«المجلة» تحاور والد سجين مقتول في إيران

منفذ الجريمة سجين جنائي وصديق لأحد حراس السجن
* السجناء الذين كانوا برفقة علي رضا في عنبر واحد: قاتله قال لبقية السجناء قبل يوم واحد من الجريمة إنه تلقى وعوداً بنقله إلى سجن رجائي شهر في حال قيامه بقتل علي رضا
* تقيم الوالدة مع أختها بعد مقتل ابنها. ولم تقم السلطات بقتل أحد منتقدي الدين والنظام فحسب، بل أنهت حياة معيل لامرأة معاقة
* لم يحرك مسؤولو السجن ساكنا في ليلة مقتله، كما تركوا أبواب العنابر مفتوحة وقاموا بتعطيل كاميرات المراقبة قبل مقتله بيوم واحد
* كان علي رضا يشعر بالقلق دوما بشأن العلاقات المتينة بين السجناء المخضرمين ومسؤولي السجن. كان بحوزة بعض هؤلاء السجناء مفاتيح العنابر وبإمكانهم التنقل هناك بسهولة

اعتقل علي رضا شير محمد علي (من مواليد 1997 - طهران) خلال الاحتجاجات التي وقعت في شهر أغسطس (آب) عام 2018. وأدين علي رضا بالسجن لـ8 سنوات باتهام «الإساءة للمقدسات، والإساءة للمرشد، والدعاية المناهضة للنظام».
قتل علي رضا في ليلة العاشر من يونيو (حزيران) 2019 بعد مضي قرابة 11 شهراً في سجن طهران الكبير المعروف بسجن فشافویه، حيث تعرض لهجوم بالسكين من قبل اثنين من السجناء المدانين بجرائم القتل. وأثار مقتل علي رضا انتقادات واحتجاجات كثيرة من قبل الكثير من المعتقلين السياسيين ونشطاء حقوق الإنسان في البلاد.
أجرت «المجلة» حوارا مع م–ح، وهو صديق مقرب لعلي رضا شير محمدي ولم يرغب في نشر اسمه بالكامل. وقال: «اعتقلت السلطات علي رضا يوم 15 يوليو (تموز) 2018. كان علي رضا عضوًا في إحدى القنوات التلغرامية المنتقدة للنظام، ويبدو أن أحدهم أبلغ السلطات الأمنية عن نشاطه السياسي».
وأضاف: «لقد اقترب 3 أشخاص من علي رضا وهو بالقرب من بيته، مقدمين أنفسهم على أنهم موظفون في شركة اتصالات (إيرانسل) للهواتف الجوالة وكان رجل أمن برفقتهم وتم اعتقاله». وأدان رئيس الفرع 28 لمحكمة الثورة القاضي مقيسه علي رضا بالسجن لمدة 8 سنوات واتهمه بـ«الإساءة للمرشد،والإساءة للمقدسات، والدعاية المناهضة للنظام»،ونقلوه إلى سجن طهران الكبير (فشافويه). وشمل الحكم 3 سنوات من السجن مع وقف التنفيذ و5 سنوات عقوبة تعزيرية. وكان من المقرر أن تنعقد محكمة الاستئناف في 8 يوليو 2019، غير أنهم قتلوه طعنا بالسكين في يونيو (حزيران) 2019 في السجن».
من جهة أخرى، قال رضا شير محمد علي، وهو والد علي رضا شير محمد علي، في حوار مع «المجلة»:«لقد حكمت عليه المحكمة بالسجن 8 سنوات. كان علي رضا قد نشر صورة شخصية على حسابه في تلغرام، وهي عبارة عن صورة لخامنئي، وقام بتشبيهه بالشيطان... وهكذا نشب جدل لفظي بينه وبين أحد رجال الدين في تلغرام. وكان ذلك بسبب اعتقاله. لقد نشبت مشادة كلامية بينه وبين القاضي مقيسه في جلسة المحاكمة، لأن القاضي قام بإساءة معاملة علي رضا. ولم يرحم القاضي هذا الشاب وهو في مطلع العشرينات في عمره وحكم عليه بالسجن 8 سنوات لمجرد الإساءة لصورة المرشد، ومن ثم أمر بإرساله إلى سجن طهران الكبير ليقضي فترة عقوبته بين المجرمين المعتقلين هناك».
 
وتابع: «أقدم علي رضا على الإضراب عن الطعام في السجن. قال له المدعي العام اكسر إضرابك عن الطعام لأساعدك وأسمح بإجراء محكمة الاستئناف. كان من المقرر انعقاد المحكمة في 8 يوليو (تموز) 2019، ولكنهم لم يسمحوا بذلك. قام حراس السجن بضربه وشتمه مما تسبب في ظهور مشاكل له في الكلى. وقال له حراس السجن إن إضرابك عن الطعام سينتهي بموتك».

