كتاب: طاعون لندن سنة 1664

ناقش الكتاب موضوعاً يمكن مقارنته بما يحدث اليوم مع وباء «كورونا»

* قرب تقاطع شارعي «وولدبروك» و«تيمز»، وبالقرب من كاتدرائية سنت بول، ظهرت أول إصابة بمرض الطاعون داخل أسوار المدينة. أما في الضواحي، فكانت أول إصابه بالقرب من فندق «لنكون».

واشنطن: هذا ثالث كتاب في هذه السلسلة عن كتب الأوبئة التي شهدها العالم في الماضي، والتي زاد الاهتمام بها، وأعيد نشرها إلكترونيا، وذلك بسبب وباء «كورونا»:
الكتاب الأول: «غريت فلو» (الأنفلونزا العظيمة)، عن «الأنفلونزا الإسبانية» (سميت كذلك لأن الصحف الإسبانية نشرتها بينما منعت نشرها الدول الأوروبية التي اجتاحها الوباء، خوفا على سمعتها، وانهيار اقتصادها، وهزيمتها في الحرب). بدأت الأنفلونزا عام 1918، مع نهاية الحرب العالمية الأولى، واستمرت عامين. وأصابت 500 مليون شخص تقريباً، حول العالم. وقتلت منهم 50 مليونا تقريبا (نحو 10 في المائة).
الكتاب الثاني: «غريت مورتاليتي» (الموت العظيم)، عن «الموت الأسود» الذي اجتاح الصين عام 1347. (سمي كذلك لأن ذبابا أسودا وفئرانا سوداء، كانت تنشره). ثم سار غربا حتى غرب أوروبا، على «طريق الحرير». ثم انطلق إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط، والشرق الأوسط. أصاب 400 مليون شخص تقريبا، وقتل منهم 100 مليون تقريبا (نحو 25 في المائة).
هذا هو الكتاب الثالث: «غريت بليغ» (الطاعون العظيم)، عما حدث عام 1664، عندما اجتاح لندن وباء استمر عاما واحدا فقط. لكنه أصاب نصف مليون شخص تقريبا، وقتل منهم 100 ألف شخص تقريبا (نحو 20 في المائة).
في ذلك الوقت، بلغ عدد سكان لندن أكثر من نصف مليون، لكن هرب عدد منهم، وبقي نصف مليون تقريبا، لحقهم الطاعون، وقتل ربعهم تقريبا.
جاء الطاعون بعد مائة عام تقريبا من «الموت الأسود» الذي بدأ في الصين، ووصل إلى غرب أوروبا، بما في ذلك بريطانيا. في الحقيقة، لم ينته «الموت الأسود»، لا قبل طاعون لندن، ولا بعده. وظهر من وقت لآخر، حتى القرن التاسع عشر.
ويعتقد أن طاعون لندن واحد من فصائل «الموت الأسود» لأنه، مثله، نشرته فئران وذباب.
لكنه كان آخر طاعون كبير في أوروبا، بعد 400 عام من موجات أنواع مختلفة من الطاعون:
مثلا: «بيوبونك بليغ» (الطاعون الدملي) الذي ينقله ذباب يعض الجسم، وتصل الباكتيريا إلى الجهاز الليمفاوي. وتظهر أعراضه على الجسم، خاصة في الأفخاذ، في صورة دمل، وخراج وقيح. ومن هنا جاء اسم «بيوبونك» (الفخذ في اللغة اليونانية القديمة). ثم يسبب حمى يمكن أن تكون قاتلة.
مثلا: «نيومونك بليغ» (الطاعون الرئوي)، الذي تنقله قطط، بالإضافة إلى ذباب وفئران. ويختلف عن النوع الأول بمكان الإصابة. بدلا من الغدد الليمفاوية، يذهب هذا إلى الرئتين. ويسبب عرقلة في التنفس، وحمى، وسعالا، وقد يسبب الموت.
بالنسبة لطاعون لندن عام 1664. هو من نوع «بيوبونك» (الدملي). وسببته، ونشرته، الفئران، والذباب الذي يتغذى منها.
 
