نيللي: مفاجأة غيّرت مجرى حياتي

«المجلة» تنشر مذكراتها على حلقات (3)
* وقفت أمام عبد الوهاب، وعندما أردت النطق تلعثمت

القاهرة: روت نيلي في الحلقة الثانية التي نشرتها «المجلة» في العدد الماضي، قصة نجاحها الأول في فيلم «الحرمان»، وكان عمرها لم يتجاوز أربع سنوات، ثم حكاية تجربتها الثانية في فيلم «عصافير الجنة»، الذي أخرجه محمود ذو الفقار. ورغم انتشارها السريع وجدت نفسها في حرب معقدة مع شهرة شقيقتها فيروز، وتوقفت عن العمل لمدة قصيرة إلى أن جاءها التلفزيون والمسرح ليفتحا أمامها أبوابا جديدة. 
وهنا الحلقة الثالثة من مذكرات نيلي. 
 
كنت أعمل في أول عمل مسرحي لي: «اوعى تعكر دمك»، حتى جاء يوم فتحت فيه أبواب الحظ أمامي. نعم في هذا اليوم كان مولدي الحقيقي كفنانة استطعت بعده أن أحقق شهرة عريضة، وفي هذا اليوم جاءت مفاجأة غيرت مجرى حياتي، ولذلك سأحكي ما حدث في ذلك اليوم من أوله.
 
القدر يطرق بابي
استيقظت كالعادة من نومي في الساعة الخامسة مساءً، تناولت غذائي، وجلست لأتحدث مع أمي وإخوتي عن أحداث اليوم السابق، وماذا فعل الجمهور، وهي حكايات تدور في كل بيت فيه فنانة. في الساعة الثامنة أعدت ملابسي وتأهبت للخروج مع أمي إلى المسرح، أذكر في هذا اليوم أن المسرح كان يغص بالجمهور والجميع يريدون أن يظهروا بصورة لائقة أمام المشاهدين، باختصار أديت دوري بإتقان، وصفقت لي الجماهير بحماس، ودخلت غرفتي فوجدت أمي في انتظاري، وهي تقول «برافو نيلي كنت عظيمة النهارده». 
وقبل أن تكمل جملتها سمعت طرقًا على باب الغرفة، سألت: من بالخارج؟ 
فرد علي صوت قائلا: محمد علوان. 
هل هذا معقول؟ حدثت نفسي إنه المخرج الإذاعي الكبير محمد علوان يدق باب حجرتي بالمسرح. فتحت الباب بسرعة وأنا أرحب به، وبدأ في الكلام. كان حديثه طويلاً، ولكن لم يتبق في ذهني منه سوى كلمات ثلاث سحرية حولت العالم من حولي إلى أضواء وتصفيق وهتافات جماهير.. قال لي: بكرة في الإذاغة مع محمد عبد الوهاب. 
كانت أمي تقبلني وهي فرحة، ولكني كنت أعيد ذكر الكلمات الثلاث من ذهني، كل مرة بترتيب مغاير للمرة التي قبلها، أنا مع محمد عبد الوهاب في الإذاعة قبل أن أفبق من حلمي الذي عشت فيه، وخيل لي أثناءها أن الدهر ممتد، وأن الزمان لا ينقطع. انفتحت فيه كل أبواب العوالم السحرية. قال الأستاذ محمد علوان وهو يشدني إلى أرض الواقع: 
خلاص يا نيلي بانتظارك غدًا في الساعة الثالثة بعد الظهر. 
وما إن خرج الأستاذ علوان حتى عدت لأتوه في أحلامي من جديد؛ معقول، أنا سأمثل أمام محمد عبد الوهاب بعد فترة انقطاعه عن التمثيل؟ هل سيقبل أن تكون البطلة التي ستقف أمامه فتاة صغيرة عمرها لا يتعدى 12 عامًا؟ عشرات من الأسئلة دارت أمام عيني كطواحين الهواء تدغدغ أحاسيسي، ولا أجد عليها إجابة، واختفى العالم من حولي، وظلت أرقام الساعة الثالثة هي الوحيدة المرسومة أمام عيني أخرجنتي أمي من أحلامي وهي تقول: تأخر الوقت يا نيلي نريد الرجوع إلى البيت. وما إن دخلت غرفتي حتى أغمضت عيني ولم أرد أن افتحهما إلا في الساعة الثالثة من مساء اليوم التالي.
 
