لبنان دولة مفلسة

من يتحمل مسؤولية تهاوي المصارف اللبنانية... وما مصير الليرة؟
* سعر الصرف تجاوز 4000 ليرة مقابل الدولار... وهذا السعر لن يستمر على حاله بل سيشهد المزيد من الارتفاع
* لبنان كان الصندوق الأسود لسوريا إذ تم تهريب مليارات الدولارات من السيولة اللبنانية إلى سوريا
* سيشهد لبنان دمج مصارف وإعلان أخرى إفلاسها

بيروت:لقد كانت جائحة كورونا بمثابة الضربة القاضية لليرة اللبنانية، فقد ألقت الجائحة بثقلها على الحياة المعيشية للبنانيين وفرضت نتائجها الوخيمة أوزارًا ثقيلة على المسؤولين، ذلك أنها دفعت المزيد من العمال إلى دائرة البطالة، وشلت حركة ما تبقى من العجلة الاقتصادية.
المأساة والترقب؛ بهاتين الكلمتين يمكن اختصار حجم القلق الذي يعيشه اللبنانيون حاليًا، وتسود السخرية السوداوية بين المواطنين الذين بدأوا يروجون لدعابة أخذ قرض من المصرف لشراء علبة نسكافيه أو حليب، نتيجة الارتفاع الجنوني للأسعار، إذ إن هنالك سلعًا كان سعرها أقل من عشرة آلاف ليرة، وفي ليلة وضحاها سجلت أسعارًا خيالية تخطت فيها عتبة الخمسين ألف ليرة.
تشهد الليرة اللبنانية تخبطًا لم تشهده حتى في خضم الحرب الأهلية التي مر بها لبنان في القرن الماضي، وتسجل في كل ساعة المزيد من الانحدار القياسي السلبي. حاليًا، يساوي الدولار الواحد، 4000 ليرة لبنانية. هذا السعر لن يستمر على حاله بل سيشهد المزيد من الارتفاع مقابل الدولار خصوصًا أن السلطات المالية والحكومية والنيابية تبدو إلى الآن عاجزة عن إدارة البلد الغارق في ديونه محليًا ودوليًا، فمؤخرًا لجأت حكومته إلى الاستنجاد بصندوق النقد الدولي لمساعدتها على إخراج البلد من عنق الزجاجة العالق به.
في الأول من مايو (أيار) قدمت الحكومة اللبنانية طلبًا للنقد الدولي للمساعدة في إنقاذ البلد، ووصف رئيس الحكومة حسان دياب الخطوة بأنها الخطوة الأولى في ورشة إنقاذ لبنان، بينما رفضت جمعية المصارف الخطة التي وضعها دياب واتهمتها بالغموض، وبأنها تمس بالملكية الفردية، ويتردد في بيروت أن خطة دياب تمس باستقلالية القطاع المصرفي.
والصراع على إنقاذ لبنان ماليًا قسّم الأطراف السياسية إلى فريقين. الفريق الأول يترأسه دياب ومعه رئيس التيار الوطني الحر.
ويأتي الخطاب الذي يلقيه أمين عام حزب الله حسن نصر الله ليؤكد باستمرار على ضرورة منح الثقة للحكومة، بينما في المقابل يترأس الفريق الثاني حاكم مصرف لبنان رياض سلامة المدعوم من جمعية المصارف بالإضافة إلى عدد من الأحزاب السياسية.
في بيروت تتجه الأنظار إلى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وإلى غريمه السياسي دياب الذي أتى إلى سدة الحكم عبر محاصصة سياسية، ويترقب اللبنانيون ما سيقدمه الرجلان من حلول لمعالجة انهيار العملة اللبنانية التي من المتوقع أن تشهد سقوطًا حرًا في الأيام القادمة.
 
لبنان بلد مفلس؟
على الرغم من عدم إعلان لبنان إفلاسه على غرار ما فعلته دولة اليونان، بعدما وصلت نسبة الدين المحلي إلى 120 في المائة. في شهر مارس الماضي فشل لبنان في واحد من أكبر الاستحقاقات التي كشفت إفلاسه المالي، ففي هذا الشهر عجزت الدولة عن سداد سندات دين اليوروبوند بقيمة 1.2 مليار دولار وهي مستحقات سيادية بالعملة الصعبة، ومنتصف شهر أبريل (نيسان) فشل لبنان في سداد وثقة أخرى من اليوروبوند بقيمة 700 مليون دولار، ليصبح الأمر محسومًا بخصوص مصير الاستحقاق القادم لسداد مستحقات اليوروبوند لشهر يونيو (حزيران) 2020. في المقلب الآخر يعجز لبنان عن سداد سندات الدين بالليرة اللبنانية والتي تبلغ قيمتها نحو 11 مليار دولار.
عمليًا عندما تعجز الدولة عن سداد ديونها فإنها تخرج من نادي الدول، وهو حال لبنان اليوم الذي يبحث عن معين دولي ينقذه من أزمته التي دخل إليها نتيجة ظروف محلية من بينها استعداء علني قام به حزب الله وحلفاؤه لدول عربية ما دفع بالأخيرة إلى فض يدها كليًا من لبنان.

