حقيقة مسلسل «الأسد- مخلوف»... وحاكم سوريا الفعلي

* قد تكون روسيا والأسد ومعهما إيران قد ربحوا المعركة العسكرية في سوريا، ولكن المؤكد وما نراه اليوم أنهم لم يربحوا الحرب، بل قد تكون كلفة الربح على روسيا تحديدًا أكبر بكثير من كلفة الخسارة لو أنها قبلت أن تخسر الأسد

عاد إلى الواجهة خلاف رئيس النظام السوري مع ابن خاله رجل الأعمال رامي مخلوف مجدداً، إلا أن النزاع ليس وليد اليوم، وليس محصوراً في خلاف بين الأسد ومخلوف. ولكنه اليوم بات أكثر تشويقاً، وخصوصاً مع كثرة التحليلات والمعلومات المتضاربة، حتى أصبح وكأنه جزء مما تقدمه الدراما السورية بشطحات هوليودية حينًا واستخباراتية أحيانًا للمشاهدين في شهر رمضان.
ظهر رامي مخلوف، في تسجيلين مصورين مؤخراً، وجه فيهما رسائل لابن عمته رئيس النظام السوري بشار الأسد، ولكنه اختار الظهور بمنظر التقي الورع وفاعل الخير؛ أسلوبه، واستشهاده بآيات قرآنية ومواعظ أخلاقية، لم تمنعه من القول إنه ساهم بشكل كبير في تمويل حرب الأسد على شعبه.
لا خلاف سياسياً بين الرجلين، فإن كان بشار الأسد واجهة النظام السياسية، فقد كان رامي مخلوف لأكثر من عقدين واجهة النظام الاقتصادية.
لم يختلف الرجلان، لأن بشار الأسد استيقظ صباح يوم ما وقرر محاربة الفساد، ولا لأن ضمير مخلوف صحا في يوم رمضاني طويل، ولكن جل ما في الأمر أن أزمة مالية واقتصادية خانقة تعصف بالنظام ومن معه، فقرر الأسد أن يأخذ ما يريد من بيت ماله وشريكه بالفساد، ليدفع مستحقات تراكمت عليه بسبب حربه المستمرة على السوريين.
بدأت قضية الخلاف بين الرجلين تظهر للعلن في النصف الأخير من العام الماضي، وقيل يومها إن الأمر سيُحل بمجرد الاستيلاء على الجزء الأكبر من ثروة مخلوف. ولكن القضية لم تكن محصورة بالأسد- مخلوف.
ففي شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، أصدرت السلطات السورية قراراً بإلقاء الحجز الاحتياطي على أموال رامي مخلوف، وعدد آخر من رجال الأعمال، إضافة إلى زوجاتهم. وذكرت الجمارك السورية في قرارها أن هذا القرار يأتي «ضماناً لحقوق الخزينة العامة من الرسوم والغرامات المتوجبة بقضية تتعلق بمخالفة أنظمة الاستيراد وغرامات أخرى». إلا أنه وقبل أيام قليلة من صدور القرار، كانت مواقع روسية قد سربت أخبارًا عن مطالبة روسيا للأسد بسداد مبالغ مالية تتراوح بين مليارين وثلاثة مليارات دولار، كدفعة مستحقة على نظام الأسد مقابل خدمات قدمتها له روسيا، إن على صعيد هيكلة الجيش، أو على صعيد ما تقول إنه حماية آبار النفط.
لقد كان رامي ومنذ وصول الأسد الابن إلى الحكم، هو اللاعب الأساسي في الاقتصاد السوري، وقد كشف تقرير نشرته صحيفة «فايننشيال تايمز» نشر في 2011 أن مخلوف وعائلته يسيطرون على 60 في المائة من اقتصاد البلاد، من خلال تحكمه في رؤوس الأموال والشركات والمشاريع الحيوية، ما جعله اللاعب الرئيسي في الاقتصاد السوري، وإن كان قد شارك بتمويل الحرب على السوريين كما ذكر، إلا أن ما هو متوجب عليه أكثر بكثير مما دفعه حتى الآن.
