ملامح «النموذج الألماني»... وبداية الخروج من الحجر الصحي

في مواجهة فيروس « كورونا» المستجد
* ساهمت بعض الشركات الصناعية بتغيير خط إنتاجها من أجل توفير المعدات والمستلزمات الطبية لمواجهة فيروس كورونا
* عدد كبير من الأطباء والممرضين داخل الجيش، ساهموا عن طريق عمل قيادة مركزية مشتركة بين الجيش وفريق إدارة الأزمة، لتنفيذ المهام بعيداً عن الإجراءات التقليدية أو الروتينية في تنفيذ المهام
* صغر سن عدد المصابين مقارنة بالدول الأخرى، هو العامل الآخر وراء تراجع أعداد الوفيات في ألمانيا
* في مواجهة كورونا قاومت ألمانيا بشكل أفضل من الدول الأوروبية الرئيسية الأخرى.. عدد المصابين مرتفع جدًا، لكن معدل الوفيات أقل بكثير من إيطاليا وإسبانيا أو فرنسا

بون: المقارنة تكاد لا تتوقف بين تجربة ألمانيا في مواجهة «فيروس كورونا» وباقي دول أوروبا والعالم، لقد أبهرت ألمانيا جيرانها الفرنسيين، إلى حد نقل عدد من المرضى، للعلاج في ألمانيا، وكذلك إيطاليا، ولم يتردد البريطانيون، أيضا بتسجيل إعجابهم بالنموذج الألماني.
ربما كانت هناك عوامل، كثيرة، ساعدت ألمانيا، للنهوض بمسؤوليتها، لتكون هي الأفضل، نسبيا في محاربة فيروس كورونا، أبرزها: 
- تاريخ ألمانيا، الذي يعتمد التضامن بين الأفراد داخل المجتمع، خاصة مأساة الحرب العالمية الأولى والثانية.
- التعاضد والتضامن بين الحكومة والقطاع الخاص، حيث ساهمت بعض الشركات الصناعية بتغيير خط إنتاجها من أجل توفير المعدات والمستلزمات الطبية من أجل مواجهة فيروس كورونا.
- إن ألمانيا واحدة من أكبر الدول الصناعية، وتفخر بصناعاتها.
- تعتبر ألمانيا قاطرة الاقتصاد الأوروبي، وعلى رأس قائمة الدول المتقدمة اقتصاديا.
- النظام السياسي الفيدرالي غير مركزي، يمنح الولايات حرية التحرك والمرونة أكثر.
- البنى التحتية في مجال الصحة والرعاية الاجتماعية، حيث إن ألمانيا كانت متقدمة على شقيقاتها، بتقديم الرعاية الصحية، وخاصة إلى الكبار في السن، فهي تمتلك أكثر من أربعين ألف سرير وجهاز إنعاش، ومراكز طوارئ عبر البلاد، مقارنة بفرنسا ودول أوروبا، التي تملك كل منها نحو خمسة آلاف سرير.
- إعداد وتدريب الجيش الألماني على المهام اللوجستية، أكثر من المهام الحربية، ومنها إنشاء مستشفيات ميدانية، وطائرات نقل مصابين... وعدد كبير من الأطباء والممرضين داخل الجيش، ساهموا عن طريق عمل قيادة مركزية مشتركة بين الجيش وفريق إدارة الأزمة، لتنفيذ المهام بعيدا عن الإجراءات التقليدية أو الروتينية بتنفيذ المهام.
- نقاط دعم لوجستي؛ حيث أنشأ الجيش الألماني أربع نقاط دعم لوجستي في عموم ألمانيا لنقل المصابين ودعم الجهود في محاربة كورونا.
- استجابة المواطن الألماني للحكومة، وتعزيز ثقة المواطن في الحكومة، ومن ثم تنفيذ الإجراءات والقرارات، التي تصدرها.
- الشفافية واحترام الخصوصية خلال أزمة كورونا، حتى تطبيق الـGPSتركته اختياريا للمواطن، من أجل الكشف عن دائرة علاقات المصابين.
- فرض رقابة مشددة على محركات الإنترنت، لتخفيف القرصنة و«الهاكرز»، وحذف الأخبار الكاذبة أو الروابط المزيفة.
- الإغلاق شبه التام إلى البلاد، واعتماد التباعد الاجتماعي والإنترنت في إدارة الأمور.
- ضخ الأموال.
- البنى التحتية للمعامل الخاصة بالتحليلات البيولوجية، أبرزها معهد باستور، المرتبط باالحكومة الفيدرالية.. ويذكر أن المعهد عرف بتحليلات الكشف عن عصيات كوخ والتدرن الرئوي عبر التاريخ، وهي ليست بعيدة عن أعراض فيروس كورونا من وجهة نظر الخبراء والأطباء.