 




تشجيع عبد الوهاب فتح أمامي أفقاً واسعاً

الميعاد المنتظر
وفي اليوم التالي ذهبت إلى مبنى الإذاعة في الموعد المحدد، فوجد الأستاذ علوان في انتظاري، وما إن شاهدني حتى قال: أهلا نيللي.. دقائق لنعد أجهزة التسجيل ونذهب إلى منزل الأستاذ عبد الوهاب. 
هذه المرة لم أترك كلمة تقال دون أن أستوعبها جيدًا، فسألته: لماذا سنأخذ أجهزة التسجيل؟ 
فرد مستعجبا لنسجل الحلقة التي ستذاع غذا أول يوم في رمضان، ثم أضاف: إيه الحكاية لقد أفهمتك كل شيء أمس، فقلت على الفور: عموما أنا جاهزة. 
أعطاني الأستاذ علوان النص الإذاعي، وكان الاسم مكتوبا على الغلاف بخط كبير: «شئ من العذاب»، تأليف أحمد رجب، إخراج محمد علوان. 
وبدأت في سماع حديث الأستاذ علوان عن الشخصية وطريقة أدائها في كلمات بسيطة وبتركيز شديد.
في ذلك الوقت دخلت علينا المذيعة الكبيرة آمال فهمي فقالت ضاحكة: لازم دى الأمورة نيللي اللى حتمثل «شيء من العذاب». في تلك اللحظة أدركت أن اختياري لهذا الدور أمر يعرفه الجميع إلا أنا. وفي الدقائق التي تركني فيها الأستاذ علوان بدأت أتخيل أن الأستاذ عبد الوهاب يجلس بجواري وأننا نمثل، فبدأت أقرأ بصوت عالٍ كأنني أمام الميكروفون. وأخرجني الأستاذ علوان من اندماجي بقوله: قرأتي يا نيللي، إيه رأيك؟ 
فقلت بخبث: أنا لم أقرأ شيئا، إيه رأيك أنت في الشخصية؟ 
فقال وكأنه شعر بقصدي: «بس يا بنت: هل معقول أن أعطيكي بطولة أمام عبد الوهاب وتكون الشخصية ضعيفة...» 
كانت كلمة عبد الوهاب باباً جديدًا فتحه عقلي لتدخل منه أسئلة عديدة من جديد. الأستاذ عبد الوهاب سيعود للتمثيل بعد انقطاعه عنه فترة طويلة، وأمام من؟ إمامي أنا. إنه امتحان صعب رهيب. ومرة أخرى أخرجني الأستاذ علوان من استغراقي بقوله: 
احنا مستعدين يا نيللي، وسنذهب إلى بيت الأستاذ عبد الوهاب لنسجل الحلقة التي ستذاع غدًا. 

 






