السفيرة إيناس سيد مكاوي: أغنية «تعيش يا سادات» كانت نقطة خلاف والدي مع والدتي

قالت لـ«المجلة» في ذكرى رحيله: سيد مكاوي كان يقود السيارات ليلا
* أشهر مسحراتي في العالم العربي نشأ في حي شعبي عريق بالقاهرة، وكانت أذناه تسجلان وقلبه يرصد ووجدانه ينتج، فأصبح حالة متفردة على كل المستويات
*«يا مسهرني» لم تكن أولى أغنياته لأم كلثوم وظلت صديقة للأسرة حتى رحيلها
* جدتي كانت تشتري له الأسطوانات القديمة من بائع الروبابيكيا، وعندما علم أن تعلم الموسيقى سيكلفه «10 جنيهات» اكتفى بحصة واحدة وجلس يعلم نفسه في غرفة مغلقة!
* فقد البصر وعمره 3 سنوات لكنه لم يحزن من إعاقته وحولها لمادة للسخرية، وعندما كان يغضب منا كان يقول: «أصلي عايش مع ناس ما بتشوفشي» فنضحك جميعا
* ارتبط بـ«أونكل صلاح جاهين» ارتباطا وثيقا في الحياة والممات أيضا، حيث توفيا في نفس اليوم بفارق 11 سنة
* غنى أمام عبد الناصر والرئيس السوفياتي في احتفالات السد العالي، وهذه هي حكاية أغنيته «فالانتينيا» لرائدة الفضاء الروسية الشهيرة
* هناك اعتداء كبير على تراث سيد مكاوي، وهناك مشروع كبير يحمل اسمه للحفاظ على هذا التراث

قالت السفيرة إيناس سيد مكاوي إن والدها حرص على إبعادها وشقيقتها أميرة عن مجال الفن وشجعها على خوض مجال آخر حتى أصبحت سفيرة، وكشفت ابنة الموسيقار الكبير في حوارها الخاص مع «المجلة» عن سر الخلاف بينه وبين والدتها بسبب أغنية «تعيش يا سادات». وأكدت ارتباط والدها والمبدع صلاح جاهين ارتباطا وثيقا حتى في موعد رحيلهما والذي جاء في نفس اليوم بفارق زمني 11 سنة.
يعد الشيخ سيد مكاوي من رواد الأغنية العربية طربا ولحنا، حيث أثرى المكتبة الموسيقية العربية بالمئات من الأعمال الشرقية المميزة، وغنى له الكثير من كبار المطربين من أنحاء العالم العربي، وعلى رأسهم سيدة الغناء العربي أم كلثوم. كما ارتبط به المصريون والعرب في شهر رمضان من خلال تقديمه لشخصية «المسحراتي» الشهيرة التي ما زالت إحدى علامات الشهر الكريم رغم مرور عقود طويلة على تقديمها، كما قدم أناشيد وطنية وقومية متميزة أشهرها الأرض بتتكلم عربي. وأتيحت له فرصة الغناء أمام الرئيس جمال عبد الناصر والرئيس السوفياتي - وقتها - نيكيتا خروشوف، وبحضور ضيوف من رواد الفضاء السوفيات ومنهم رائدة الفضاء الشهيرة «فالانتينا» التي غنى لها أغنية خاصة في ذلك الحفل.
كون الموسيقار سيد مكاوي ثنائيا استثنائيا مع المبدع الكبير صلاح جاهين وقدما معا سلسلة من أشهر وأنجح الأعمال الفنية والاستعراضية خاصة في مجال الأطفال ومسرح العرائس ومن أشهر أعمالهما «الليلة الكبيرة» و«فوازير رمضان»، وكذلك بعض الأغنيات ذات الطابع الوطني والسياسي، منها «الدرس انتهى لموا الكراريس» لشادية، والتي جاءت كرد فعل غاضب لجريمة ضرب مدرسة بحر البقر للأطفال. وظل جاهين ومكاوي في ارتباط وثيق وروحاني حتى إن الموسيقار سيد مكاوي توفي في نفس اليوم الذي توفي فيه صلاح جاهين وهو يوم 21 أبريل (نيسان)، بفارق 11 سنة.
بمناسبة ذكرى رحيله والتي تتواكب مع قرب حلول شهر رمضان الذي يعد أحد نجومه كان هذا الحوار مع ابنته السفيرة إيناس سيد مكاوي والذي تم إجراؤه معها عبر الهاتف من روما.

