اكتشاف اللقاح ليس سوى خطوة أولى

لن ينعم أحد بأمان حتى يأمن العالم كله
* بات من الواضح تمامًا أن العالم لن يستطيع أن يخرج بالكامل من حالة الإغلاق الحالية التي تسبب فيها فيروس كورونا المستجد حتى يتم اكتشاف لقاح
* يشكل ضمان إمكانية تصنيع اللقاح سريعًا بمجرد تطويره تحديًا كبيرًا، حيث إن كثيرًا من اللقاحات المحتملة الواعدة لمكافحة كوفيد-19 تُطورها هيئات تفتقد إلى قدرات تصنيع واسعة النطاق
* لا يزال من غير المرجح إعطاء تصريح للقاح فعَّال قبل 12 شهرًا على الأقل

بات من الواضح تمامًا أن العالم لن يستطيع أن يخرج بالكامل من حالة الإغلاق الحالية التي تسبب فيها فيروس كورونا المستجد حتى يتم اكتشاف لقاح. لم يحدث من قبل قط أن تعتمد حياة عدد هائل من البشر ومصادر رزقهم واقتصاداتهم على تدخل صحي واحد إلى هذا الحد. ولكن بينما يسارع العلماء من أجل تطوير لقاحات محتملة، يجب أن يتذكر المجتمع الدولي أن الهدف النهائي ليس مجرد إنتاج تطعيم آمن وفعال، بل القضاء على هذه الجائحة. ولا يمكن أن يحدث ذلك إلا بعد إنتاج مليارات الجرعات بتكلفة مناسبة وتوفيرها للجميع، وخاصة من يعيشون في بلدان منخفضة الدخل.
يتطلب مشروع بهذا النطاق رؤية جديدة؛ يجب اعتبار اللقاحات سلعًا عامة عالمية. فلا يمكن السماح للأجندات المحلية بقيادة المساعي لأكبر حملة نشر لقاحات في التاريخ. ويجب أن تعمل الحكومات وشركات الأدوية والمنظمات متعددة الأطراف معًا من أجل تطوير اللقاح وإنتاجه وتوصيله. يمكن أن يكون إنتاج مليارات الجرعات من لقاح جديد وتوزيعها مهمة صعبة في أفضل الأوقات. لذا سيتطلب تنفيذ ذلك في أثناء جائحة جهدًا دوليًا غير مسبوق.
 
منع العجز
لننظر إلى النقص العالمي الأخير في أدوات الحماية الشخصية ومعدات الفحص؛ حيث توجد حاجة إلى تنسيق جهد دولي لتجنب حدوث نقص مشابه في اللقاح، ولمنع عدم حصول أعداد كبيرة من البشر على اللقاح. من المؤسف أن التوزيع العادل للقاحات يمثل مشكلة متكررة في الماضي. على سبيل المثال، عرقل الطلب المتزايد على لقاح فيروس الورم الحليمي البشري (HPV) في البلدان المتقدمة في الفترة الأخيرة الوصول إلى الفتيات المراهقات الأكثر عرضة في البلدان النامية. وفي أثناء جائحة فيروس الإنفلونزا «إتش-1 إن-1» في عام 2009، تقدم عدد ضئيل من الدول بطلبات مسبقة كبيرة للحصول على اللقاح قبل توفره، مما أدى إلى نفاد أغلب المعروض عالميًا وترك كمية ضئيلة لبقية العالم.
بالتأكيد يجب أن يهدف العلماء إلى تطوير أكثر من لقاح واحد، ولكن حتى وجود الكثير من اللقاحات الفعَالة لن يضمن عدم حدوث تكديس، لأن الإمدادات سوف تكون محدودة في البداية. إنه واجب كل دولة أن تضع مواطنيها أولاً. ولكن في وسط جائحة، يتطلب هذا الواجب أيضًا التفكير والتصرف على نطاق دولي. إذا وقفت اتفاقيات التصنيع أو قيود التصدير عائقًا أمام عملية نشر اللقاحات وسمحت للفيروس بالاستمرار في أي مكان، لن يكون أي مكان آخر بمأمن ضد عودة الإصابة بالعدوى.
إحدى الطرق التي تضمن التوفير الملائم والتوزيع العادل للقاحات هي رفع بعض القيود الناتجة عن الملكية الفكرية وقوانين نقل التكنولوجيا، وتشجيع المُصنِعين والفرق البحثية على العمل معًا لتحقيق هدف مشترك. بتلك الطريقة، عندما يظهر أول اللقاحات الآمنة والفعَالة. يمكن أن يبدأ الكثير من المُصَنِعين على الفور بإنتاجها في وقت واحد. وتبدي صناعة الأدوية بالفعل بعض الاستعداد للسماح بذلك؛ فقد أعلن معهد الأمصال الهندي أنه لن يحتفظ بحقوق الملكية الفكرية لدوائه المرشح كلقاح لكوفيد-19. كما عقدت عملاقتا الأدوية «جي إس كيه»، و«سانوفي» شراكة غير مسبوقة للتشارك في مواردهما، واتفق الكثير من المُصنِعين على عدم التربح من لقاحات كوفيد-19. ويبشر هذا بالخير لمبادرة تسريع إتاحة أدوات كوفيد-19 التي أطلقها قادة العالم ومنظمة الصحة العالمية للإسراع بتطوير وإنتاج وتوزيع عادل لأدوات تشخيص كوفيد-19 وعلاجاته ولقاحاته.
كذلك يشكل ضمان إمكانية تصنيع اللقاح سريعًا بمجرد تطويره تحديًا كبيرًا. فإن كثيرًا من اللقاحات المحتملة الواعدة لمكافحة كوفيد-19 تُطورها هيئات تفتقد إلى قدرات تصنيع واسعة النطاق. وبالنظر إلى أن بعض هذه الهيئات سوف تعجز في النهاية عن اكتشاف لقاح فعّال، يجب وضع آليات حيز التنفيذ للحد من مخاطر الاستثمار في إمكانيات التطوير والتصنيع. وسوف يعني تنفيذ ذلك أن أفضل اللقاحات المحتملة يمكن تصنيعها سريعًا على نطاق كبير وأنها ستكون متاحة لكل من يحتاجونها بصرف النظر عن مكانهم.