 




الدكتورة ليال منصور، متخصصة في الاقتصاد في الجامعة الأميركية

 
لماذا انهارت الليرة اللبنانية؟
تقول البروفسورة في الجامعة الأميركية اللبنانية في بيروت ليال منصور في حديثها لـ«المجلة» إن السبب الأول لانهيار عملة الليرة اللبنانية هو نزيف الدولار. «بعد انتفاضة تشرين بدأنا نلاحظ اختفاء العملة الأميركية بشكل غير مسبوق من السوق، وقد بات من الصعب الحصول على الدولار من البنوك، وبعد أن كان هناك سعر صرف واحد يحدده البنك المركزي أصبحنا أمام أسعار صرف متعددة ومختلفة تحددها السوق السوداء».
عندما يختفي الدولار يؤدي ذلك تلقائيًا إلى ارتفاع سعر الليرة اللبنانية مقابله. لذلك ففي كل يوم تسجل فيه الليرة اللبنانية مزيدًا من الارتفاع مقابل الدولار يعني ذلك أن ملايين الدولارات الإضافية التي كانت موجودة في السوق اللبنانية والمصارف قد اختفت.
تشير الباحثة الاقتصادية إلى أن أزمة لبنان في أنه دولة اقتصادها مدولر، لذلك لا يجب مقارنة الوضع السيئ الذي يمر به لبنان بالوضع الذي شهدته اليونان قبل عقد من الزمن، أي حين غرقت الحكومة اليونانية في الديون وعجزت عن سدادها، إذ يختلف لبنان عن اليونان بحسب رأي منصور في أن «ديون لبنان هي بالعملات الأجنبية التي يستوردها من الخارج بينما ديون اليونان فكانت بعملة اليورو أي بعملة الاتحاد الأوروبي الذي تنتمي له اليونان رسميًا، ولولا الاتحاد الأوروبي لما كانت اليونان خرجت من أزمتها» وهنا نسأل من ينقذ لبنان الذي يعاني بسبب سياسته المالية والحكومية والأمنية من نفور محيطه العربي والدولي؟
 
ما هو الاقتصاد المدولر؟
كثيرًا ما يسمع اللبنانيون عبر نشرات الأخبار المحلية عن مصطلح الاقتصاد المدولر. يعني المحللون بمصطلح الاقتصاد المدولر أي حين تعتمد دولة أجنبية على الدولار الأميركي كعملة أساسية في تسيير أمور الحياة اليومية للمواطنين وللمعاملات التجارية وللاستيراد والتصدير والإيداع في المصارف وغيرها. 
تقول منصور: «إذا سألنا أي مواطن لبناني عن ثمن قميصه، سيقول مثلاً خمسين دولارا، أو مثال آخر قسط أولادي 1000 دولار، اشتريت كذا بهذه القيمة من الدولارات، فتحت حسابا مصرفيا بالدولار، اللبنانيون يستخدمون الدولار بنسبة 75 في المائة و25 في المائة تتفاوت بين العملة المحلية وعملات أخرى».
يكثر حضور الدول «المدولر» اقتصادها في أميركا اللاتينية والجنوبية وأفريقيا ودول آسيا، لذلك يشبه الواقع الحاصل في لبنان بحسب منصور دولة فنزويلا، فكلا البلدين غارقان في الديون بعملة ليست عملتهم الوطنية، وكلاهما يعتمدان على تحديد سعر صرف العملة الوطنية مقابل الدولار الأميركي، وتشدد منصور على أن الدول المدولر اقتصادها تختلف تمامًا عن بقيّة الدول لأن الدول المدولر اقتصادها تمثل حالة استثنائية بين الدول وتعمل عجلتها الاقتصادية ويكون السلوك الاستهلاكي لمواطنيها مختلفا تمامًا عن الدول الأخرى.
 