 
التصدي لكورونا
تساءل «ستانيسلاس فاساك» عن ملامح «النموذج الألماني» في تحليل مطول يوم الرابع من أبريل (نيسان) 2020 لإذاعة «فرانس كولتور» الثقافية التابعة لراديو فرنسا، في احتواء كورونا، وكتب محاولا رصد عناصر قوة المسار الألماني: «في مواجهة كورونا قاومت ألمانيا بشكل أفضل من الدول الأوروبية الرئيسية الأخرى.. عدد المصابين مرتفع جدًا، لكن معدل الوفيات أقل بكثير من إيطاليا وإسبانيا أو فرنسا». وأضاف الكاتب أن «كفاءة النظام الفيدرالي الألماني تفسر جزئيًا هذه النتائج الجيدة».
وعن سبب قلة عدد فحوصات كورونا في بريطانيا مقارنة بألمانيا، فإن ألمانيا تحلل ثمانين ألف عينة في اليوم الواحد، ويصل العدد في بريطانيا إلى ثمانية آلاف عينة فقط وفقًا لصحيفة «ذي صن» البريطانية. والمختبرات في بريطانيا تُظهر النتائج في خلال أربعة أيام، في حين تحصل المختبرات الألمانية على نتيجة التحليل في نفس اليوم.
وكان عالم الفيروسات الألماني «كريستيان دورستن»، وهو أيضًا قائد الفريق الطبي الذي طور أول اختبار لكورونا بجامعة «شاريتيه» ببرلين، كان قد صرح لوكالة «أسوشييتد برس» أن سبب انخفاض معدل الوفيات في ألمانيا مقارنة بدول أخرى رغم ارتفاع نسبة الإصابات هو أن ألمانيا تجري اختبارات فيروس كورونا على نطاق واسع جدًا؛ فبحسب تصريحات دورستن: «تجري ألمانيا نحو نصف مليون اختبار فيروس كورونا في الأسبوع الواحد».(1)
 
أجهزة التنفس الصناعي
تفوقت ألمانيا أوروبيًا في عدد أجهزة التنفس الصناعي وعدد الأماكن المتاحة بأقسام العناية المركزة في المستشفيات ما قبل أزمة كورونا. ففي حين يوجد بفرنسا سبعة آلاف مكان، يوجد في إيطاليا خمسة آلاف وفي بريطانيا أربعة آلاف فقط في هذه الأقسام. وفي المقابل يتوفر في ألمانيا نحو خمسة وعشرين ألف سرير مع أجهزة تنفس صناعي في أقسام العناية المركزة.
 
صغر سن عدد المصابين
إن صغر سن عدد المصابين مقارنة بالدول الأخرى، هو العامل الآخر وراء تراجع أعداد الوفيات في ألمانيا. يقول معهد روبرت كوخ الألماني، إن نسبة 80 في المائة من إجمالي المصابين تقل أعمارهم عن ستين عامًا.(2)
إن الشباب الأصحاء الذين يصابون بكورونا يتعافون أسرع نسبيًا من الأكبر سنًا. يُضاف إلى ذلك قدرة ألمانيا على إجراء الفحوصات المبكرة على الحالات المشتبه فيها وفقا إلى «فايننشيال تايمز».
 
الفحوصات
في هذا السياق يقول لوتار فيلر، مدير معهد روبرت كوخ، إن المختبرات الألمانية تجري نحو 16 ألف فحص في الأسبوع، وهو رقم أكبر من الفحوصات الإجمالية التي قامت بها بعض الدول الأوروبية منذ بدء الأزمة.(3)
 