 




السفيرة إيناس سيد مكاوي لـ«المجلة»: كان والدي محب ومحبوب من كل الناس ويرتبط بهم ولا ينسى أحدا ويستطيع أن يركز مع الكل حتى لو كان يجلس مع أناس كثيرين
 

 


 
* ما الذي يجول بخاطرك في الذكرى الثالثة والعشرين لرحيل الوالد الموسيقار سيد مكاوي؟
- قد يكون وضعي بالنسبة لذكراه مختلفا، لأني أعيش في هذه الذكرى طوال العام وعلى مدار 23 سنة منذ رحيله، لأن التأثير الشخصي لسيد مكاوي على نفسي كإنسان تجاوز الخطوط المعروفة، بمعنى أنه لم يكن أبا عاديا وكنت أنظر إليه بشموخ كبير وأتحدث معه وأستشيره وأتوق إليه. وما زالت عندي حتى اليوم علامات دهشة واستغراب كبيرة جدا وأنا أتساءل: كيف بنى هذا الإنسان نفسه ووصل لما وصل إليه بهذا الشكل في ظل غياب الإمكانيات، واستطاع أن يبذل أقصى ما يمكنه في حدود ما هو فيه ليس لينافس أحدا وإنما من أجل أن يفعل ما يحبه ولعلها الرسالة التي أتكلم عنها دائما وأنقلها للجميع وهي أن نحب ما نفعله حتى تكون الأمور أكثر يسرا.
 
* كيف كانت قصة كفاح الشيخ سيد مكاوي حتى وصل لهذا النجاح الكبير؟
- إذا سألت طفلا لا يرى وينتمي لأسرة فقيرة وقد ولد في ظروف صعبة عن أقصى طموحه فلن يقول إنه سيصبح بهذا النجاح، لكنه كان يؤمن بنفسه وبقدرته في عالم الفن والموسيقى وإمكانياته العظيمة في إثراء الوجدان العربي، وهو ما يرجع إلى إيمانه الشديد بالله تعالى ورغبته الحقيقية في حب الدنيا وما حباه الله لهذا الإنسان المتفرد من مواهب ونعم. وعندما نرى رحلة سيد مكاوي وكيف عشق مصر وتفاصيل الحياة فيها، نجده نشأ وتربى في حي شعبي عريق بمنطقة في حي عابدين بالقاهرة. واحتفظ بذاكرته طفلا إلى نهاية عمره وكان يتصور أن هذه البيئة هي التي جعلته مختلفا هكذا وكانت أذناه تسجلان وقلبه يرصد ووجدانه ينتج، وهكذا عاش بتوليفة خاصة منحته الحب والرضا والتآلف مع ظروفه وبالتالي كان صادقا جدا ومؤمنا وبسيطا وعميقا، وهو باختصار يشكل حالة متفردة على المستوى الإنساني والشعوري والفكري والفني قطعا.




لم يكن أول لحن غناه من ألحانه، وهو الذي لحن لجميع الفنانين ولكن هذا اللحن كان من ألحان عبد العظيم عبد الحق
 

 

 

* كيف تعلم الموسيقى؟
- آن الأوان أن نتكلم عن سيد مكاوي كأيقونة مصرية فهو لم يدرس موسيقى سوى حصة واحدة على يد أحد الأساتذة الذي أحضره له أحد الرعاة الذي كان يتبنى موهبته وأخذ حصة وحيدة ولم يأت الأستاذ المعلم مرة ثانية وكان أستاذ الحصة الوحيدة. وكانت والدته تشتري له الأسطوانات الموسيقية القديمة من بائع «الروبابيكيا» - بائع الأشياء القديمة - حتى يتمكن من الاستماع لها والاستفادة منها.
 
