حظر حزب الله في ألمانيا

المآلات وموقف النظام الإيراني
* القرار الألماني له تداعيات على حزب الله في مجال جمع الأموال، لكن في هذا المجال، إيران يمكن أن تزيد الإنفاق العسكري لحزب الله وتعويض ذلك من مصادر أخرى، أبرزها جمع التبرعات وغسيل الأموال
* التقديرات تشير إلى أن حزب الله سيبقى فاعلا خارج أوروبا؛ في أميركا اللاتينية وجنوب شرقي آسيا، وعسكريا في سوريا والعراق واليمن ولبنان
* ليس من المستبعد أن يتعرض الحزب لضربات عسكرية من الولايات المتحدة أو إسرائيل، إلى جانب تصاعد الانتقادات ضده من داخل لبنان
* ستسعى طهران إلى تعزيز دعمها لحزب الله في هذه المرحلة لأن انكساره يعني انكسار نموذجها في تصدير «الثورة الإسلامية»
 

بون:يمكن وصف العلاقة بين الاستخبارات الألمانية وحزب الله بأنها علاقة معقدة، وربما «مزدوجة» منذ تأسيس الحزب عام 1982. فحزب الله يحتاج الاستخبارات الألمانية، طرفا وسيطا في فك الاشتباك مع إسرائيل، والأخيرة لا تريد خسارته، ضمن حرصها على ضبط أنشطة حزب الله في المنطقة.
ورغم الأصوات الداعية إلى حظر حزب الله منذ عام 2013. لكن لم تتمخض إلا في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2019. بعد تبني أكبر الأحزاب الألمانية في «البندستاغ»، (الحزب المسيحي الديمقراطي والاشتراكي الديمقراطي والحزب المسيحي الاجتماعي)، ورغم الضغوطات الأميركية وربما المجلس اليهودي من داخل ألمانيا، إلا أن القرار جاء بإرادة ألمانية.
وقد أصدر وزير الداخلية الاتحادي هورست زيهوفر يوم 30 أبريل (نيسان) 2020 حظرا على حزب الله، وقرار الحظر كان مؤلفا من 30 صفحة موجهة شخصيا إلى حسن نصر الله - زعيم الحزب، والذي يتخذ من لبنان مقرا له. وأعلنت وزارة الداخلية الألمانية في أعقابها، أن ألمانيا حظرت رسميا بشكل كامل ميليشيات حزب الله المدعومة من إيران على أراضيها وصنفتها منظمة إرهابية.
ونفذت الشرطة مداهمات وتفتيشا لعدد من المراكز القريبة من حزب الله وشملت عمليات التحري والتفتيش: جمعية الإرشاد الإسلامية في برلين، ومركز الإمام المهدي في مدينة مونستر، ومسجد المصطفى في بريمن، ومركز للمهاجرين اللبنانيين في دورتموند. ولم يعد يسمح لمؤيديهم في ألمانيا بتلويح علم حزب الله، كما سيتم حظر رموز حركة الشباب الإسلامي «كشافات الإمام المهدي» في ألمانيا في المستقبل. 
كانت ألمانيا مسرحا لنشاطات «حزب الله»، وفقا لـ«DW» في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 حيث نجحت عناصر وكالة مكافحة المخدرات الأميركية في فبراير (شباط) 2015 في التنصت على المكالمات الهاتفية لعناصر مفترضين في عصابة المخدرات الكولومبية يتحدثون فيها عن تهريب الأرباح من المخدرات. ليكشف المحققون النقاب بسرعة عن شبكة ناشطة في أوروبا الغربية ولها فروع تمتد إلى الشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا الجنوبية. وأطلق المحققون على الشبكة اسم عصابات «الأرز». 
شنت ألمانيا حملة مشددة على الجماعات الإسلاموية المتطرفة «الجهادية» نهاية عام 2019 دعت خلالها أحزاب الاتحاد، والحزب الديمقراطي الاجتماعي، والحزب الديمقراطي الاتحادي، إلى حظر حزب الله في ألمانيا في البوندستاغ. وبعدها طالب البرلمان الألماني (بوندستاغ) حكومة المستشارة أنجيلا ميركل بحظر حزب الله في ألمانيا بالكامل. وأقر البرلمان الألماني يوم 19 ديسمبر (كانون الأول) 2019 مذكرة تطالب بذلك.
 
خلفيات قرار حظر حزب الله في ألمانيا
كانت وزارتا الداخلية والخارجية الألمانيتان تسعيان إلى إدراج حزب الله اللبناني في قائمة الاتحاد الأوروبي للجماعات الإرهابية إذا تأكدت الشكوك بأن الحزب كان وراء تفجير حافلة في بلغاريا خلال عام 2012 والذي قتل فيه خمسة سائحين إسرائيليين. 
 
