الإبادة التركية في ذاكرة المصريين الأرمن

بعد أكثر من 100 عام على الشتات


* الجالية الأرمنية بالإسكندرية أصبحت 400 أرمني بعد أن كانت 10 آلاف
* عمل الأرمن في صناعة الحلي والمجوهرات واشتهروا ببراعتهم في فن التصوير الفوتوغرافي
* الجالية الأرمنية تحيي ذكرى الإبادة سنوياً... والأجيال الجديدة تطالب بحق 1.5 مليون شهيد

الإسكندرية: للشتات الأرمني قصة طويلة تعود لما قبل بدايات القرن العشرين، الأرمن الغربيون النازحون من الأناضول شكلوا قوام الجالية التي استقرت في مصر منذ العصر الفاطمي في القرن الحادي عشر الميلادي. وفي عهد مؤسس مصر الحديثة محمد علي باشا تولى الكثير منهم المناصب القيادية، كان بوغوص يوسفيان مؤسس الجالية الأرمنية في مصر الذي كان يشغل منصب المستشار الأول لمحمد علي في كافة أمور الحكم، ووثق به محمد علي وعينه ناظرا للخارجية ولشؤون التجارة والمصارف مما جعله يدعم وجود الجالية بمصر. ثم تولى بوغوص نوبار باشا منصب أول رئيس وزراء مصري عام 1884. لكن عقب أحداث الإبادة التركية 1915 بدأ الشتات الأرمني وكانت مصر بين البلاد التي ارتحل إليها آلاف الأرمن.
ذكرى الإبادة التي تحل يوم 24 أبريل (نيسان) من كل عام، لم تختف من ذاكرة الجيلين الثاني والثالث من الأرمن المصريين، بل يتوارثون حكي الأجداد وقصص الكفاح ووهج البدايات على أرض مصر واستطاعوا بمهاراتهم الاجتماعية والثقافية والمهنية أن ينصهروا مع المصريين، ومؤخرا تبرعت الجالية الأرمنية بمليون جنيه لعلاج مرضى فيروس كورونا.
الاحتفال بذكرى الإبادة يتم سنويا بصلاة جماعية على أرواح الضحايا في الكنائس، وهذا العام كان له مذاق مختلف؛ فرغم كورونا ومنع الصلوات أقيمت صلاة بعدد محدود في الكنيسة الأرمنية بالإسكندرية، يقول غاري بوهجليان، مدير بطريركية الأرمن الأرثوذكس بالإسكندرية، ورئيس مجلس إدارة النادي الثقافي الأرمني هاراشتيماسير، لـ«المجلة»: «سنويا نحرص على إقامة قداس بالكنيسة وإقامة الندوات والأنشطة إحياء لذكرى الإبادة جيلا بعد جيل دون كلل أو ملل بل وسنظل وراء إثبات الإدانة الدولية للمجازر التي ارتكبت بحق الشعب الأرمني، لدينا كافة الوثائق والأدلة التي تم جمعها على مدار أكثر من 100 عام وسنظل نطالب بحقوق المليون ونصف المليون شهيد».

 




يعتبر محل بابازيان من معالم العتبة الشهيرة تعرفه من واجهته المزينة بالساعات العتيقة والتي يعود بعضها إلى القرن التاسع عشر