* لماذا لم يستمر في دروسه مع هذا الأستاذ؟
- لقد أحضر أحد الرعاة لوالدي أستاذ كبيرا في الموسيقى لتعليمه العزف على العود، وفي نهاية الحصة الأولى سأله والدي عن أتعابه قال له «جنيه في الحصة»، ثم عاد والدي يسأله: كم حصة أحتاجها لأتمكن من العزف على العود، فأخبره قائلا: «عشر حصص»! بما يعني أنه سيدفع عشرة جنيهات مقابل تعلم العود، فاعتبر والدي هذا المبلغ كبيرا على الشخص الذي يتكفل بتعليمه وأشفق عليه فقرر وقف الدروس بعد هذه الحصة والاعتماد على النفس. وبالفعل كان لدى والدي إصرار كبير على تعلم العود وقضى تلك الليلة ولمدة عشر ساعات متواصلة في غرفة مغلقة يحاول فيها مرات ومرات حتى نجح في ضبط العود والتمكن من العزف عليه! فكان تلميذ الحصة الواحدة. ويشهد الله أن والدي ظل يتكفل بهذا الأستاذ فيما بعد حتى رحيل الأستاذ وكان والدي يطلق عليه أستاذ الحصة الواحدة.
 
* كيف تعامل مع إعاقته البصرية؟ وهل كان لها أي أثر على نفسه؟
- أبداً لم يكن لإعاقته البصرية أي تأثير في حياته، ولو تحدثنا عن موضوع الإعاقة نجد أن سيد مكاوي لا ينطبق عليه هذا الوصف لأنه كان يبصر أكثر من المبصرين وكان يتعامل مع ظروفه كأنه مبصر وهذا معنى لا يستطيع استشعاره إلا من عاش معه. لقد كان يعشق الألوان والطبيعة ويتأمل الصور ويحكي عنها، ودائما كان يقول: «أنا شفت وقابلت وتأملت»، وهي مفرداته الحقيقية التي كان يستشعرها كأنه مبصر لدرجة أني كنت أقول لنفسي: هو يرى ونحن الذين لا نرى! لأن رؤيته كانت متجاوزة إلى درجة التفاصيل وشكل الفساتين ولون السيارات، يعني شيء غريب سبحان الله، حباه الله بنور في قلبه فأبصرت عيناه من وحي هذا النور، ومعهما قلبه وعقله.

 




لم تكن «يا مسهرني» أول ما لحنه لأم كلثوم، بل أغنية «أنساك» وقد لحن لها مقدمتها ثم حدث خلاف بينهما ولحنها بليغ حمدي لكنه احتفظ بنفس المقدمة التي لحنها سيد مكاوي
 

 


 
* هل ولد كفيفا؟
- لا، لكنه فقد البصر مبكرا في سن 3 سنين تقريبا وربما أقل ثم فقد إحساسه تماما برؤية النور منذ عمر 9 سنوات. وهذا الموضوع لم يؤثر عليه ولم يكن في قلبه مس من حزن من هذا الموضوع، بالعكس كان يتخذ من إعاقته مادة للسخرية طوال الوقت وكان عندما يشكو منا يقول: «أصلي عايش مع ناس ما بتشوفش!» ويضحك ونضحك كلنا، وأذكر ذات مرة أنه كان يزور فنانا كبيرا صديقا له ونصحه ذلك الفنان قائلا: «يا سيد مش عايزك تشرب سجاير عشان صدرك وصوتك»، فرد عليه والدي بخفة ظل قائلا: «فعلا أنا بطلتها عشان ضعف النظر!».
 