 




صورة عامة للافتة خارج حرم جامعة أكسفورد، الذي يضم معهد جينر، والذي تُجرى فيه أولى تجارب لقاح فيروس كورونا على البشر، والذي طوره علماء جامعة أكسفورد في إنجلترا، يوم 29 أبريل عام 2020 (غيتي)

 


 
نهج جديد كلياً
ربما يبدو ذلك مهمة عسيرة، ولكن توجد سابقة له بالفعل؛ كان التحالف العالمي للقاحات والتحصين (GAVI)، وهي شراكة صحية عالمية تهدف إلى زيادة إتاحة التحصينات، والتي أترأس مجلس إدارتها، قد أطلق آليته الإرشادية (التزام الأسواق المسبق) في عام 2009. وقد ساعدت هذه الآلية التمويلية المبتكرة بالفعل في تسريع عملية تعميم اللقاحات. وقبل ذلك كان الأمر يستغرق أكثر من 10 أعوام حتى ينخفض سعر اللقاحات الجديدة، مثل لقاح المكورة الرئوية المقترن، ليصل إلى سعر مناسب تستطيع الدول الفقيرة تحمله. وغيرت آلية التزام الأسواق المسبق المسار تمامًا، حيث جعلت اللقاحات متوفرة في هذه الدول عن طريق تقديم حوافز للمُصَنِعين لإنشاء سوق في أماكن لم تتوفر بها في السابق. وقد عملت الآلية على مبدأ تخصيص أموال لضمان سعر اللقاحات، بمجرد أن يُصرَح بها، وبالتالي ساعدت على رفع بعض المخاطر المتعلقة بالاستثمار في زيادة سعة التصنيع، وبالضرورة ضمان وجود سوق إذا تحقق ذلك. استخدم التحالف نهجًا مشابهًا لتسريع إنتاج لقاح الإيبولا في وقت مناسب للمساعدة على منع خروج آخر وباء في جمهورية الكونغو الديمقراطية عن السيطرة. وعلى الرغم من أن كوفيد-19 مرض مختلف تمامًا، فقد تساعد آليات تمويل مشابهة في ضمان توفر اللقاحات بطريق متسارع. ونظرًا لأن الآليات قد تتضمن اتفاقيات مُلزِمة قانونًا مع جهات التصنيع، قد تساعد أيضًا في منع التكديس وتعزيز الإتاحة العادلة.
هناك أيضًا تحدي توصيل اللقاحات، ولن يكون الأمر بسيطًا كذلك. وحتى في ظل الأوضاع العادية، من المحتمل أن تعرقل عمليات النقل ومشاكل سلسلة التوريد والقواعد التنظيمية والاضطرابات المدنية والكوارث الطبيعية جميعها عملية توصيل اللقاحات. ولكن وسط أزمة عالمية، من المرجح أن تكون العقبات اللوجيستية أكثر صعوبة، لا سيما في دول العالم الأكثر فقرًا.
إن الأنظمة الصحية في هذه الدول ضعيفة بالفعل من قبل ظهور فيروس كورونا. وفي الوقت الحالي تعاني تحت وطأة ضغط كبير، ليس بسبب الجائحة فحسب؛ فقد رفع كوفيد-19 مخاطر تفشي أمراض أخرى قاتلة، مثل الحصبة وشلل الأطفال والحمى الصفراء. ويرجع ذلك إلى أنه على الرغم من توصية منظمة الصحة العالمية باستمرار ببرامج التحصينات الروتينية قدر الإمكان في أثناء الجائحة، كان عليها أيضًا أن توصي بتعليق حملات التحصين ضد أمراض أخرى، كانت تستخدم لسد فجوات تحصينية، في الكثير من الدول بهدف الحد من مخاطر انتشار كوفيد-19 وللحفاظ على الموارد الصحية العامة المحدودة.