الحظر يستند إلى الدستور
اعتمدت الداخلية الألمانية الحظر، بعد أن كشفت وجود أنشطة لحزب الله خلف جمعيات ومراكز ثقافية ودينية، نشطت أكثر مع شهر رمضان، تتنافى مع القانون الأساسي الألماني وفقا للمادة 9 الفقرة 2، والتي تقول بحرية تكوين الجمعيات والاتحادات، حيث يتم حظر الجميعات التي تكون أهدافها أو أنشطتها مخالفة لأحكام القوانين الجزائية أو تكون مناهضة للنظام الدستوري أو لفكر التفاهم بين الشعوب.
والمادة 18، المتعلقة بفقدان الحقوق الأساسية مثل حرية تكوين الجمعيات، والتي تنص على: عندما يساء استخدام الجمعيات لمحاربة النظام الأساسي الديمقراطي الحر، تفقد هذه الحقوق الأساسية وتصدر المحكمة الدستورية الاتحادية قرارا بالمصادرة ومداها. 
المشكلة التي تواجه الاستخبارات الألمانية، أن وزارة الداخلية لم تجد أي هياكل ثابتة يمكن حظرها بموجب قانون الجمعيات. وفقا لتصريحات وزير الداخلية الألماني هورست زيهوفر، لذا ظاهريا يمكن القول إنه «لا يوجد هيكل تنظيمي لحزب الله في ألمانيا». لهذا السبب، قرروا في البداية حظر الأنشطة وشرعت الاستخبارات في البحث عن مراكز وجمعيات قريبة من حزب الله. ولم يكن هذا الإجراء هو الأول ضد أنصار حزب الله في ألمانيا، فقد سبق أن حظرت الحكومة الفيدرالية البث العام لتلفزيون «المنار» قبل أكثر من اثني عشر عاما. وحظرت وزارة الداخلية خلال عام 2014 جمعية جمع التبرعات «مشروع اليتيم اللبناني»، التي حولت عدة ملايين من الدولارات إلى حزب الله.
 
موقف إيران وحزب الله من القرار
نددت إيران بحظر ألمانيا لأنشطة الحزب اللبناني على أراضيها يوم الأول من مايو (أيار) 2020، وقالت إنها ستواجه تداعيات قرارها بالإذعان لضغوط إسرائيلية وأميركية. وفي بيان وزارة الخارجية الإيرانية فإن الحظر يتجاهل «حقائق منطقة غرب آسيا» وقالت: [إن القرار يستند فقط إلى أهداف «الآلة الدعائية للكيان الصهيوني والنظام الأميركي المتخبط]. ودانت الخارجية الإيرانية «بشدة» القرار بالتعليق، لأنه: [اتخذ تماما بلا احترام للحكومة والشعب اللبنانيين، لأن حزب الله جزء رسمي ومشروع من الحكومة والبرلمان اللبنانيين].. وأضافت: «يتوجب على الحكومة الألمانية تحمل التداعيات السلبية لقرارها على مكافحة الجماعات الإرهابية الحقيقية في المنطقة». 
ودان المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، عباس موسوي، قرار الحكومة الألمانية ضد حزب الله اللبناني، باعتباره «منظمة إرهابية». وقال موسوي: «إن القرار الألماني يأتي في سياق أهداف الكيان الصهيوني وأميركا». وقال عباس موسوي «إن قرار الحكومة الألمانية اتخذ تماما بلا احترام للحكومة والشعب اللبنانيين (...) وحذر موسوي الحكومة الألمانية من تحمل التداعيات السلبية لقرارها على مكافحة الجماعات الإرهابية الحقيقية. ولم يصدر أي تعليق رسمي لـحزب الله في لبنان حول القرار الألماني، لحد الآن والتزمت قياداته الصمت.


 
تداعيات القرار الألماني سياسياً وعملياتياً على حزب الله
في حوار خاص لـ«المجلة» مع الكاتب والإعلامي اللبناني من بيروت، خلدون زين الدين، حول تداعيات القرار الألماني سياسيا وعملياتيا على حزب الله، قال: «يصعب الاعتقاد بأن الخطوة الألمانية هذه سيكون لها ارتداد كبير وجلي على أنشطة الحزب داخليا، ولو أنها ستضع أمامه بعض التحديات أو العقبات المالية - الواردة إليه من الخارج - لكن الأثر قد لا يكون واضحا. في البال طبعا، ما يحظى به الحزب داخليا من غطاء رسمي وشرعي يصعب الحد منه في ظل الظروف الحالية داخليا. والمخاوف تبقى قائمة أيضًا من توتر العلاقات الثنائية الرسمية على خط بيروت - برلين، آخذين في الاعتبار أن الحزب كيان سياسي، عسكري واجتماعي يتمتع بنفوذ وازن في لبنان». واستدرك قائلا: «الخطوة الألمانية هذه ستكون حاضرة بقوة في المداولات السياسية لبنانيًا... ستُعطي فرصة لمعارضي الحزب لمهاجمته أكثر».
يحتفظ حزب الله بعلاقات وثيقة مع إيران وينظر إليه الكثيرون على أنه امتداد للنظام الإيراني. وفقًا لـNathan Sales، منسق مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأميركية، فإن إيران تزود فرع حزب الله في لبنان بأكثر من 700 مليون دولار (643 مليون يورو) سنويًا، بينما تقدر الميزانية السنوية للمجموعة بنحو مليار دولار. وضمن آلية التمويل هذه، يكسب حزب الله ما يقدر بـ300 مليون دولار سنويًا من خلال المعاملات الدولية، بما في ذلك تهريب المخدرات والاتجار بالمنتجات المقلدة.
 
