مصر وصندوق النقد الدولي للمرة الخامسة... «تفاوض بلا شروط»

حزمة مالية لمواجهة التداعيات الاقتصادية لأزمة كورونا
* خبير اقتصادي لـ«المجلة»: إجراء احترازي للحد من أي تأثيرات سلبية تعوق قدرة الاقتصاد على التعافي من آثار كورونا
* أستاذة اقتصاد لـ«المجلة»: هذا الدعم هو «تمويل سريع» لا يفرض الصندوق فيه شروطاً أو توصيات، ولن تتأثر الأسعار بسبب الحصول عليه
* خبير لـ«المجلة»: مصر عضو في صندوق النقد الدولي، ومن حقها الحصول على أي تسهيلات نقدية، خاصة في ظل التوصيات بمراجعة الديون الخارجية للبلدان النامية
* «التمويل السريع» يهدف للحفاظ على النمو الاقتصادي مع التصدي للأبعاد الصحية والاجتماعية للوباء
* هذه الخطوة تساعد في سد عجز التدفقات النقدية من العملة الصعبة وتعالج الفجوة في مصادر تمويل وضخ الاستثمارات

القاهرة: في خطوة استباقية لتحفيز الاقتصاد وتعزيز ثقة المستثمرين في مواجهة تداعيات كورونا، طرقت مصر أبواب صندوق النقد الدولي، لطلب حزمة مالية طبقاً لبرنامج أداة التمويل السريع «RFI» وبرنامج اتفاق الاستعداد الائتماني «SBA»، وهي مساعدات مالية عاجلة يوفرها الصندوق لكل البلدان الأعضاء التي تواجه موازين مدفوعاتها احتياجات ماسة، وقد أنشئت هذه الأداة في سياق عملية إصلاح أوسع نطاقا تهدف إلى زيادة مرونة الدعم المالي الذي يقدمه الصندوق لتلبية الاحتياجات المتنوعة للبلدان الأعضاء، حيث تحل «أداة التمويل السريع» محل سياسة المساعدة الطارئة التي كان الصندوق يطبقها في مجموعة واسعة من الظروف.
حالة من التفاؤل لدى الحكومة المصرية بشأن اتجاه الصندوق للموافقة على طلبها، مستندة في ذلك إلى نجاحها في برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي نفذته في 2016، حيث حصلت على قرض من الصندوق بقيمة 12 مليار دولار على 6 شرائح، تسلمت آخر شريحة بقيمة ملياري دولار العام الماضي، بالإضافة إلى تصريح كريستالينا جورجيفا المديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولى والتي قالت: «ندعم بالكامل هدف الحكومة المصرية في الحفاظ على المكاسب الكبيرة التي تحققت في ظل تمويل الصندوق الممتد لثلاث سنوات والذي تم الانتهاء منه بنجاح العام الماضي»، مؤكدة أن «حزمة الدعم المالي ستساعد في تعزيز الثقة في الاقتصاد المصري وإحراز مزيد من التقدم لحماية الفئات الأكثر ضعفا وتوفير الأساس لانتعاش اقتصادي قوي».
ولجأت مصر إلى صندوق النقد الدولي 5 مرات، الأولى كانت في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، حيث اتفقت مع صندوق النقد الدولي عام 1987 - 1988 على قرض بقيمة 185.7 مليون دولار، من أجل حل مشكلة المدفوعات الخارجية المتأخرة وزيادة التضخم، وبعد الاتفاق على القرض تراجعت السلطة لتفادي التوتر والمظاهرات الشعبية في ذلك الحين، ثم لجأت لمصر للاقتراض للمرة الثانية في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك مع حكومة عاطف صدقي عام 1991، حيث اقترضت مصر حينها 375.2 مليون دولار لسد عجز الميزان التجاري. أما المرة الثالثة التي لجأت فيها مصر للاقتراض من صندوق النقد فكانت في عام 1996 حيث طلبت قرضا بقيمة 434.4 مليون دولار ولم تسحب مصر قيمة هذا القرض واعتبر لاغيا، ولكنه شكل إطارا سمح لمصر بالحصول على إلغاء لـ50 في المائة من ديونها المستحقة لدى الدول الأعضاء في نادي باريس الاقتصادي، والمرة الرابعة كانت في 2016. ثم طلبها الأخير بحزمة مالية طبقاً لبرنامج أداة التمويل السريع.
الحكومة المصرية والبنك المركزي أصدرا بيانا مشتركا يؤكد أن المباحثات بشأن طلب حزمة مالية من صندوق النقد، وصلت إلى مرحلة متقدمة، ويُعد هذا الاتفاق والتمويل المصاحب له في هذه المرحلة، أمراً مهماً لدعم ثقة السوق وللحفاظ على المكتسبات والنتائج الإيجابية التي تحققت في السنوات الأخيرة من خلال برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي أشادت به جميع المؤسسات الدولية، وانعكس ذلك إيجابياً في تقييم المؤسسات الدولية للاقتصاد المصري، حيث قررت مؤسسة «استاندارد آند بورز» الإبقاء على تصنيف مصر الائتماني كما هو عند مستوى «B» مع نظرة مستقبلية مستقرة مقارنة بعشرات الدول حول العالم التي تم تخفيض تصنيفها الائتماني.
 