*على ذكر خفة ظله، هل كان حقا يريد قيادة السيارة؟ أم أنها مزحة؟
- هو لم يكن يريد قيادة السيارة بل كان يقودها بالفعل! وكان معروفا بين أصدقائه أنه إذا اشترى صديق سيارة كان لا بد أن يقودها بنفسه خاصة لو كانت «سبور» في ذلك الوقت، لأنه كان يعشق هذه السيارات وكان يطلب من صديقه الذي اشترى السيارة أن يترك مقعد القيادة له ويجلس بجواره، وفعلا كان والدي يقود السيارة بالليل متأخرا حتى تكون الشوارع خالية وكان من يجلس بجواره يرشده فقط وقتما يتطلب الأمر للوقوف أو استئناف الحركة! وحكى لي أحد أصدقائه أن شرطي مرور كان بالشارع ذات مرة ورأى والدي يقود سيارة صديقه، فبدا مذهولا ولم يستطع أن يقول شيئا. وكان والدي يحب اللعب في أزرار السيارات مستغلا ظروف عدم وجود سائق السيارة، ويقوم بتحريك السيارة يمينا أو يسارا، والحقيقة أنه لا يوجد شيء لم يفعله والدي لأنه كان يحب التحدي. كما كان يعشق الطيران وبسببه طلب منا أن نقرأ له كتبا كثيرة عن الطيران وقيادة الطائرة.
 
* ما السر في ذلك؟
- فوجئت بإجابة هذا السؤال في حوار تلفزيوني دار بينه وبين الإعلامي الراحل طارق حبيب في أحد برامجه الشهيرة، حيث كان من فقرات البرنامج أن يسأل المذيع الضيف عن السؤال الذي كان يتمنى أن يسأله له؟ ولما وجه المذيع هذا السؤال لوالدي أجابه: «أنت لم تسألني ماذا كنت تتمنى أن تعمل لو كنت مبصرا»؟! فرد طارق حبيب بثقة قائلا: «موسيقار طبعا»، لكن والدي فاجأه بإجابة مختلفة وقال له: «لو كنت مبصرا لعملت طيارا، وهو حلمي الذي كنت أتمنى تحقيقه»! ومع ذلك لم تمنع الإعاقة والدي من أن يعيش هذا الحلم من خلال تلبية طلبه بإحضار وقراءة كتب الطيران له بالتفصيل والحرص على التعرف على كل ما هو حديث في مجال الطيران لدرجة أنه لما كان يسافر لبلد ما، فكان يحرص في كل رحلاته أن يدخل كابينة الكابتن ويتحدث معه عن الطائرة. وأذكر في بعض الرحلات الطويلة ومنها رحلة نيويورك جلس معه الطيار لساعات وأعجب بالمعلومات الدقيقة التي يعلمها والدي عن هذا المجال حتى بدا مذهولا من قدرة والدي على استيعاب هذا المجال الدقيق، وأذكر أن الطيار قال لي وقتها: «لم أر في حياتي شخصا لديه هذا الكم الكبير من المعلومات الدقيقة والعلمية في موضوع الطيران».

 




كان يعشق الألوان والطبيعة ويتأمل الصور ويحكي عنها، ودائما يقول: «أنا شفت وقابلت وتأملت»، وهي مفرداته الحقيقية التي كان يستشعرها كأنه مبصر
 

 


 
* ما نقطة انطلاق سيد مكاوي في عالم الشهرة والنجومية؟
- لا أستطيع تحديد نقطة انطلاقه على وجه الدقة، لكن التحاقه بالإذاعة يعد من أهم المراحل في مشواره الفني. وقد التحق بالإذاعة مطربا وليس ملحنا وكان ذلك في فترة الخمسينات من القرن الماضي. وكانت الإذاعة تقدم ساعة لايف يقدم المطربون من خلالها مواد غنائية على الهواء مباشرة أمام الميكروفون وكان والدي منهم فاعتمدوه كمطرب وليس كملحن ولم يكن أول لحن غناه من ألحانه، وهو شيء غريب وهو الذي لحن لجميع الفنانين ولكن هذا اللحن كان من ألحان عبد العظيم عبد الحق ودخل من خلاله الإذاعة وكبر اسمه بعدها. وكانوا يقدمونه باسم الشيخ سيد مكاوي لدرجة أن والدتي حينما ذهبت لترسمه وهي طالبة بكلية الفنون، كانت تعتقد أنه شيخ معمم أي يرتدي جبة وقفطان وعمامة وأشياء من هذا القبيل لكنها فوجئت به مختلفا عن هذا الاعتقاد.
 