يثير ذلك الأمر قلقًا بالغًا. فلن يؤدي تعليق برامج التحصين الدورية إلى وقوع عدد لا يحصى من الوفيات التي يمكن منعها فحسب، بل قد يعطل قدرة العالم على إنهاء جائحة فيروس كورونا. فسوف تضع حتمًا أي حالات تفشٍ لأمراض كبرى، في أثناء فترات الإغلاق أو بعدها مباشرة، ضغوطًا أكبر على أنظمة الصحة الوطنية الضعيفة.
لقد تسببت الاضطرابات المتعلقة بفيروس كورونا بالفعل في عدم حصول 13.5 مليون شخص على الأقل على لقاحات في الدول التي يدعمها التحالف العالمي للقاحات والتحصينات. ومن المهم أن تستكمل البلدان ذات الدخول المنخفضة والمتوسطة حملات التطعيم في أقرب وقت ممكن، وأن تحافظ على استمرار برامج التحصين الدورية في أثناء الجائحة. وفي نهاية الأمر، سوف تصبح سلاسل التوريد، ومعدات سلسلة التبريد والعاملين المدربين في الرعاية الصحية ونظم البيانات وجهود ترصد الأمراض العمود الفقري لشبكة التوصيل التي ستجلب لقاحات كوفيد-19 إلى من يحتاجون إليها.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف، يعمل التحالف الدولي للقاحات والتحصينات مع الدول على تعزيز أنظمتها الصحية واستمرار تحصيناتها الدورية. ووفر دفعة أولى بقيمة 200 مليون دولار لحماية العاملين في الرعاية الصحية بأدوات حماية شخصية، وتنفيذ عمليات ترصد وتدريب مهمة، وتمويل معدات التشخيص. بيد أن هذا المبلغ يعد ضئيلاً مقارنة بمليارات الدولارات التي يحتاج إليها تطوير وتوصيل اللقاح أو اللقاحات التي يمكن أن تقضي على الجائحة. إنها لقاحات من أجل الإنسانية كلها. وذلك لا يعني الحاجة إلى توفيرها للجميع فحسب، بل كذلك يجب اختبارها وتصنيعها في جميع أنحاء العالم.
ولا يزال من غير المرجح إعطاء تصريح للقاح فعَّال قبل 12 شهرًا آخر على الأقل. ولكن يجب أن يتحول بعض التركيز من السباق على تطوير لقاح إلى الاستعداد لوصوله (بما فيه السعي إلى اكتشاف علاجات حتى يصبح اللقاح جاهزًا). وفي الأعوام الأخيرة، تعرضت تعددية الأطراف والعولمة إلى وابل من الانتقادات. وها هي أزمة الجائحة فرصة لدفع المجتمعات إلى التكيف والتطور من رأسمالية حاملي الأسهم إلى رأسمالية الأطراف المعنية، فتحشد جميع المساهمين حول هدف مشترك: وقاية عالم واحد. لأنه لن ينعم أحد بالأمان حتى يأمن الجميع.
*ينشر بالتزامن مع «فورين أفيرز» ForeignAffairs.com.