هذه أهم فصول الكتاب:
ما هو الطاعون؟ (الكلمة العربية أصلها طعون ودمل تظهر على الجسم). لندن: الذين بقوا، والذين هربوا. سوق لندن، سوق الوباء. الأطباء لا يعرفون. عرقلة الحياة العامة. الانتقال إلى الأرياف. من المسؤول؟ ماذا عن أوبئة المستقبل؟
نقل الكتاب تفاصيل ما حدث في صور شخصية. مثل: «كان دكتور ناثانيال هودجز يداوي مريضا بوسيلة طبية عمرها مائة عام. وعلى بعد خطوات من عيادته، بالقرب من كاتدرائية سنت بول، كان سير وليم تيرنر يدير متجره الذي يستورد الحرير الفاخر. وكان الشاب صمويل بيبيش يحمل راكبا لمقابلة الملك تشارلز الثاني، في القصر الملكي في هوايتهول، في أحسن الضواحي، ضاحية وستمنستر... كان هؤلاء، وغيرهم، يصورون حياة نصف مليون شخص هم سكان لندن، وهم عشر سكان بريطانيا... تأتي الخضراوات والفواكه الطازجة من الأرياف على ظهور خيول وبقال. ويهش الرعاة أبقارهم وأغنامهم وخنازيرهم، وهي تتجه نحو المذابح..».
توجد في الكتاب خريطة لندن عام 1664: يفصل نهر «فليت» بين الضواحي والمدينة، والتي كانت الأسوار تحيط بها. وتوجد في الضواحي معالم، مثل: وستمنستر أبي، وهوايتهول.
قرب تقاطع شارعي «وولدبروك» و«تيمز»، وبالقرب من كاتدرائية سنت بول، ظهرت أول إصابة بمرض الطاعون داخل أسوار المدينة. أما في الضواحي، فكانت أول إصابه بالقرب من فندق «لنكون».
كان شتاء ذلك العام قارسا. وقبيل احتفالات عيد الميلاد، تحدث الناس عن مذنب في السماء، وقالوا إنه نذير رياح وعواصف رهيبة وقاتلة.
وذات يوم، أعلن أنه، في المنطقة النائية القذرة، في «سنت جايلز إن ذا فيلدز»، توفيت المرأة الطيبة فيليبس بسبب الطاعون. أغلق المسؤولون منزلها، وطلوا الباب طلاء أحمرا، وكتبوا عليه «ارحمنا يا الله».
بحلول عيد الميلاد التالي، قتل ما يقرب من 100 ألف شخص كانوا يعيشون في لندن وحولها، تقريبا ثلث الذين لم يهربوا.
قال الكتاب: «كان لهذا الوباء تأثير مدمر على اقتصاد المدينة، وعلى النسيج الاجتماعي فيها. لكن، استمرت المدينة بطريقة ما في العمل، واستمرت أنشطة الحياة اليومية».
واستمر الكتاب في نقل تجارب شخصية، من قصور الأغنياء في المدينة، مرورا بالأحياء الفقيرة بالقرب منهم، والتي تأوي الغالبية العظمى من سكان لندن، وإلى المناطق الريفية مع الذين هربوا. لكن، حتى في ذروة الطاعون، حافظ الإنجليز على تنظيم أنفسهم، ولم يهبطوا إلى مستوى الفوضى.
ناقش الكتاب موضوعا يمكن مقارنته بما يحدث اليوم مع وباء «كورونا» عن أعداد المصابين، والذين يموتون، والذين يشفون... اليوم، رغم التطور الهائل في العلوم والتكنولوجيا، صار واضحا أن الدول تختلف في طريقة جمع هذه الأرقام. هذا بالإضافة إلى أن الأطباء أنفسهم يبدون عاجزين عن تحديد انتشار الفيروس، وفهم سلوكه (وصفه بعضهم بأنه «ديكتاتور»).
كيف كانوا يحسبون مرضى وقتلى طاعون لندن قبل 400 عام تقريبا؟
لم يكن هناك واجب الإبلاغ عن وفاة أي شخص إلى الحكومة، وكانت الكنائس والجمعيات الخيرية والدينية تعرف عن موت الناس ودفنهم، من دون تسجيلات صحيحة. غير أنه، في وقت لاحق، صارت كل مقاطعة تعين «باحثين عن الموتى»، يزورن الكنائس، والمستشفيات، والمنازل، ويسجلون الأسماء، وأسباب الوفاة.
لم تكن تلك وظائف محترمة أو مجزية. وعملت فيها، في حالات كثيرة، نساء كبيرات في السن، وأميات، ولا يعرفن الكثير عن الأمراض، ولا يصببن اهتمامهن كثيرا على دقة ما يفعلن.
هذا بالإضافة إلى مشكلتين هامتين:
الأولى: كن يعتمدن على حفاري القبور، وأجراس الكنائس.
الثانية: كن يتقاضين مبلغا قليلا من عائلة كل ميت، لتخفيض عبء ميزانية المقاطعة.
قبل ذلك بمائة عام تقريبا، أعلن الملك هنري الثامن فصل كنيسة إنجلترا عن الفاتيكان. لكن، لم تكن الكنيسة الرسمية تشمل أقليات مثل: «كويكرز» و«بابتيست»، واليهود. لهذا، كان إحصاء الموتى بواسطة الكنيسة نفسها موضوع جدل.

الكتاب: «الطاعون العظيم: قصة سنة لندن القاتلة»
الكاتب: لويد موت، ودورثي موت
الناشر: مطبعة جامعة جون هوبكنز، بولتمور (ولاية ماريلاند)
الصفحات: 357
السعر: 21 دولارا
الطبعة الإلكترونية: أمازون، 15 دولارا