* ما سر تسميته بالشيخ سيد مكاوي؟ هل كان شيخا أزهريا؟
- كان في البداية يقرأ القرآن ويتكسب منه وينفق على نفسه وعائلته وكان صوته جميلا جدا في الترتيل والتجويد، حيث أتقن ذلك في عمر تسع سنوات. وكانت بعض العائلات الكبرى تأتي به لقراءة القرآن خاصة في أوساط النساء لأنه لم يكن مبصرا. وظل يستمتع بقراءته للقرآن حتى آخر عمره، وهو أمر مهم جدا له حيث ساعده ذلك أن تكون مخارج ألفاظه حسنة كما أصبح لديه كم كبير من الكلمات العربية التي يستطيع أن يستخدمها في أي موقف ويعبر عن نفسه ببساطة.
 
* إلى أي مدى شكلت تجربته مع أم كلثوم محطة مهمة ونقطة تحول في حياته الفنية بعد تلحينه لها «يا مسهرني»؟
- للعلم لم تكن أغنية «يا مسهرني» هي أول ما لحنه والدي لأم كلثوم ولكن كانت هناك تجربة سابقة على هذه الأغنية وكانت أغنية «أنساك» وقد لحن لها مقدمتها ثم حدث خلاف بينهما ولحنها بليغ حمدي لكنه احتفظ بنفس المقدمة التي لحنها والدي. وعاد والدي وأم كلثوم ليلتقيا في أغنية «يا مسهرني» ولم يفترقا حتى رحلت أم كلثوم وقد أحبها كثيرا جدا جدا. وكنا نتلقى منها يوميا في بيتنا مكالمة تليفونية تسأل فيها عن والدي، وكان كالعصفور لا أحد يستطيع السيطرة على حركته ولا انطلاقته. وكانت هناك تجربة غنائية لاحقة بينهما حيث كانت ستغني «أوقاتي بتحلو» ولدينا بروفاتها بصوت أم كلثوم لكنها مرضت ولم يمهلها القدر لكن ما زالت التسجيلات لدينا تحمل صوتهما معا وهو نفسه عندما كان يغني هذه الأغنية كان يغنيها بالطريقة التي لحنها لأم كلثوم وليس بالطريقة التي لحنها للمطربة وردة.

 




مع الفنانة وردة الجزائرية
 

 


 
* كان الشاعر والمبدع صلاح جاهين توأم روحه الفني وارتبطا معا حتى النهاية. كيف تعرفا على بعضهما البعض؟

- في ذلك الوقت كان من صفات والدي الشخصية أنه محب ومحبوب من كل الناس ويرتبط بهم ولا ينسى أحدا ويستطيع أن يركز مع الكل حتى لو كان يجلس مع أناس كثيرين وهو ما جعله يكتسب مزيدا من العلاقات مع الناس التي كانت منبهرة بحفظه لهذا الكم من التراث. ولما كبر اسمه ودخل على دائرة الكتاب والأدباء والشعراء خاصة في ظل ظهور مدرسة روزاليوسف الصحافية الجديدة آنذاك، والتي كان يعتبر نفسه فيما بعد أنه ابن من أبنائها. ومن الأمور الجيدة في مشوار سيد مكاوي أنه عمل في كل المجالات التي لها علاقة بالفن وفي هذا الإطار التقى بصلاح جاهين. وكان يصف علاقتهما قائلا: «أنا وصلاح بحثنا عن بعض، عندما سمع كلانا عن إبداعات الآخر حتى عثرنا على بعضنا البعض». أما «أونكل صلاح» كما تعودت أن أناديه فكان يصف نفسه وبابا بأنهما كالشاي باللبن أو العسل بالطحينة ويقول: «عندما نختلط لا يمكن فصل أحدنا عن الآخر». ومن الغريب أنهما توفيا في نفس اليوم الحادي والعشرين من أبريل بفارق 11 سنة أي إن الأرواح تتلاقى. وأذكر أنه ذات مرة سألوا أونكل صلاح جاهين سؤالا أعتقد أنه اختصر حكايته كلها مع والدي، عندما سألوه لو ذهبت إلى كوكب آخر غير الأرض فمن ستأخذه معك؟ هل ابنتك أم أمك أم زوجتك؟ فرد قائلا: بل سيكون الشخص الذي أصطحبه معي هو سيد مكاوي! وهكذا كانت علاقتهما وطيدة لهذه الدرجة خاصة أنهما عاشا فترات طويلة مع بعض قبل زواجهما.