وحول قصة عائلته وهجرتها إلى مصر، يروي بوهجليان: «هاجر جدي لوالدي عام 1914 هاربا من الجيش التركي، ووصل إلى قبرص، ومنها إلى الإسكندرية، تاركا أسرته التي تفرقت بين البلاد ثم التقى شقيقته مصادفة في الإسكندرية عام 1923 فتم بعدها لم شمل الأسرة التي استقرت جميعها بالإسكندرية التي كانت تتمتع بكافة مقومات الحياة ورفاهيتها، وكانت بها جنسيات مختلفة».
ويتابع: «استقر الأرمن الأوائل بالمناطق القريبة من ميناء الإسكندرية حي بحري ومنطقة المنشية (بابا سدرة)، وحي الجمرك، وحي اللبان، ومنذ عام 1950 بدأ الأرمن ينتشرون في باقي الأحياء بداية من الإبراهيمية ثم رشدي وجليم شرق المدينة».
ويشير بوهجليان: «اشتهرت الجالية الأرمنية في مصر بالبراعة في الحرف وأهمها الذهب والمجوهرات والمخارط». ويلفت: «تضاءل تعداد الجالية الآن من 10 آلاف أرمني بالإسكندرية وأصبح لا يتعدى 400 أرمني، وهذا يرجع إلى موجة ثانية من الهجرة حدثت للأرمن، حيث انتقل عدد كبير منهم إلى كندا والولايات المتحدة الأميركية».
لا تزال آثار المجتمع الأرمني بالإسكندرية قائمة، أهمها المدرسة الأرمنية التي يتخطى عمرها 130 عاما والكنيسة وناديان اجتماعيان وعدد قليل من المحال التي تحمل أسماء أرمنية خاصة في المنشية ومحطة الرمل بوسط المدينة.
تتذكر المصرية الأرمنية هوري جورونليان، اختصاصية مكتبات بمكتبة الإسكندرية، حكايات جدتها عن الإبادة الأرمنية وقصة هجرتها إلى مصر حيث وصلت بورسعيد بعد رحلة شاقة عبر البحر الأبيض المتوسط ثم انتقلت إلى الإسكندرية وعملت في الخياطة، أما جدي فقد عمل في الخردوات ثم عمل في محل هانو بالإسكندرية».
 




المدرسة الأرمنية بالإسكندرية تأسست عام 1854

وتؤكد هوري التي تمثل الجيل الثالث من الأرمن المصريين: «أول لغة نتحدثها هي الأرمنية ثم نتعلم العربية وباقي اللغات، والزواج يشترط أن يكون من الأرمن».
أقام عدد كبير من الأرمن في العطارين والمنشية وأشهرهم محل «بليكيان» للخيوط وصاحبه توفي العام الماضي، ثم انتقلوا للإبراهيمية، وهناك تأسس النادي الرياضي «ديكران يرجاد»، ويوجد تواصل كبير بين الجالية الأرمنية بالقاهرة والاسكندرية حيث الندوات والمباريات الرياضية، وهناك صداقات تجمع العائلات في المدينتين».
أشهر الأكلات التي تتوارثها الفتيات الأرمنيات «لحم عجين» وهي أكلة لها طابع احتفالي، حيث تقدم في الأعياد والمناسبات، وتحرص هوري على توريث ابنتها الصغيرة العادات والتقاليد الأرمنية وتحاول أن تروي لها حكايات جدتها عن تاريخ الأرمن.
وتضيف هوري: «نحصل على الجنسية المصرية فور الولادة، وهناك البعض سافر لأرمينيا للحصول على الجنسية الأرمينية، لكن غالبية الجيل الثالث والرابع يكتفون بالجنسية المصرية».

 




آشود بابازيان لـ«المجلة»: «جاء جدي إلى مصر عام 1903 وعمل في إصلاح وبيع الساعات حتى الستينات»


من الجيل الثاني للأرمن المصريين، يقول آشود بابازيان لـ«المجلة»: «تركزت الجالية الأرمنية من الأوائل في الأحياء القديمة بالقاهرة مثل الفجالة، وشبرا، والموسكي، وبولاق، والعتبة، وعابدين، جاء جدي إلى مصر عام 1903 عمل في إصلاح وبيع الساعات حتى الستينات ساءت الأوضاع التجارية، ثم هاجرت مع أخي لكندا لم نتحمل الغربة فعدنا مرة أخرى لشعورنا بالانتماء لمصر، واستمر المحل وهو من المحال الأرمنية القليلة المستمرة في مصر».
يعتبر محل بابازيان من معالم العتبة الشهيرة، تعرفه من واجهته المزدانة بالساعات العتيقة «الأنتيكات» والتي يعود بعضها إلى القرن التاسع عشر.
وعن أشهر الأرمن بمصر، يقول مكرم سلامة، جامع الوثائق التاريخية، لـ«المجلة»: «الجالية الأرمنية منذ بداية وجودها الفعلي على أرض مصر حرصت على توثيق ما تعرض له الشعب الأرمني وتم إصدار كتابين في بدايات القرن العشرين حول هذه المجازر التركية، والتي تعتبر مراجع في التوثيق لهذه الإبادة».