لبنان يستخدم عملة لا يطبعها
يعتمد لبنان على مئات مليارات الدولارات لتسيير عجلته الاقتصادية والقيام بالأنشطة التجارية وتوفير السيولة للقطاع الخاص والاستيراد والتصدير، بينما في المقابل ينحصر استخدام الليرة اللبنانية على القطاعات العامة والمرافق الحكومية التابعة للدولة اللبنانية، إذ يتقاضى موظفو الدولة رواتبهم بالليرة اللبنانية، لذلك فإن انهيار الليرة أدى تلقائيًا إلى توسع الفجوة في الأجور بين موظفي القطاع الخاص وموظفي القطاع العام الذين يبدون ضحايا التخبط المالي الذي يمر به البلد. 
إن انهيار الليررة سيضاعف تلقائيًا من عجز الميزانية العامة خصوصًا أن انهيار العملة أدى أيضًا إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية، كاللحوم والخضار والأجبان وأسعار المواصلات والاستشفاء.
قبل 7 أشهر كان الحد الأدنى للأجور في لبنان يبلغ 450 دولارا أي 675 ألف ليرة، ولكن مع تراجع الليرة الحالي، وصل الحد الأدنى للأجور إلى 146 دولارا، وفي حال استمر الوضع على ما هو عليه فقد يصل سعر سلعة واحد رئيسية كاللحمة إلى 100 ألف ليرة وهي قيمة شرائية توازي نسبة 15 في المائة من الحد الأدنى للأجور المعترف به رسميًا في لبنان والذي تبلغ قيمته 750 ألف ليرة.
 
هل يتحمل حاكم مصرف لبنان المسؤولية؟
يرى بعض الاقتصاديين أن جزءا من انهيار العملة الوطنية يتحمل مسؤوليته حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، فالرجل يعد المسؤول المباشر عن وضع سياسات نقدية لإدارة تثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار، وحين يكون الاقتصاد مدولرًا فيجب على الدولة أن تكون شديدة الحرص في الحفاظ على كمية كافية من الدولار الذي تحتاجه لتثبيت قيمة عملتها ولا يجب المساس باحتياط الدولار من أي جهة كانت ومهما كانت الظروف.
خبير المخاطر المصرفية الأستاذ محمد فحيلي قال لـ«المجلة» إن «الحل ليس بيد رياض سلامة، فالرجل كان مؤتمنا بالحفاظ على القطاع المصرفي وفشل بذلك. إن الأزمة التي يشهدها لبنان هي أزمة سياسية بامتياز فالدولة هي التي استدانت من المصارف وعلى الدولة البحث عن مخرج لأزمتها وليس عبر ضرب القطاع المصرفي. الدولة اعتادت أن تستدين من المصارف لسد العجز لديها، لذلك على الدولة وضع خطة حقيقية للتخلص من الهدر والفساد المالي الذي يتخلل مرافقها. الدولة اللبنانية لا تريد أن تدفع ديونها المستحقة لدى المصارف الخاصة ومصرف لبنان، وهذا الأمر زاد الأزمة تأزمًا، وفي نهاية المطاف يحمل المسؤولون في الدولة القطاع المصرفي مسؤولية الأزمة المالية ويطلبون منه امتصاص أزمة أنتجتها سياسات الدولة».
يؤكد فحيلي أن 60 في المائة من المصارف قد أفلست بشكل كامل لأن محفظة الديون لديها بدأت تتآكل بالمقترضين الذين لا يدفعون المستحقات، أما المقترضون الذين تمنكوا من الدفع في بداية الأزمة فإن قدرتهم على الدفع بدأت تتقلص، ومنذ أكتوبر (تشرين الأول) 2019 لا يوجد أي تعميم صدر عن مصرف لبنان وامتثلت إليه المصارف اللبنانية لأن هيبة المصرف المركزي انكسرت.
 
أين اختفت أموال المودعين؟
لا توجد دولارات في المصارف اللبنانية، هذه المعادلة باتت حقيقة راسخة في الحياة اليومية للمواطنين، وبدوره يشرح فحيلي كيف اختفت أموال المودعين، ويقول: «المصارف عندما تستقبل وديعة مالية جديدة من زبون، يتم توزيعها على الشكل التالي، الأول يتم الاحتفاظ بالاحتياط الإلزامي بمصرف لبنان بقيمة 15 إلى 25 في المائة من قيمة الوديعة وذلك بحسب العملة التي يتم إيداع الوديعة المالية بها، وهناك نسبة أخرى من الوديعة يطلق عليها اسم «الاحتياط الوقائي» وهو جزء من الوديعة يبقى لدى المصرف ويستخدمه الأخير لتلبية حاجات المودعين، ويوجد جزء من المبلغ يطلق عليه اسم «توظيفات» وتستخدم بين المصارف الداخلية والخارجية أو بين المصارف الداخلية والمصرف المركزي، ولدينا توظيفات على شكل قروض للقطاع العام كيوروبوند أو سندات خزينة بالليرة اللبنانية.
لقد اطمأن اللبنانيون أن السيولة جاهزة واكتشفنا أن السيولة غير جاهزة، بداية من الاحتياط الإلزامي إذا اعتبرنا أن هناك 170 مليار دولار ودائع بالدولار بالمصارف، لقد سمح مصرف لبنان للمصارف باستخدام 70 في المائة من الودائع الإلزامية وإعطائها على شكل قروض سكنية وقروض للمؤسسات، يعني هناك 70 في المائة من السيولة التي كان من المفترض بها أن تكون احتياطا إلزاميا أصبحت بيد الأفراد ومؤسسات على شكل قروض موضوعة، أما السيولة الثانية فهي التوظيفات، فقد قام المصرف المركزي باستدانتها للدولة اللبنانية، ومن هنا فإن حجم هذه السيولة اختفت تدريجيًا بسبب سوء إدارة الأموال وتعثر الدولة عن دفع ديونها.
وفي صدد حديثه يقول فحيلي إن الطموحات السياسية لعدد من أصحاب المصارف دفعتهم إلى تلبية حاجة الدولة للاستدانة.