من أقسى اللحظات عليه كانت لحظة علمه برحيل صلاح جاهين وظل متأثرًا برحيله طول حياته
 

 

 
* هل تذكرين مواقف خاصة بينهما؟
- لو تكلمت عن أهم المواقف فسأقول إن المواقف التي جمعت بينهما كلها مهمة وحافلة بالإنجازات بداية من «الليلة الكبيرة» لـ«حمار شهاب الدين» لـ«قيراط حرية» مرورا بأغنية شادية «الدرس انتهى لموا الكراريس»، وصولا لفيلم «خلي بالك من زوزو»، و«الرباعيات». وكلها أعمال رائعة كان من حظنا أن اجتمع فيها هذا المبدعان ليقدماها لنا.
 
* كيف استقبل سيد مكاوي خبر وفاة رفيق عمره وتوأم روحه صلاح جاهين؟ 
- من أقسى اللحظات على والدي هي لحظة علمه برحيل صلاح جاهين، وأذكر أن والدي كان يجلس بنافذة البيت «البلكونة» ووصل الخبر بالتليفون وعندما أبلغته به والدتي قالت له «صلاح تعيش انت» ولم يركز وأخذ يسألها بحزن شديد: «يعني تعبان قوي؟!» وظل متأثرا برحيله طول حياته وكثيرا ما كان يشرد ويذكر لي أنه كان مرتبطا به بشدة ويقول لي «أنا مش هاعرف أهرب من موضوع صلاح ده أبدا يا إيناس». وأذكر أنني حينما وصلته لجنازة صلاح جاهين بمسجد عمر مكرم استقبله بهاء صلاح جاهين وأمين فؤاد حداد بحزن شديد ولما حضنهم شعرت أن والدي أصبح وحيدا من شدة تأثره، وأذكر أن الكاتبة الصحافية نعم الباز كتبت في جريدة «الأخبار»: «لم أحضر جنازة صلاح جاهين لكني شاهدت سيد مكاوي فحضرت الجنازة بأكملها!» تعبيرا عن الحزن الذي كان فيه والدي.

 
* غنى سيد مكاوي أمام جمال عبد الناصر، كما غنى أغنية للسادات؛ فكيف كانت علاقته بالسياسة وزعمائها؟
- كان لسيد مكاوي علاقة بمصر كلها وليس بالرئيس جمال عبد الناصر أو الرئيس السادات، وقد حصل على وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى من الرئيس عبد الناصر عام 1966. كما غنى للرئيس السادات بمناسبة زيارة القدس أغنية «كان قلبي معاك طول ما انت هناك.. تعيش يا سادات» وكان هذا الموضوع سبب خلاف كبير بين والدي ووالدتي لأنها لم تكن مقتنعة بهذه الرحلة بينما والدي كان مؤمنا بها وبأنها رحلة مسار للسلام وأنه إذا استطاعت مصر أن تسترجع كل شبر من أرضها وتجعل مستقبل أبنائها خاليا من الحرب فإن الأمر يستحق التقدير، وظلت هذه المسألة نقطة خلاف وغضب بينهما لكن كلا منهما احترم وجهة نظر الآخر.
 