معامل مختبرية
ويسعى باحثون بقسم بيولوجيا العدوى بمعهد ماكس بلانك الألماني للأبحاث العلمية للتحقق من فعالية مصل ابتكره باحثون بالمعهد ويحمل اسم «VPM1002»، في الحماية من الإصابة بفيروس كورونا المستجد «سارس كوف-2» (SARS-CoV-2). وكان قد تم تطوير هذا المصل أساسا للوقاية من الإصابة بمرض السل.(4)
وقالت وزارة الصحة الألمانية إنها تختبر 300 ألف شخص أسبوعيًا في ألمانيا. لقد أجرت بالفعل اختبارات أكثر بكثير من إيطاليا، المركز الأوروبي للوباء. في حين أن هذا جهد ضخم، على افتراض أن كل مقيم ألماني سيتم اختباره مرة واحدة، سيستغرق الأمر 3 سنوات لاختبار جميع السكان. ويعمل علماء الفيروسات الألمان حاليًا على اختبار لتحديد ما إذا كان الشخص الذي تم استرداده لديه أجسام مضادة تجعله محصنًا ضد الفيروس. ومع ذلك، فإن الإجماع العلمي في الوقت الحالي هو أنه لا توجد طريقة لقياس طول أو قوة هذه الحصانة، مع اختلاف التقديرات على نطاق واسع من بضعة أسابيع إلى عام. لذلك، لا تعتبر الحكومة الألمانية هذه الشهادات جادة كوسيلة لمكافحة انتشار المرض.
كما أن معدل الوفيات في ألمانيا منخفض للغاية بسبب التخطيط المتقدم ونظام رعاية صحية ممتاز.
في الواقع؛ لدى ألمانيا نظام رعاية صحية عام قوي يبدو الآن أنه يتغلب على العاصفة. ومع ذلك، كما هو الحال في الكثير من البلدان، يشير المهنيون الطبيون في الرعاية التنفسية والعناية المركزة إلى أنهم مرهقون بشكل كبير، وهناك خطر نفاد المعدات الواقية.
ألمانيا لديها ما يكفي من المستشفيات، إلا أنها تعاني من نقص مزمن في العمالة، وطلاب الطب يساعدون الآن في الوحدات الأكثر ضغطًا.
وغالبًا ما يُشار إلى الإحصاءات حول عدد أسرة العناية المركزة في البلاد كدليل على استعداد ألمانيا المتفوق للتعامل مع هذه الأزمة. ومع ذلك، أفاد مسؤولون ألمان عن أرقام متباينة؛ حيث تقول الرابطة الألمانية للمستشفيات أن هناك 40000 سرير، وهو ما يعادل 49 سريرا لكل 100 ألف من سكان ألمانيا البالغ عددهم 82 مليون نسمة. يقول مسجل أسرة العناية المركزة إن هناك 24000 سرير، أي نحو 29 لكل 100000 شخص فقط. وفق تقرير «دوتش فيللة» الألمانية بعنوان Germany’s coronavirus response.(5)
وفي هذا السياق يؤكد هندريك ستريك، مدير معهد علم الفيروسات في مستشفى بون الجامعي النموذج الألماني بقوله: «كان هناك حديث عن تفوق ألماني»، حيث كان يتلقى البروفسور ستريك مكالمات من زملائه في الولايات المتحدة وأماكن أخرى.(6)
 
دعم الشركات الألمانية للحكومة
الشركات الألمانية الكبرى غيرت من خطوط إنتاجها، من أجل تلبية احتياجات الحكومة من معدات ومستلزمات لمواجهة جائحة كورونا، منها تصنيع أجهزة تنفس وأدوات ومعدات تحتاجها المستشفيات.
وتحتاج المستشفيات الألمانية إلى المزيد من أجهزة التنفس والمعدات الطبية اللازمة، لذلك تقوم الشركة المصنعة الآن ببناء ما مجموعه 16.500 من هذه الآلات الطبية المعقدة للغاية.
 
العودة إلى الحياة الطبيعية تدريجيا
اتخذت ألمانيا خطوة جريئة، وبحذر لبدء عودة ألمانيا ببطء إلى وضعها الطبيعي، مما يسمح بإعادة فتح بعض المتاجر الصغيرة الأسبوع المقبل ويبدأ الأطفال في العودة إلى المدرسة في أوائل مايو (أيار) 2020. وستبقى معظم الإجراءات التقييدية سارية على الأقل حتى الثالث من شهر مايو 2020، وستقتصر الكثير من جوانب الحياة العامة على الأسابيع والأشهر القادمة. كما ستبقى المطاعم والصالات الرياضية والحانات مغلقة إلى أجل غير مسمى ولن يُسمح بأي أحداث كبيرة مثل مباريات كرة القدم والحفلات والمهرجانات قبل نهاية أغسطس (آب) على أقرب تقدير.
وفي هذا السياق، قالت ميركل يوم 21 أبريل 2020 إن ألمانيا ستحتاج إلى تخفيف القيود في «خطوات صغيرة»، لقد حققنا بعض التقدم ولكن يجب علي أن أؤكد أن هذا التقدم هش. هذا هو الموقف الذي يكون فيه الحذر هو أمر اليوم وليس الحماقة».
 