 
الخوف الرهيب
حاولت أن أخفي قلقي وخوفي من التجربة المقبلة، أثناء ركوبنا في سيارة الأستاذ علوان، بدأت في الحديث عن الشخصية مرة أخرى، وبدأ هو في شرحها لي ثانيا، قال: 
المفروض إنك بنت مراهقة شقية، لك طريقة معينة في الكلام والضحك. 
وسكت الأستاذ علوان، وأحسست ساعتها بأنني مستعدة تمامًا لمواجهة الأستاذ عبد الوهاب، شعرت بالثقة تتدفق في أعماقي أنني ممثلة موهوبة كما يقولون. إذن فأنا قادرة تمامًا على اجتياز التجربة كما سبق وأن اجتزتها في المسرح. وجاءت شهادة النجاح في تصفيق جمهور المشاهدين. توقفت السيارة أمام منزل الأستاذ عبد الوهاب، ودخلت المنزل لأواجه مقدرتي وموهبتي وكياني كممثلة. إنها لحظة مواجهة المستقبل، أو هي لحظة الانطلاق أو الفشل. 
كان الأستاذ علوان يختلس النظرات إلى وجهي الشاحب، فأيقن بخبرته الكبيرة مدى خوفي وقلقي، فقال: أرجو أن تتذكري كل الملحوظات التي سبق وأن شرحتها لك عن الشخصية، فقلت وأنا شاردة الذهن طبعا طبعا. 
دخلنا المنزل فطلب منا أحدهم الانتظار في غرفة الصالون، وسوف يحضر الأستاذ بعد دقائق، وبدأت قراءة النص مرة أخرى مع الأستاذ علوان. ومع كل جملة أقولها يضيف عليها تصوراته وشرحه. 
مر وقت طويل ولم يحضر الأستاذ فأعدت قراءة الحلقة الأولى مرة أخرى. وقبل أن أنتهي دخل الأستاذ عبد الوهاب. رحب بنا بكلمات مختصرة جدًا، وبدأ الأستاذ علوان في اختبار أجهزة التسجيل، بينما أخذ الأستاذ عبد الوهاب يقرأ من نسخته قراءة صامتة بعينيه فقط. أما أنا فقد سيطر علي إحساس بأنني لم أستطع نطق كلمة واحدة، وربما شعر المخرج بحالتي هذه، فقال اجلسي بجوار الأستاذ يا نيللي، سنبدأ التسجيل. 
كان الأستاذ عبد الوهاب طبقًا للنص هو الذي سيتكلم أولا، ثم أرد أنا عليه. وما أن أنهى جملته، وجاء دوري حتى تلعثمت وارتبكت فأعاد الأستاذ علوان التسجيل مرة أخرى، وشيئا فشيئًا بدأت أندمج في الدور، ونسيت تمامًا أنني أمثل أمام عبد الوهاب، بل أصبحت أنا الشخصية التي أمثلها... وانتهى تسجيل الحلقة الأولى، وعدت إلى المنزل، نمت ملء جفوني في تلك الليلة، وفي الصباح كان أول يوم من رمضان، ذهبنا إلى منزل الأستاذ عبد الوهاب مرة أخرى لتسجيل الحلقة الثانية، وجزء من الحلقة الثالثة، إن أمكن. 
كان الموسيقار عبد الوهاب في تلك الفترة متحفظا جدًا في تبادل الكلام معي، ولم يزد الحوار الذي كنا نتبادله عن الترحيب عند الدخول والوداع عند الخروج. 
 
خيبة الأمل
عدت قبل أذان المغرب إلى المنزل وحول مائدة الإفطار اجتمعت الأسرة كلها تستمع إلى المسلسل في الإذاعة، كان قلبي يكاد يقفز من ضلوعي انتظارا للحظة الحاسمة، وبدأ المذيع في تقديم الحلقات، وقال: نقدم لكم الموسيقار محمد عبد الوهاب في حلقات «شيء من العذاب»، ولم يزد على ذلك حرفا... أين اسمي؟ قولت في فزع: لعلهم قد نسوه وأخذت الوساوس تهاجمني، ومع كل لحظة تمر كانت أحاسيس الإحباط تتمكن مني حتى أصبت تمامًا بخيبة أمل. بت ليلتي وأنا على أحر من الجمر، أتعجل مقابلة الأستاذ علوان في اليوم التالي لأستفسر منه عن السبب عدم إذاعة اسمي، وما إن شاهدته قادمًا، وقبل أن أفاتحه في الموضوع، بـادرني هو والابتسامة تملأ وجهه، قائلا: اطمئني لقد قصدت عدم إذاعة اسمك، وهذا لمصلحتك، ولعلك تعرفين بعد قليل، أراحتني تلك الكلمات، فقد كنت أثق في كل ما يقوله الأستاذ محمد علوان ثقة عمياء، وطلب مني عدم التفكير في الموضوع مرة أخرى، حتى تأتي اللحظة الحاسمة، وعدت إلى طبيعتي من جديد، نسجل يوميًا، وتذاع الحلقات يوميًا، دون ذكر اسمي حتى وصل عدد الحلقات إلى عَشر، وبدأت أعيش مرحلة من القلق؛ إلى متى سيستمر الوضع على هذا الحال؟
 
الأسبوع المقبل الحلقة الرابعة