* هل حقا أنه قدم أغنية خاصة لرائدة الفضاء الروسية «فالانتينا» وما مناسبتها؟
- خلال فترة مشروع بناء السد العالي في الستينات أقيمت احتفالية كبيرة لهذا المشروع القومي بمناسبة تحويل مجرى النيل في السد العالي، ووجهت الدعوة لوالدي وصلاح جاهين للمشاركة في هذه الاحتفالية. وعلم والدي وأونكل صلاح بحضور ضيوف سوفيات لهذا الحفل وعلى رأسهم رئيس الاتحاد السوفياتي آنذاك نيكيتا خروشوف وبعض رواد فضاء، منهم «فالانتينيا تريشيكوفا» أول رائدة فضاء روسية فقاما بتأليف وتلحين أغنية تحمل اسمها ويقول مطلعها «فالانتينا فالانتينا أهلا بيكي نورتينا».
 
* هل يمكن أن نتعرف على عائلة سيد مكاوي وتخصصاتها؟
- سيد مكاوي يمثل كل عائلتنا، فهو الأب والراعي والعم والخال وكل شيء في حياتنا. ووالدتي هي السيدة الفاضلة والفنانة التشكيلية زينب خليل، وكان لها دور سياسي كبير سواء في الوزارة الاتحادية بين مصر وسوريا أو في مجلس النواب أو مجلس الشعب لعقود طويلة، وانتهى بها المطاف أنها كانت رئيسة لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس الشعب المصري. لي أخت وحيدة هي أميرة وهي تعمل بمجال الكتابة وبيننا فارق في العمر 8 سنوات. أما أنا فتعلمت في الجامعة وعملت في مجال الإعلام كمذيعة لمدة عامين تقريبا ثم اتجهت للعمل في المنظمات الإقليمية. وعملت لفترة في الجامعة العربية وكنت مديرة لإدارة المرأة فيها لمدة ست سنوات ثم مديرة لإدارة الأزمات والآن أنا سفيرة الجامعة العربية في روما ولدى الفاتيكان وغيرها من المنظمات الدولية في إيطاليا مثل منظمة الفاو وبرنامج الغذاء العالمي وهي منظمات دولية مهمة جدا في العالم.

 




مع زوجته الفنانة التشكيلية زينب خليل


 
* لماذا لم يمارس أحد أفراد أسرة سيد مكاوي ممارسة الفن رغم أن الوالدين كانا فنانين كبيرين؟
- بالعكس نحن ورثنا الفن كله لكننا لم نعمل بالفن وذلك نظرا لإرشادات الوالد الذي أصر على هذا النوع من التعليم وبناء الكارير خارج مجال الفن، وابني رسام مثل جدته وأختي أميرة تحب الموسيقى وكذلك أعشقها أنا أيضا وكنا ندرس العزف على البيانو ليكون لدينا تذوق للموسيقى وفهم للمقامات الموسيقية لكنه كان يخشى علينا من الدخول في هذا المجال ولم يترك لنا هذه الفرصة وقد فعل ذلك بحب واحتواء كبير رحمه الله.
 
*هل هناك مشروعات خاصة تعكفون عليها للحفاظ على تراث سيد مكاوي؟
- بالفعل أنا أؤسس جمعية سيد مكاوي للمحافظة على تراثه لتأخذ شكلا مختلفا لأن هناك اعتداءً كبيراً على هذا التراث وتعرضنا لأزمة كبيرة في المرحلة الماضية من صاحب أحد شركات الكاسيت ادعى أنه يملك الليلة الكبيرة وتقدم بأوراق مزورة وحدثت تفاصيل لم تكن لطيفة لكن يبقى أن تراثه هو الأهم. ونحن نجمع حاليا تراث سيد مكاوي من كل مكان في إطار هذا المشروع.