معدلات النمو
أكدت الدكتورة يمن الحماقي أستاذة الاقتصاد، أن سعي مصر لإبرام اتفاق آخر مع صندوق النقد الدولي يأتي في إطار الإفادة من الفرص التي توفرها المؤسسات الدولية حاليا لمساندة الدول على مواجهة تداعيات كورونا، وذلك بهدف الحفاظ على النجاحات الاقتصادية التي تحققت ومواصلة النمو الاقتصادي جنبا إلى جنب مع التصدي للأبعاد الصحية والاجتماعية لأزمة كورونا.
وأشارت إلى أن طلب الحكومة المصرية حزمة مالية جديدة من صندوق النقد الدولي، هو عبارة عن «تمويل سريع» ولا يفرض الصندوق فيه شروطاً أو توصيات، ولن تتأثر الأسعار بسبب الحصول على هذا الدعم المالي، حيث إنه في الفترة الحالية، وبسبب الأزمة التي يمر بها العالم أجمع، فمن الطبيعي جداً أن تتوجه الدول إلى المؤسسات الدولية والنقدية العالمية، ولا سيما أن هذه المؤسسات ومنها البنك الدولي أعلن أنه سوف يخصص محفظة قدرها 160 مليار دولار لمساعدة الدول التي ترغب في الحصول على دعم بعد جائحة كورونا كما أن صندوق النقد الدولي أعلن منذ شهر عن تخصيص 100 مليار دولار لدعم الدول والأسواق الناشئة والصاعدة لمواجهة تداعيات هذه الأزمة العالمية.
وأوضحت الحماقي أن الاقتصاد المصري مثله مثل كثير من الاقتصادات العالمية يواجه تحديات تفوق قدرة الدول والحكومات والقطاع الخاص نتيجة توقف قطاعات حيوية، منها في مصر السياحة والطيران، مشيراً إلى أن طلب قرض الصندوق جاء بسبب الرغبة في تلافي أزمة أكبر مستقبلاً، نتيجة أزمة حالية، كما أنه يساعد على سرعة التعافي من تلك الأزمة.
واعتبرت أن مظلة الحماية الاجتماعية التي طبقتها الدولة المصرية منذ بداية الإصلاح الاقتصادي كانت من أنجح برامج الحماية عالميا، وقد أشاد بها صندوق النقد الدولي، ‏وهي نفس المنظومة المالية التي تريد الدولة أن تستمر اليوم مع الأزمة وهو ما يشهد به الصندوق.

 




د. هاني توفيق لـ«المجلة»: التسهيلات المقرر أن تحصل عليها مصر من صندوق النقد خلال الفترة المقبلة، ستلعب دوراً مباشراَ في تخفيف آثار أزمة كورونا

 


 
تحفيز السوق
وقال الدكتور هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، إن التسهيلات المقرر أن تحصل عليها مصر من صندوق النقد الدولي خلال الفترة المقبلة، ستلعب دورا مباشرا في تخفيف آثار أزمة كورونا وتداعياتها على الاقتصاد، كما ستوفر قدرة أكبر على تحفيز السوق وتعزيز ثقة المستثمرين والشركات العالمية في السوق المصرية، ووصف تحرك الحكومة المصرية بـ«الخطوة الذكية» للاستفادة من المؤشرات الإيجابية التي توثقها تقارير المؤسسات الدولية عن مصر، وفي مقدمتها الصندوق الدولي نفسه الذي توقع في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي أن تكون مصر السوق الإقليمية الوحيدة التي تشهد نموا إيجابيا بنحو 2 في المائة، وبالتالي فإن تحرك الحكومة المصرية هدفه الاستفادة من الصورة الإيجابية المتكررة في تقارير صندوق النقد والمؤسسات المالية وبنوك الاستثمار العالمية، وتوفير حزمة مساندة تُعزز المالية العامة وقدرات مواجهة كورونا وتداعياته، وتقليص الضغط على الاحتياطي النقدي بما يوفر مرونة أكبر وقدرة على المناورة والتعامل مع الأزمة حال امتدت لشهور إضافية مقبلة».
وأوضح أن الفترة الأخيرة حملت ضغوطا مالية قوية على الموازنة واحتياطي النقد الأجنبي، فضلا عن إجراءات الدولة لتجاوز الآثار المباشرة على الاقتصاد وقدرات السوق، عبر ضخ مخصصات مالية ضخمة لدعم المستثمرين والشركات والبورصة وتعزيز برامج المساندة والرعاية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجا، ومع امتداد الأزمة لأسابيع مقبلة، وغموض المشهد بشأن موعد انتهائها الكامل واستعادة العالم لعافيته الاقتصادية، سعت الحكومة إلى البحث عن وسائل عملية لتقليص الضغوط، وتحسين أداء الموازنة والمالية العامة والإيرادات النقدية بما يضمن استقرار السوق لشهور طويلة مقبلة.
 