 




الأستاذ الجامعي وخبير المخاطر المصرفية، محمد فحيلي


 
ما مصير المصارف؟
بحسب فحيلي، فإننا سنشهد في المستقبل على إغلاق مصارف نتيجة الإفلاس، ولكن يحذر فحيلي من التعامل مع المصارف على أساس أنها محميّات ويجب حمايتها بأي ثمن، ولكن يجب أن تسهل عملية إفلاسها أو دمجها أو استحواذها من قبل مصرف آخر.
 
هل نشهد على دمج مصارف؟
لا يستبعد فحيلي أن يشهد لبنان على حالات دمج مصارف عدة بعضها ببعض، ويشرح الخطوات التي تتخذ في حال قررت عدة مصارف الاندماج، ففي البداية يجب أن تحصل عملية إحصاء للموجودات والمطلوبات لكلا المصرفين، وأن يتم جمعهما تحت سقف رأسمال موحد، وليس بالضرورة أن يكون المصرفان قويين ولكن يكفي أن يكون هناك سبب واضح للدمج؛ على سبيل المثال، أن تقر الحكومة أو المصرف المركزي سياسة نقدية لتقليص عدد المصارف في لبنان، أو أن يشكل المصرفان هدفًا استراتيجيًا كأن يبررا نيّتيهما بالدمج في أن الخطوة ستمنح قوة مالية لكليهما من أجل خدمة الزبائن بشكل أفضل.
قريبًا سيشهد لبنان عمليات دمج بين مصرفين ولكن باءت بالفشل، ويمكن الاستفادة من دروس التجربة لتجنب فشل مماثل خصوصًا أن القطاع المصرفي في لبنان مقبل على هكذا خيارات صعبة.
 


 
اللجوء إلى صندوق النقد الدولي
ترى ليال منصور أن لجوء لبنان إلى صندوق النقد الدولي هو شر لا بد منه، لأن أول الأمور التي يفعلها الصندوق هو تحرير العملة المحلية من التثبيت مقابل الدولار، وحين يحرر الصندوق الليرة سيكشف قيمتها الفعلية، وتتوقع الخبيرة الاقتصادية أن تتحرر العملة قريبًا شاء اللبنانيون أو رفضوا لأن هذا مصير الدول المدولرة التي لا تدير أموالها بالشكل الصحيح، فعندما يكون البلد مدولرًا عليه أن يحافظ على ودائع الدولار كي يحافظ على استقراره المالي.
 
العقوبات على القطاع المصرفي
تشكل العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية على عدد من المصارف في لبنان بسبب تعاملها مع مودعين تابعين لحزب الله ضربة قاضية قسمت ظهر القطاع المصرفي اللبناني، خصوصا أن العقوبات أفقدت ثقة المجتمع الدولي في لبنان، وقال مصدر خاص لـ«المجلة» إن لبنان خلال الحرب السورية تحول إلى صندوق أسود مالي للنظام السوري، إذ تم تهريب مليارات الدولارات من السيولة اللبنانية إلى سوريا.
 
مصير الصرافين
في هذا السياق، تواصلت «المجلة» مع صراف رفض الكشف عن اسمه ينتمي إلى نقابة الصيارفة ويعمل في منطقة الحمرا في بيروت، وبرأيه فإن الصرافين سيكونون كبش محرقة التناحر السياسي بين القطاع المصرفي والدولة اللبنانية، خصوصًا أن الدولة والشعب يتهم الصرافين بأنهم المسؤولون عن التلاعب بالأسعار لذلك لا يستبعد الصراف أن يتم حظر مصلحة الصيرفة كليًا في لبنان وسيتوازى ذلك مع قرار تحرير العملة من عبء الدولار.