 




سجن طهران

وأفادت التقارير في وسائل إعلام معارضة للنظام بأن علي رضا أقدم على الإضراب عن الطعام احتجاجا على عدم اعتماد مبدأ الفصل بين الجرائم بالنسبة للمسجونين وعدم انتقاله إلى سجن إيفين. وأنهى علي رضا إضرابه عن الطعام بعد أن تلقى وعودا من مسؤولي السجن بتسهيل إرساله لسجن إيفين.
وفي مارس (آذار) 2019 قال علي رضا في رسالة مشتركة مع برزان محمدي (كان معه في العنبر ذاته) حول أسباب قيامه بالإضراب عن الطعام: «سجن طهران الكبير كالحمأة ولا يجب أن نقيم في مثل هذا المكان».
وتابع صديق علي رضا: «يقول السجناء الذين كانوا برفقة علي رضا في عنبر واحد بأن قاتله هو سجين صديق لأحد حراس العنبر والذي قال لبقية السجناء في العنبر قبل يوم واحد من مقتل علي رضا بأنه تلقى وعودا بنقله إلى سجن رجائي شهر في حال قيامه بقتل علي رضا، حيث يعتبر سجن رجائي شهر مصدر دخل جيدا بالنسبة له».
وأضاف صديق علي رضا بأن «القاتل شخص يدعى حميد رضا شجاع زاده وكان يلقب في السجن باسم (الديك) وينحدر من مدينة ورامين، وهو مدان ببيع الكريستال ميث والتجارة فيها. وهناك من روج في السجن أن السبب الذي دفع حميد لقتل علي رضا هو أن حميد سني المذهب وعلي رضا كان ملحدا. ولكن السجناء الذين كانوا في مهجع مشترك مع علي رضا نفوا ذلك».
وحول المستوى الدراسي لعلي رضا، قال صديقه في حديثه لـ«المجلة»:«لقد تأهل علي رضا للدراسة في فرع التصميم الصناعي في جامعة الحرة. لكنه لم يتمكن من الذهاب إلى الجامعة بسبب عدم تمكنه ماليا كما أنه كان يعمل في متجر لبيع الملابس في طهران لتأمين معيشة والدته. وكان والده محبوساً من 2009 إلى 2019 بسبب قضايا مالية. لقد فقدت والدته القدرة على الحركة بعد حادث سير تعرضت له. تقيم الوالدة مع أختها بعد مقتل ابنها. ولم تقم السلطات بقتل أحد منتقدي الدين والنظام فحسب، بل أنهت حياة معيل لامرأة معاقة».
وتابع: «كان يتمتع علي رضا بعقل مستفسر. وكان والداه ملتزمين دينيا، ولكنه قام بإنشاء قناة في تلغرام حول المعتقدات والأفكار الإلحادية. كان علي رضا ناشطاً في الشبكات الاجتماعية، وكنا نتناقش دوما حول أفكار برتراند راسل وكتبه وأيضا المفكرين الإيرانيين. كان علي رضا ينتقد الحكومة الدينية والجمهورية الإسلامية».
 