سد العجز
وأكد محسن عادل نائب رئيس جمعية التمويل والاستثمار، أن اتجاه مصر لطلب حزمة مالية من صندوق النقد الدولي، يساعد في سد عجز التدفقات النقدية من العملة الصعبة التي تأثرت بسبب أزمة «كورونا» وتراجع مصادر الدخل من السياحة وتحويلات العاملين المصريين في الخارج، بالإضافة إلى تراجع الصادرات، الأمر الذي تسبب في حدوث فجوة في مصادر تمويل وضخ الاستثمارات.
وأضاف أن مصر عضو في صندوق النقد الدولي، ومن حقها الحصول على أي تسهيلات نقدية، خاصة في ظل التوصيات الدولية بمراجعة وجدولة الديون الخارجية للبلدان النامية في ظل الأزمة الحالية، والتي نحتاج معها إلى نقد أجنبي من المؤسسات الدولية، وأهم ما يدعمنا في هذه المرحلة نجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري بشهادة الصندوق، والأولويات بعد الحصول على التسهيلات المطلوبة هي تحريك عجلة الاقتصاد باتجاه قطاعات رئيسية ومطلوبة مثل قطاع صناعات التكنولوجيا والاتصالات وصناعة المعدات الطبية والأغذية، وإيجاد رؤية واضحة للنهوض بها وتعظيم الفائدة المرجوة منها، لأن المنتج المصري قادر على المنافسة ولكن في ضوء رؤية وخطة عمل.
وأشار إلى أن تعاون صندوق النقد مع الحكومة المصرية سيكون بمثابة مساندة معنوية مهمة، بما يؤكد توقعات الصندوق السابقة بشأن الأداء الإيجابي للسوق خلال 2020. ويوفر دعاية مهمة للإجراءات المصرية وثبات هياكل الاقتصاد وقدرته على تجاوز تداعيات الوباء والنجاة من الخسائر الفادحة التي عانتها دول كبرى ومتقدمة، وهو ما سينعكس إيجابيا في المرحلة المقبلة على تدفقات الاستثمار المباشر، واجتذاب مزيد من المستثمرين والشركات للعمل في مصر، مع توسع المشروعات القائمة في أعمالها، استغلالا لمناخ الثبات والثقة، وسعيا للاستفادة من الفرص المتوافرة داخليا والآفاق الإيجابية المتوقعة خارجيا مع انحسار الأزمة وعودة التداول التجاري والخدمي العالمي لمستوياته الطبيعية، بما يزيد الطلب على المنتجات والخدمات والمقاصد السياحية المصرية، بشكل يزيد من العوائد وفرص النمو ويولد مزيدا من الوظائف ومسارات النجاح.

 




صندوق النقد الدولي (غيتي)

 


 
ملاءة مالية
قال الدكتور إبراهيم مصطفى الخبير الاقتصادي، إن علاقات مصر بالمؤسسات المالية الدولية لم تنقطع تماماً، وخاصة بعد انتهاء برنامج الإصلاح الاقتصادي منذ أشهر قليلة، وتحقيق الإصلاح المالي للدولة خلال الثلاث سنوات الماضية، موضحاً أن دخول مصر في مفاوضات مع صندوق النقد الدولي للحصول على حزمة تمويل مالية لدعم جهودها في مواجهة تداعيات فيروس كورونا يأتي بهدف الحفاظ على المُكتسبات التي تحققت، لتمثل الخطوة الجديدة إجراء احترازياً، للحد من أي تأثيرات سلبية تعوق قدرة الاقتصاد القومي على التعافي من آثار كورونا.
وأشار إلى أن الاتفاق ينقسم إلى حزمتين ماليتين الأولى تمويل سريع والثانية اتفاق استعداد ائتماني، والحزمة التمويلية الأولى سيتم صرفها خلال أسابيع وسيتم سدادها خلال أجل متوسط قد يصل إلى 5 سنوات، أما الحزمة الثانية فستكون برنامج «اتفاق الاستعداد الائتماني»، وفيه تتقدم الحكومة المصرية بطلب لصندوق النقد الدولي للحصول على هذه الحزمة وفق احتياجاتها، ويتم الاتفاق عليه مع الصندوق مثلما حدث مع برنامج التمويل السابق، ومدة هذه الحزمة ستكون سنة واحدة فقط، والحصول عليها سيكون على دفعات، منها دفعة فور الاتفاق مباشرة ودفعتان آجلتان.
وأكد أن المؤسسات الدولية لا تقوم بتمويل مساعدات للدول، إلا إذا كانت لديها ملاءة مالية قوية، وهذا القرض هو شهادة دولية أخرى من الصندوق وتأكيد العلاقة الوثيقة المستدامة مع مصر، لا سيما أن مديره الصندوق أعلنت ترحيب الصندوق بالتعاون مع مصر، لأن لها مصداقية عالية في برامج الإصلاح الاقتصادي على مستوى العالم.