاقه بالكامل بالجمهورية الإسلامية في إيران، وخصوصا أن لا معارضة موحدة وقادرة على الوقوف في وجه مشاريعه.