في انتظار «قيصر».. سوريا بين العقوبات و«ذا سبلاش»

* فات من يدعو إلى رفع العقوبات عن نظام الأسد، أن النظام ومعه روسيا يستغلان أزمة وباء كورونا سياسيا، خصوصا أننا أمام أسابيع قليلة قبل دخول قانون قيصر حيز التنفيذ

 
«هدية لأسماء الأسد بـ27 مليون يورو... فضيحة في سوريا بعد اتهامات روسية»، هكذا عنونت صحيفة «ليبيراسيون» الفرنسية، مقالاً تحدث فيه عن شراء رئيس النظام السوري بشار الأسد لوحة «ذا سبلاش» لزوجته. 
ونقلت «ليبيراسيون» عن صحيفة قالت إنها مقربة من الكرملين، أنّ «الديكتاتور السوري قدّم لزوجته أسماء، لوحة رسمها الفنان البريطاني ديفيد هوكني، يبلغ سعرها 27 مليون يورو، وذلك من مزاد أقيم في لندن».
جريمة جديدة تنضم إلى سلسلة جرائم النظام السوري، ليس لأن فعل اقتناء لوحة صار جريمة، بل لأن هذا النظام المعروف بفساده كان وقبل أيام من انتشار خبر شراء اللوحة بمبلغ 27 مليون يورو، قد أصدر بيانا مشتركا مع الروس صدر عن «مركز التنسيق الروسي والسوري لشؤون عودة اللاجئين»، طالب فيه «المجتمع الدولي بأسره بمنح الحكومة السورية دعما دوليا والضغط على الولايات المتحدة وحلفائها لرفع العقوبات غير القانونية وغير الإنسانية التي تهدف في الواقع إلى إبادة سكان بلد بأكمله».
من قتل أكثر من نصف مليون إنسان، وهجر ما لا يقل عن 12 مليون سوري من منازلهم، يتهم اليوم الآخرين بشن حرب إبادة على السوريين.
في الواقع، وبينما انشغلت حكومات العالم باتخاذ إجراءات وتدابير لوقاية مواطنيها من خطر وباء كوفيد-19، كان النظام السوري يتابع ما بدأه قبل تسع سنوات وهو قيامه بحرب إبادة فعلية ضد مواطنيه، السبب الحقيقي لفرض عقوبات عليه وعلى داعميه.
لم يشعر النظام بضغط حقيقي، فلم يبادر لا إلى إطلاق سراح المعتقلين في سجونه، وهم الذين يزيد عددهم على المائة والثلاثين الفا، كما توثق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، يعيشون في ظروف غير إنسانية تشهد عليها صور سيزر، لا بل على العكس من ذلك، ورغم مطالبة الأمم المتحدة وعدد من المنظمات الوطنية والدولية بضرورة الإفراج عن معتقلي الرأي والموقوفين احتياطياً والذين تتجاوز أعمارهم الستين عاماً، وقيام عدد من دول العالم بذلك، إلا أن نظام الأسد لم يرفض إطلاق سراح المعتقلين فقط بل واستمر بحملات الاعتقال التعسفية.
روسيا بدورها التي شاركت في قتل آلاف المدنيين وقصف المستشفيات وحصار مدن وقرى سوريا مات المئات من سكانها إما جوعاً وإما بسبب النقص الحاد في الأدوية، وروسيا نفسها التي تعرقل إدخال المساعدات الإنسانية والتي عارضت مع الصين في مجلس الأمن في ديسمبر (كانون الأول) الماضي مشروع قرار لتمديد العمل بالقرار رقم 2165 الذي يسمح للأمم المتحدة بإدخال المساعدات الإنسانية عبر الحدود، وعادت لاحقاً وبعد ضغط وجدل واسعين للموافقة على تمديد العمل بالقرار، ولكن لمدة ستة أشهر فقط، ومن معبرين حدوديين اثنين فقط.
نظام الأسد وروسيا اللذان يريان أن العقوبات تهدف لإبادة الشعب السوري، هما نفسهما نظام الأسد وروسيا اللذان شنا هجوماً وحشياً على إدلب وما حولها في الأشهر الأخيرة، وتسببا في تهجير وتشريد أكثر من مليون سوري.
في الحقيقة لا مجال لتعداد عدد وحجم الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب السوري على يد نظام الأسد أولا، وطبعاً بمشاركة إيران وروسيا لاحقا.
ولكن استغلال أزمة كورونا أو وباء كوفيد-19 للدعوة لرفع العقوبات عن نظام الأسد أو تخفيفها، هو أولاً استخفاف بحجم المأساة السورية، وثانياً هو جهل بواقع النظام وآلية عمله.
هذا النظام ومنذ اللحظة الأولى لاستيلائه على السلطة في سوريا في العام 1970 وهو يعيش ويعتاش من الفساد، ولم يختلف الأمر بعد أن ورث بشار أباه، فمن أعمدة حكم نظام الأسد نشر الفساد وإفساد من معهم ليستمروا في السيطرة عليهم، حتى بات نشر أخبار فساده يُنشر بصحف وإعلام حلفائه لتوجيه الرسائل، تماما كخبر شراء الأسد لوحة لزوجته.
وخلال الحرب التي يشنها النظام على السوريين، استغل المساعدات الإنسانية، وقد كشفت صحيفة «الغارديان» قبل أعوام، كيف أن الأمم المتحدة منحت عقودا لمنظمات وأفراد مقربين من الأسد بهدف القيام بمهام إنسانية في سوريا، وذلك رغم العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
كما ذكر تقرير لمنظمة هيومان رايتس ووتش، كيف استغل «النظام السوري المعونات الإنسانية ومساعدات إعادة الإعمار، وفي بعض الأحيان والأماكن واستخدمها لترسيخ السياسات القمعية».
لقد فات من يدعو إلى رفع العقوبات عن نظام الأسد، أن برامج العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة مثلاً تتضمن «استثناءات» لتصدير المواد الغذائية والأدوية والأجهزة الطبية، كما فاتهم أن النظام ومعه روسيا يستغلان أزمة وباء كورونا سياسيا، خصوصا أننا أمام أسابيع قليلة قبل دخول قانون قيصر حيز التنفيذ.
لقد قتل الأسد من السوريين، ضعف ما تسبب وباء كورونا بوفاتهم في العالم أجمع، ومع تأكيد أنه لا مبرر أخلاقيا ولا إنسانيا ولا سياسيا للسماح عن قصد في التسبب بمقتل إنسان واحد أو إصابة إنسان واحد بفيروس كورونا، ولكن رفع العقوبات لن تكون حافزاً لنظام الأسد ليبدأ برعاية السوريين، بل على العكس هي رسالة له أن جريمة قتل نصف مليون سوري قد سقطت، وضوء أخضر لقتل المزيد من السوريين، ولشراء المزيد من التحف واللوحات.