 




توثيق مجازر الأرمن في الصحف العالمية


ويلفت إلى أن الأرمن عملوا في تجارة الطوابع والساعات والمجوهرات وكانت لهم ورش فنية ومطابع، مشيراً إلى براعة الأرمن في التصوير حتى أصبح غابرييل ليجيكان مصور القصر الملكي المصري... ليجيكان، وبابازيان، وأوزيان بمنطقة عابدين، وأرتينيان بشارع قصر النيل، وزولا، وبابا زوغلو في القاهرة أيضا، وكل من ديليكان وألبان وعزيز ودوريس، وروي، وميلانوس ونادر في الإسكندرية»، مضيفا: «حاليا لم يبق منهم سوى أنترو وغارو في وسط القاهرة بينما في الإسكندرية لم يعد يبقى منهم أحد».
أثر الأرمن في الصحافة المصرية محفور في ذاكرتها ومنهم أبرز فناني الكاريكاتير. وكان صاروخان مبتكر شخصية المصري أفندي. ويعد ألكسندر صاروخان (1898 – 1977) رائد الكاركاتير السياسي في مصر، اسمه الحقيقي «ألكسندر هاجوب صاروخانينان»، وعمل بمجلة «صباح الخير» ثم انتقل لمجلة «آخر ساعة» ورسم غلافها الأول. 
ويعتبر من أبرز الأرمن في مجال الصحافة أيضا الزنكوغرافي «أرام بربريان» الذي كان يقوم بإعداد كليشيهات أغلب الصحف والمجلات الصادرة بالقاهرة على اختلاف لغاتها فقد كان الأرمن يتقنون أربع لغات الأرمنية والعربية والفرنسية والإنجليزية بشكل أساسي فضلا عن بعض اللغات الأخرى التركية والروسية واليونانية.
وساهم الأرمن في نهضة الفن وصناعة السينما في مصر عبر المصورين المحترفين وأيضا نجوم الفن ومنهم «لبلبة نونيا»، والفنانة نيللي التي اشتهرت بتميزها في تقديم فوازير رمضان، والفنانة فيروز التي اكتشفها أنور وجدي وقدم معها مجموعة من أروع أفلام السينما المصرية في عصرها الذهبي، ومؤخرا اشتهرت الفنانة أنوشكا في مجالي الغناء والتمثيل.

 




إيفا داداريان كاتبة فيلم «احنا المصريين الأرمن» مع المخرج وحيد صبحي والفنانة أنوشكا وحنان عزت معدة الفيلم


المخرج المصري وحيد صبحي تصدى لفيلم وثائقي هام بعنوان «إحنا المصريين الأرمن»، وهو فيلم تسجيلي طويل يرصد من خلاله ذكريات أجيال من الأرمن وأهم الإسهامات التي قاموا بها في المجتمع المصري، يقول لـ«المجلة»: «بدأت البحث عن المصورين الأرمن ومن هنا كان خيط صناعة الفيلم، ووجدت تشابكا بين تاريخ مصر وتاريخ وجودهم بمصر، وشغلني جدا الإجابة عن سؤال الهوية المصرية وكيف انصهر الأرمن في المجتمع المصري»، مضيفا: «مدة الفيلم ساعة ونصف وتعاون معنا أفراد الجالية، حاولنا خلالها سرد تاريخ الأرمن عبر أكثر من 100 عام وسلطنا الضوء على احتضان مصر للمهجرين من الأرمن في معسكر ضخم بمدينة بورسعيد، وتحدثنا في الفيلم عن هجرة الأرمن عام 1947 في محاولات للعودة لوطنهم عقب الحرب العالمية الثانية».