وتتضمن الإجراءات الجديدة التي تعتمدها ألمانيا مع عودة الحياة شبه الطبيعية ما يلي:

  • قواعد المسافة الاجتماعية، لحماية أكثر السكان ضعفا. 
  • إعادة فتح محلات مصففي الشعر اعتبارًا من 4 مايو. 
  • منع خدمات الكنيسة. 
  • أن تظل الحانات والنوادي والمطاعم ودور السينما والفنادق مغلقة. 
  • زيادة عدد الكوادر الصحية. 
  • تطوير تطبيق تتبع جهات الاتصال. 
  • زيادة الاختبارات إلى أكثر من 650 ألفا في الأسبوع(7)

 
بعض الإجراءات الجديدة لعودة الحياة الطبيعية في ألمانيا
- قررت حكومة ولاية برلين الألمانية السماح بتنظيم المظاهرات محدودة العدد والصلوات الجماعية وذلك بعد حظرها لأسابيع بسبب جائحة كورونا.
- في أعقاب جلسة حكومة ولاية برلين، قال كلاوس ليدرر، وزير ثقافة الولاية يوم 21 أبريل 2020 إنه اعتبارا من الرابع من مايو المقبل، سيتم السماح بالتجمعات في الهواء الطلق بشرط أن لا يزيد عدد المشاركين فيها على 50 شخصًا والالتزام بقواعد النظافة الصحية والتباعد الاجتماعي.
- واعتبارًا من يوم 21 أبريل 2020، خفضت برلين الحظر الشامل القائم حاليًا على نطاق واسع في الولاية، حيث سيسمح بتنظيم مظاهرات بمشاركة 20 شخصًا كحد أقصى، مع إمكانية السماح باستثناءات في حالات خاصة.
- وقرر برلمان الولاية أيضًا إلى جانب الولايات الألمانية الأخرى، إعادة افتتاح المحلات التي تقل مساحتها عن 800 متر مربع علاوة على حديقة حيوان برلين، وتقرر أيضًا السماح للأطفال الذين يعيشون مع أحد الوالدين بالذهاب إلى دور رعاية رياض الأطفال، كما أن بوسع سكان برلين التمرين والتريض في المناطق المفتوحة، مع مراعاتهم لشروط الصحة العامة والمحافظة على المسافة الوقائية المطلوبة من الآخرين.(8)
- وفي هذا السياق، أوصت أكاديمية ليوبولدينا التي تستند إلى آراء عدد كبير من الاختصاصيين، بإنهاء إغلاق المؤسسات التعليمية المستمر منذ 16 مارس (آذار) «في أسرع وقت ممكن»، والبدء بالمدارس الابتدائية والثانوية. أما الامتحانات المدرسية فيمكن أن تجرى بما تيسّر، في حين يوصى بإبقاء غالبية دور الحضانة مغلقة.(9)
- ومن أجل العودة للحياة الطبيعية فرضت العاصمة الألمانية برلين اعتبارًا من 27 أبريل 2020 ارتداء الكمامات في وسائل النقل العام للوقاية من الإصابة بفيروس كورونا المستجد، لتنضم بذلك إلى غالبية الولايات الألمانية، وفق ما أعلن عنه رئيس بلديتها ميشائيل مولر. وأوضح مولر أن وضع الكمامة سيكون «إلزاميًا» لأنه في وسائل النقل «لا يمكن ضمان مسافة لأمتار عدة بين فرد وآخر».
- وفرضت ولاية بافاريا ارتداء الكمامات مؤخرا أثناء التسوق وركوب وسائل النقل العام، كما أعلن رئيس وزراء الولاية ماركوس زودر يوم أمس حسبما نقلت صحيفة «بيلد» الألمانية، باعتبار أن تغطية الأنف والفم تكبح انتشار الفيروس.
- بعض الولايات، قررت إلزام المواطنين بارتداء الكمامات خلال التسوق في المتاجر أو ركوب المواصلات العامة. وقررت ولايات بادن - فورتمبرغ وشليزفيغ هولشتاين وهامبورغ الانضمام إلى سابقاتها، ساكسونيا وميكلنبورغ - فوربومرن وبافاريا، في تطبيق هذا الإلزام.(10)
 
الخاتمة
تبقى تجربة ألمانيا في مواجهة جائحة كورونا، تجربة رائدة، تحتاج الاهتمام، إلى حد الآن، لكن هناك مخاطر أن تتعرض ألمانيا إلى انتكاسة صحية في مواجهة الجائحة، ربما في أعقاب فتح الأسواق وتجمع الناس في المناطق المزدحمة والمغلقة، دون مراعاة شروط الوقاية، وهذا يعني أن ألمانيا تختبر الآن إجراءاتها بعودة الحياة الطبيعية.
وفي الأسابيع القليلة القادمة، سوف تكشف تجربة ألمانيا، ولربما تنجح بتعزيز هذه الصورة، فالتحدي هو مدى قدرة ألمانيا، بالحد من انتشار الإصابات، رغم ما تقدمه من إجراءات وتدابير في تنفيذ التحليلات الوقائية الاستباقية، وتبقى «استراتيجية» ألمانيا قائمة على «الوقاية» مع تصعيد عدد التحليلات المرضية في المعامل المختبرية، إلى جانب توفير أجهزة الإنعاش ومستلزمات الوقاية.