فاليوم مع ازدياد خناق العقوبات الاقتصادية على النظام وإيران، وبعد إحكام الولايات المتحدة قبضتها على منابع النفط والغاز في الشرق السوري، والعمل على ربط تلك المنابع بعضها ببعض، ومنع روسيا من الوصول إليها، ومن دون أن ننسى عاملا قد يكون الأهم وهو قانون قيصر والذي تفصلنا أسابيع قليلة جدا عن بدء تطبيقه، وجدت روسيا نفسها في سباق مع الوقت للحصول على أكبر قدر من الأموال لتعويض جزء من خسارتها وتكاليف حربها في سوريا، مع ما لحقها من خسائر بسبب الانخفاض غير المسبوق في أسعار النفط، وأزمة كورونا وتأجيل مشروع إعادة إعمار سوريا الذي كانت تعول عليه بسبب قيصر، فبدأت تُطالب الأسد بدفع جزء من فاتورة الحرب.
وجد الأسد لنفسه مخرجا من أزمته بالاعتماد على بنية الفساد التي أنشأها بنفسه، فلاحق من يعرف أنهم يدينون بثرواتهم له، وإن كان بعضهم قد رضخ ودفع ما عليه من مستحقات فرُفع اسمهم من قرار الحجز، إلا أن مخلوف رأى أنه غير قادر على دفع ما يطلب منه، وما يعتبر أنه «جنى العمر».
أما ما يحكى عن صراع داخل النظام نفسه، وأنه بات مفتتًا فهو بعيد عن طبيعة وبنية هذا النظام الشديدة المركزية، وإن كان رامي مخلوف بيت مال نظام الأسد، إلا أنه كغيره قابل للاستبدال، ومهما بلغت قوة مخلوف وشعبيته بين أوساط الطائفة العلوية التي ينتمي لها هو والنظام، بسبب «أعماله الخيرية» من خلال جمعية البساتين التي صودرت منه في وقت سابق، أو بسبب عدد الموظفين الكبير جدًا العاملين في شركاته، إلا أنه لم يبلغ من القوة ما بلغه قبلاً رفعت الأسد شقيق حافظ الأسد، والذي لم يتسبب خروجه من سوريا بأي زعزعة في بنية النظام.
كما أن عملية ما يعرف بـ«خلية الأزمة» التي طالت كبار قادة الأجهزة الأمنية في سوريا، لم تؤثر على النظام وإن كان الأكثر ترجيحا أن النظام نفسه هو من يقف وراء تصفيتهم.
والكلام عن أن روسيا ترى في مخلوف بديلاً مقبولاً عن الأسد مضحك، فموسكو ليست بهذه السذاجة لترى بشخص هتفت سوريا عن بكرة أبيها ضده وضد فساده وضد إجرام عائلته وأشقائه، وموضوع على قائمة العقوبات الأميركية والأوروبية، بديلاً يرضي أحدًا لا في الداخل ولا في الخارج.
وإن كانت روسيا من خلال إعلامها الممسوك تسرب موخرا أخبارًا عن نيتها التخلي عن الأسد، وعن فساده والمحيطين به، وتتعمد إذلاله، فهذه ليست المرة الأولى، وما الفيديوهات التي سربها الروس لبشار في مطار حميميم أو في السفارة الروسية في دمشق إلا شواهد على ذلك. ولكن روسيا تسعى اليوم من خلال هذه الحملات للضغط على الأسد لتأمين موارد مالية، قد تكون شركة الخليوي أحدها بعد أن يتم إبعاد مخلوف بالكامل.
يوم كان هناك من هو مستعد لدفع ثمن رأس الأسد لروسيا مقابل تخليها عنه، لم تقبل وطمعت برفع السعر، واليوم وروسيا ومن معها بأسوأ أوضاعهم المالية والاقتصادية، لن تجد من يدفع ثمن منتج غير صالح.
مخلوف وشركاته حلقة من ضمن حلقات ستتواصل تباعًا، والخليوي حلقة بعد مرفأ طرطوس وعقود تنقيب النفط والغاز، وقيصر بات قريبا جدا. وأقرباء زوجة بشار أسماء الأسد ودخولهم نادي الفاسدين الكبار في سوريا، تبقى تفاصيل بالإجمال، وإن كانت كلها أعباء وحده المواطن السوري يتحمل تبعاتها.
قد تكون روسيا والأسد ومعهما إيران قد ربحوا المعركة العسكرية في سوريا، ولكن المؤكد وما نراه اليوم أنهم لم يربحوا الحرب، بل قد تكون كلفة الربح على روسيا تحديدًا أكبر بكثير من كلفة الخسارة لو أنها كانت قد قبلت أن تخسر الأسد.