«قديس» الأغنية القبائلية إيدير يترجل

من دعاة السلام... وساند المظاهرات الفنية الداعمة للقضايا الإنسانية والقومية
* كان أقصى طموح الفقيد هو الاقتراب من الناس من خلال الحفلات، وبالفعل سعى لذلك لمدة عشر سنوات والتي كانت كافية لتحقيق مبتغاه
* عز الدين ميهوبي: إيدير يختلف عن كثير من الفنانين، فهو مثقف جدّا، ويملك قراءات سياسية عميقة، يعبّر عن أفكاره بلغة بسيطة دون تعقيد، ولا يزعجه إذا اختلفت معه، كما أنّ أخلاقه عالية

الجزائر: بعد نحو سبعين عامًا من مسار فني حافل، فُجع الجزائريون، بداية الأسبوع، بنبأ رحيل أحد عمالقة الأغنية الأمازيغية ببلادهم، وهو الفنان المشهور إيدير، بعد معاناة طويلة مع مرض عضال، وذلك بالعاصمة الفرنسية باريس، تاركًا وراءه إرثاً فنياً زاخراً طرق أبواب العالمية من أوسع أبوابها.
يُعدُ إيدير، واسمه الحقيقي حميد شريط، سفير التاريخ والأغنية الأمازيغية في جميع أنحاء العالم، وقد وافته المنية ليل السبت- الأحد الماضي، ولد سنة 1949 بقرية «آيت لحسين» التابعة لمحافظة تيزي وزو، وقد درس في بداياته علم الجيولوجيا، وكان من المفترض أن يلتحق بإحدى المؤسسات النفطية بالجزائر، إلا أنه حلّ عام 1973 مكان أحد المغنين في إذاعة الجزائر لأداء أغنية للأطفال.
والد إيدير كان أستاذا للعلوم الطبيعية وهو من دفعه للفن والعزف على الجيتار وعمره لم يتجاوز التاسعة من العمر، لكن في طفولته وحتى بداية شبابه لم يكن في نية إيدير التفرغ للفن، حيث كرّس جل أوقاته لدراسة الجيولوجيا، وتنقل سنة 1973 إلى الصحراء في جنوب الجزائر للعمل في مجال البترول والغاز، وهناك اكتشفه زملاؤه في العمل، بعد أن أدى لهم قصيدة «أفافا نوفا» التي أصبحت بعد ذلك من أشهر أغانيه، حيث سجلت في استوديو القناة الأمازيغية بالجزائر العاصمة عام 1976. وهي الأغنية التي قام بتلحينها، واشترك فيها مع الشاعر محمد بن حمدوش في كتابة كلماتها، وتعتبر الأغنية تهويدة تدور في إطار أسطورة أمازيغية ملخّصها كفاح وتضحية فتاة اسمها «غريبا» نحو والدها العجوز «إينوفا» وإخوتها الصغار، وهي في ربيع العمر، من أجل لقمة العيش لها ولأسرتها في بقعة من بقاع الأرض.

 