وفي السياق نفسه، يقول والد علي رضا إن ابنه كان يؤمن بالله ولكنه كان يتظاهر بالإلحاد ليجاري أصدقاءه.
وأشار صديق علي رضا شير محمد علي إلى أن القاضي اشترط قرار الإفراج عنه بكفالة مالية بقيمة 80 مليون تومان غير أن أسرته لم تتمكن من تأمين المبلغ. لم يسمحوا له بإجازة خارج السجن لزيارة أسرته حتى يوم مقتله. لم تتمكن أسرة علي رضا من دفع مستحقات المحامي وبالتالي لم يعينوا محاميا له ومن ثم أصبح السيد عرفانيان محاميا له بالمجان. على أية حال، فإن السيد عرفانيان لم ينجح في زيارته في السجن. كانت حالة الأسرة صعبة فالوالد معتقل سابق لمدة عشرة أعوام والوالدة عاجزة عن المشي بسبب إصابة ظهرها خلال حادث سير.
وحول أسباب مقتل علي رضا في سجن فشافويه أوضح صديقه:«لقد قام علي رضا بتسجيل صوتي قال فيه إنه يحتج بشدة بسبب وضعه هو ومدانون في جرائم المخدرات والقتل ومتطرفين دينيين في مهجع مشترك. وتم تسريب التسجيل الصوتي خارج السجن، ومن ثم قام علي رضا بالإضراب عن الطعام. وبعد انتشار التسجيل الصوتي بليلة واحدة قام اثنان من المعتقلين بقتله بـ48 طعنة سكين. وتبين لاحقا أن محمد رضا خليل زاده وحميد رضا شجاعي زاروه، وهما اللذان قاما بقتله وهما اللذان هددا سابقا بأنهما سيقومان بقتل أحد السجناء لينتقلوا إلى سجن رجائي شهر حيث إن لهما مصدر دخل جيدا من خلال عمليات احتيال بنكية تستهدف مواطنين خارج السجن».
وتابع صديق علي رضا: «لم يحرك مسؤولو السجن ساكنا في ليلة مقتله، ليس ذلك فحسب بل تركوا أبواب العنابر مفتوحة وقاموا بتعطيل كاميرات المراقبة قبل مقتله بيوم واحد»
وقد تم تسريب رسالة كتبها الناشط السياسي الكردي برزان محمدي (كان هو وعلي رضا في عنبر مشترك)، حول تفاصيل مقتل علي رضا، قائلا: «يقوم مسؤولو السجن بسياسة خطيرة وهي وضع المدانين بجرائم جنائية خطيرة مع السجناء السياسيين في عنبر واحد مشترك لبث الرعب في نفوس معتقلي الرأي. لقد وقع حادث مشابه (القتل بطعنات السكين) منذ عام واحد وراح ضحيته أحد السجناء السياسيين. تحدثنا أنا وعلي رضا حول هذا الأمر، حيث كان علي رضا يقول إن هذه السياسة أصبحت واضحة، وهي أن إدارة السجون تقوم بترك معتقلي الرأي والمدانين بجرائم القتل وتهريب المخدرات في مكان مشترك. وكان علي رضا يقول إنه كان يقيم مع مدانين بتهمة الانتماء لداعش ومنظمة تحرير الأحواز والمحكومين بالإعدام على غرار تجار المخدرات».
وأضاف صديق علي رضا: «كان علي رضا يشعر بالقلق دوما بشأن العلاقات المتينة بين السجناء المخضرمين ومسؤولي السجن.  كان بعض هؤلاء السجناء بحوزتهم مفاتيح العنابر وبإمكانهم التنقل هناك بسهولة. لقد طلب بعضهم من علي رضا ممارسة الجنس معه، وبالتالي كان يحاول أن يكون دوما برفقة برزان خوفا من تعرضه للاغتصاب».
وقال والد علي رضا شير محمد علي: «لم يسمحوا لنا بزيارته. علمنا لاحقا أنه تعرض لتعذيب نفسي على غرار وضعه في غرفة صغيرة وتسليط إضاءة شديدة على وجهه وسكب قطرات المياه على وجهه».
وأضاف صديق علي رضا حول الظروف الصحية في السجن: «كان سامان يقول إن العنبر مليء ببق الفراش والفئران، وقد تعود السجناء على وجودها. الوضع الصحي كارثي. يفتقر السجناء إلى مواد التعقيم والتنظيف. والعنابر مزدحمة بالسجناء. كانت المياه تنقطع هناك يوميا لمدد تتراوح بين 10 إلى 12 ساعة. ويتم تجميع المياه في سلال مهملات معدنية كبيرة لاستهلاك السجناء عند انقطاع المياه. وظروف العلاج في السجن مزرية إلى مستوى قام فيه عدد من السجناء بإيذاء أنفسهم في محاولة للانتحار بسبب معاناتهم مع الأمراض والألم. وينام العديد من السجناء على الأرض بسبب النقص في الأسرة كما أن عددهم في تزايد مستمر».
وأضاف والد علي رضا: «أنا ووالدة علي رضا طلبنا تنفيذ حكم القصاص بحق القاتل. لقد اعترف القاتل بأن مدير السجن هدايت فرزادي أعطاه وعدا بمساعدته لتخليصه من الحكم الصادر بحقه. وقدمنا شكوى ضد هدايت فرزادي غير أن فرزادي هدد زوجتي قائلا لها لقد تماديتِ كثيرا».
واختتم والد علي رضا بالقول: «كان علي رضا من مواليد 6 سبتمبر (أيلول) 1997 في مستشفى في الاتحاد السوفياتي السابق. كان ابني الوحيد. لم أتمكن من رؤيته منذ 4 سنوات حتى مقتله، لأنني كنت أنا معتقلا أيضاً. تعاني زوجتي من أمراض عديدة ويجب عليها أن تخضع لعملية جراحية وأن ترقد في مستشفى للأمراض النفسية والعصبية. لقد حاولت زوجتي الانتحار مرتين وأنا أنقذت حياتها. تدمرت حياتنا بعد مقتل ابننا الذي كان مصدر سعادتنا في الحياة. نعزي أنفسنا بزيارة قبره. لقد قمنا بدفن ابننا وحياتنا تحت التراب».