مستقبل حزب الله
القرار الألماني بحظر حزب الله، من شأنه أن يكون فاعلا في ألمانيا، ويقلص من أنشطة حزب الله في مجال الدعاية، والموارد المالية والتجنيد. فقد استغل الحزب مساحة الحرية في ألمانيا، لينظم مسيرات واسعة في «يوم القدس» وفي مناسبات أخرى. الحزب أيضا، يستغل المناسبات الدينية، من أجل استقدام رجال دين وأعضاء في حزب الله، لحضور تجمعات واسعة إلى الجالية اللبنانية وجاليات مسلمة في ألمانيا، من أجل الترويج لدعاية الحزب.
وهذا يعني أن الحزب خسر الآن هذه الأنشطة داخل ألمانيا، مع توقعات بأن الاستخبارات الألمانية، سوف تفرض رقابة مشددة أكثر على «الجمعيات والمراكز الدينية والثقافية» التي ينشط خلفها حزب الله أو أن تكون قريبة منه. والأهم أن الادعاء العام في ألمانيا، لا يحتاج موافقات وزارة العدل، من أجل تنفيذ عمليات تحري ورصد ومراقبة أو اتخاذ إجراءات استباقية ضد أعضاء وأنصار حزب الله.
يبقى التحدي قائما أمام أجهزة الاستخبارات، كونها لحد الآن لم تحدد هيكل الحزب في ألمانيا، تقارير الاستخبارات الألمانية، اعترفت بذلك، لذلك لم يجد لها خيارا غير فرض الرقابة على شبكة مراكز وجمعيات وبعض العناصر والأنصار.
القرار الألماني بحظر حزب الله، يغير المعادلة، أي إن الحزب سيقوم بتعديل أنشطته داخل ألمانيا وأوروبا، من أجل الإفلات من المساءلة القانونية أو المراقبة، من دون شك الانتقال إلى العمل السري، هو أمر بديهي، حاله حال بقية الجماعات الإسلاموية أو اليمينية المتطرفة.
القرار الألماني، يضرب بتداعياته على دول الاتحاد الأوروبي الأعضاء، خاصة أن ألمانيا تتمتع بوزن داخل الاتحاد الأوروبي، ومن المقرر أن تتسلم رئاسة الاتحاد الأوروبي في الدورة القادمة، ناهيك بأن رئيسة المفوضية الأوروبية فون ديرلاين وزيرة الدفاع الألمانية السابقة، وهي مقربة جدا من المستشارة الألمانية ميركل، وهذا يعني أنه بات محتملا أن تفرض دول أوروبا، رقابة مشددة على حزب الله إن لم تضعه على قوائم الإرهاب.
لقد خسر حزب الله الاستخبارات الألمانية، باعتبارها وسيطا موثوقا به في فك الاشتباك بين حزب الله وإسرائيل، وهذا من دون شك ينعكس على العلاقة بين حزب الله وإسرائيل، ومن المحتمل أن يصعد المواجهة بين الطرفين مستقبلا، بغياب طرف وسيط.
القرار الألماني له تداعيات على حزب الله في مجال جمع الأموال، لكن في هذا المجال، إيران يمكن أن تزيد الإنفاق العسكري إلى حزب الله وتعويض ذلك من مصادر أخرى، أبرزها جمع التبرعات وغسيل الأموال، لكن خسارة ألمانيا، الإعلامية والسياسية و«الرمزية» تعتبر ضربة كبيرة تقلص كثيرا من دعاية هذا الحزب.
التقديرات تشير إلى أن حزب الله سيبقى فاعلا خارج أوروبا؛ في أميركا اللاتينية وجنوب شرقي آسيا، وعسكريا في سوريا والعراق واليمن ولبنان. الضغوطات السياسية الداخلية والخارجية على حزب الله سوف تشهد تصاعدا، وليس من المستبعد أن يتعرض الحزب إلى ضربات عسكرية من الولايات المتحدة أو إسرائيل، إلى جانب تصاعد الانتقادات ضده من داخل لبنان. لكن رغم ذلك، فإن طهران، سوف تسعى، إلى تعزيز دعمها للحزب في هذه المرحلة لأن انكسار هذا الحزب يعني انكسار لنموذجها في تصدير «الثورة الإسلامية».