الفنان القبائلي إيدير في إحدى حفلاته


الأغنية مستمدّة من أسطورة جزائرية-أمازيغية يبلغ عمرها عشرات القرون وهي تروي حكاية سندريلا المغاربية، الفتاة التي تعمل طوال النهار في حقول الزيتون تقطف الثمار وتحرث الأرض وتعلف للمواشي. فإذا غربت الشمس، عادت تجرّ تعبها إلى البيت، حيث يقبع أبوها الشيخ وإخوتها الصغار، تدقّ الباب فيحتار الشيخ أيفتح الباب لقادمٍ لا يعرفه- تسمّيه الأسطورة وحش الغابة- فيقضي على أولاده ولا يستطيع له دفعًا، أم يسدّ الباب في وجه من تقول إنها ابنته.
تتدخّل الأسطورة لموقف إنساني، لتقول إن الوالد اتفق مع البنت على أن تَرُجَ أساورها التي يحفظ صوتها، فإذا سمعها فتح الباب لابنته، ولما تحمل من رزق، عندها فقط تلج البيت بعد الاختبار وتأوي إلى حضن الوالد الهرم منشدة حزنًا «أخاف وحش الغابة يا أبي» فيجيبها والدها متأسفًا وباكيًا «وأنا أيضًا أخافه يا بنتي». ويطلب الوالد غفران الصغيرة لعدم فتح الباب لها من أوّل طرقة.
ثم تحمل الأغنية المستمع إلى أجواء المنطقة المثلّجة لتروي حكاية الشيخ المتلفّع في بُرْنُسِهِ وابنه المهموم بلقمة العيش، والعجوز التي تنسج على المنول، والأطفال حولها يحلمون بالربيع المقبل.. بأعراسه وبركاته.. بتُفَاحِهِ وخَوْخِهِ ومِشْمِشِهِ.. وذلك رغم الثلج الرابض خلف الباب.. بينما يختفي القمر وتحتجب النجوم ويتوسّد الشبان والأطفال أمانيهم فيما يستمعون لأقاصيص الجدة العجوز.
وفي سنة 1979 أعاد إيدير التجربة بكتابته لمجموعة من الأغاني تضمنها ألبومه الثاني والذي حمل عنوان «أياراش إناغ»، أي «يا أبناءنا». 
كان أقصى طموح الفقيد هو الاقتراب من الناس من خلال الحفلات، وبالفعل سعى لذلك لمدة عشر سنوات والتي كانت كافية لتحقيق مبتغاه، لكنه لم يسجل في هذه الفترة أي ألبوم لدرجة جعلت جمهوره وكشافه يفتقدون إبداعه.

 




حميد شريط المعروف عالمياً بإيدير


في سنة 1991 كانت العودة من جديد لإيدير بإعادة تسجيله لـ17 أغنية من الألبومين الأولين، واحتفاء بعودته الفعلية أحيا إيدير حفلا في فرنسا بقاعة (new morning) بباريس وهذا يومي السابع والتاسع من شهر فبراير (شباط) عام 1992 ومن هنا أصبح النوع الغنائي المتميز الذي يؤديه الفنان الجزائري يصنف ضمن الموسيقى العالمية.
وفي سنة 1993 عاد الفنان بعمل جديد أدخله عالم الاحترافية مع فرقة بلو سيلفيري عمل بإيقاعات موسيقية تتضمن آلة القيثارة، والناي، والأورق، إضافة إلى الدربوكة التي تنفرد بخصوصية عربية. كما تمكن إيدير من تسجيل ديو مع آلان ستيفان عنوانه «اسالتين» وبهذا ضمن الفنان المغترب الوقوف على خشبة الأولمبيا الباريسية ثلاثة أيام على التوالي ليواجه العالم العربي بفن جزائري محض.
كما يعرف عن إيدير أنه من دعاة السلام، حيث يعد من بين الفنانين المتحمسين للمظاهرات الفنية المساندة للقضايا الإنسانية والقومية، حيث اشترك هو والشاب خالد في 22 يناير (كانون الثاني) 1995 في حفل حضره 6000 شخص من مختلف الجنسيات، كما شارك إيدير في حفل تكريمي لمعطوب الوناس الذي اغتيل سنة 1998.
وسنة 1999 كانت بالنسبة للفنان إيدير من أخصب السنوات فنيا وأكثرها أهمية من حيث إنتاج الألبومات، حيث استطاع جمع عدد كبير من الفنانين والموسيقيين العالميين مثل الفرنسي ماني شاو وماكسيم فورستي والأيرلندي كارن ماتيسون وقناوي diffusionوفرقة زيدة الجزائرية، والإنجليزيين جيل سيرفات ودان ارمبراز والأوغندي جيوفري أوريما وفرقة (onb) وهذا لتسجيل أغنية A VAVA INOUVAوبهذا يكون المطرب إيدير قد سجل ثلاثة ألبومات في ظرف ثلاثين سنة، وإلى جانب الفن اهتم إيدير بالبيئة والطبيعة.
في 2017 ظهر إيدير رفقة الفنان الفرنسي المشهور ذي الأصول الأرمينية شارل أزنافور وهما يؤديان أغنية «البوهيميا» (La Bohème) باللغة الأمازيغية، ضمن ألبوم ثنائيات حمل عنوان «من هنا وهناك» بمشاركة أبرز أسماء الأغنية الفرنسية من خلال الأغاني الأكثر رواجًا، ومنها «البوهيميا» لشارل أزنافور. ويظهر فيديو بث آنذاك عبر «يوتيوب» مدى دقة الراحل في عمله مع إيدير الذي قال إن «شارل أزنافور كان يتوقف عند كل تفاصيل الكلمات حتى وإن كانت معقدة بحيث استطاع نطق أصعب الكلمات باللغة القبائلية حتى ظنناه واحدا منا»، هكذا يضيف الفنان إيدير الذي وصف شارل أزنافور بـ«ثالث الكواكب بعد الشمس».
ورغم أن الجزائر ومثل باقي دول العالم تعيش على وقع تداعيات ومخاوف وباء كورونا، إلا أن ذلك لم يشغل الجزائريين عن رثاء فقيدهم، الذي اعتبروه خسارة فادحة للإرث الثقافي الأمازيغي الجزائري الزاخر.
الرئيس عبد المجيد تبون تفاعل مع نبأ وفاة الفنان، وبعث برسالة تعزية لعائلته، كما نشر تغريدة عبر حسابه الرسمي في موقع «تويتر» قال فيها «ببالغ الحزن والأسى تلقيت نبأ وفاة المرحوم حميد شريت المدعو فنيًا إيدير، أيقونة الفن الجزائري وصاحب السمعة العالمية. بهذا المصاب تفقد الجزائر هرما من أهراماتها. رحمه الله وأدخله فسيح جناته وألهم ذويه ومحبيه جميل الصبر والسلوان إنا لله وإنا إليه راجعون». 
في حين اعتبر الوزير الأول عبد العزيز جراد، ومن خلال تغريدة له أيضاً أن «الجزائر برحيل الفنان حميد شريات المدعو إيدير، تكون قد فقدت نجما من كبار نجومها، الذي ستظل تتذكره الأجيال وتتغنى بمآثره الأصيلة».
رسائل التعزية لم تقتصر على الجهات الرسمية الجزائرية بل جاءت حتى من شخصيات رسمية خارج الجزائر، أبرزهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي قال مساء الأحد إنه «بوفاة المغني إيدير فإن صوتًا فريدًا انطفأ، وإن الشعر الذي تحمله أغانيه سيستمر صداه بين ضفتي المتوسط لوقت طويل». 

 




إيدير اشتهر برائعة أفافا ينوفا


ونشر ماكرون تغريدة ينعى فيها وفاة إيدير، جاء فيها أن «الأخير كان يغني أصوله القبائلية بحنين مغترب يدافع عن الأخوة بين الشعوب وبآمال إنسانية».
منظمة اليونيسكو هي الأخرى تفاعلت مع نبأ وفاة الفنان بتغريدة عبر حسابها الرسمي في موقع «تويتر» جاء فيها أن «وفاة الفنان الجزائري حميد شريط المعروف عالميًا باسم إيدير، سفير الأغنية الأمازيغية ولغته الأم وثقافته العريقة، خسارة لنا جميعًا».
مدير الشؤون الدينية والأوقاف بمحافظة بجاية، وفي خطوة جريئة وسابقة تكسر الصورة النمطية عن الأئمة، رثى الفنان الراحل بإعادة أداء إحدى روائعه الفنية من خلال فيديو بثه عبر صفحته في موقع التواصل الاجتماعي، وكتب الدكتور بوعلام جوهري والذي يدرس في نفس الوقت بجامعة بجاية شهادة عن إيدير جاء فيها «عاش ثلثي حياته في فرنسا وبقي بارا بأمه التي توفيت عنده في عمر 96 عاما... وظل بارا بها... ناصر جميع المستضعفين وكان عونا للقضية الفلسطينية في وسط فني يخشى فيه الفنانون إعلان ذلك وتبنيه... كان يقول عن نفسه إنه مسلم... ولم يتنكر لجزائريته... وكان يردد... لا جزائر من دون منطقة القبائل ولا منطقة قبائل من دون الجزائر... تفتح على كل ثقافات العالم دون أن ينغلق على باقي التنوع في بلده... غنى مع خالد ومامي كدليل على الروح الجزائرية التي كانت تسري فيه... ترك معزوفات خالدة اخترقت الأجيال وستظل... لم يفهم كلماته من لا ينطق بالأمازيغية ولكن الجميع أحس في ألحانه نداء الحنين للأجداد… كتب في الثمانينات نصا داخل رائعته (املييي)... علمني... يختصر فيه الصراع الهوياتي الذي يراد له خلق ثنائية متنافرة بين الإسلام والبعد الأمازيغي للإنسان الجزائري».
ولأنه كان وزيرا للثقافة، فقد كان الأديب عز الدين ميهوبي على تواصل مع الفنان إيدير حينما قرر العودة للغناء في الجزائر بعد انقطاع لأكثر من أربعين عامًا، وعن تلك الذكريات يقول ميهوبي: «أذكر أنه حينما جاء إلى الجزائر كان كل مرة يقول لي يبدو أن البلد تغيّر وأنا لم أتغيّر. أن تبتعد قرابة الأربعين عامًا عن أرضك وشعبك، يعني أنّك لن تلمس الشيء الذي يعيش بداخلك. الألوان، وجوه النّاس، النساء، الأرصفة، الأضواء، السيارات، الجدران، المقاهي، لغة الشارع.. نعم تغيّرت أشياء كثيرة. ربّما تقلصت المسافة قليلا نحو الهويّة». ويتابع: «كان يُحدّثني، وكأنه يعرفني منذ أربعين عامًا. أنا كنتُ أعرف إيدير وروائعه التي لن تموت في قلوب النّاس. فقد نشأ عليها جيلنا، وبقيت نوتة أفافا ينوفا، أبحري، أواه أواه، والسندو.. تهزّ المشاعر، وتبثُ المتعة عند سماعها».
وكشف ميهوبي لـ«المجلة» أن «أول ما سأله، كان عن سرّ تسميته إيدير بدل حميد»، فكان الرد يقول ميهوبي على لسان إيدير: «ربما هو الخوف من الوالدين.. فقد كانت فكرة أحد أقاربي الذي نصحني بأن أصدر ألبومي الأول باسم إيدير حتى يستمر. إيدير يعني الإنسان الحي أو الذي على قيد الحياة... يعني أن أعيش أنا وأغاني دون علم والديّ!». ولإيدير معنى آخر في لسان الطوارق وهو الجذور».

 




الفنان الجزائري إيدير رفقة الفنان الفرنسي شارل أزنافور خلال تسجيل أغنية مشتركة


برأي ميهوبي فإن «إيدير يختلف عن كثير من الفنانين، فهو مثقف جدّا، ويملك قراءات سياسية عميقة، يعبّر عن أفكاره بلغة بسيطة دون تعقيد، ولا يزعجه إذا اختلفت معه، كما أنّ أخلاقه عالية، متواضع بلا استعلاء وهادئ بلا رعونة، حيث يطغى على سلوكه البعد الإنساني، فهو سريع البداهة، حاضر الذهن، يُحسن التعبير بالنكتة الهادفة. كما أنه من أكثر الفنانين الذين التقيتهم تفتحًا على الثقافات، كونه قارئا جيدا، وناقدا ذكيا»، وذكر ميهوبي أنّه «حدّثه عن سي محمد أو محند الشاعر الأمازيغي المعروف كما تحدث عن المتنبي وقيمة شعره وقوة لغته»، وكشف أنه «تأسّف لأنه لم يتمكن جيّدًا من التحكّم في العربية الفصيحة»، وربّما هذا ما جعله يتردّد حسب حديثه في فترات سابقة في تلبية دعوات وصلته من مصر ولبنان والخليج..
ورغم أن عشّاقه ومحبيه كانوا ينتظرون نقل جثمانه للجزائر لإلقاء النظرة الأخيرة عليه، إلا أن عائلة الفنان أعلنت أن «مراسم تشييع جثمان فقيد الفن الجزائري والأمازيغي ستكون بفرنسا». وأفادت العائلة في بيان أنّ «الجنازة ستتم بفرنسا بالنظر إلى الإجراءات الصحية المفروضة بسبب تفشي وباء كورونا في العالم». وتأسفت العائلة لعدم «تمكن محبي الفنان الراحل من حضور مراسم الدفن وإلقاء النظرة الأخيرة عليه، التي ستقتصر على أفراد العائلة فقط»، حسب البيان.