الزجل اللبناني

* بالنسبة للزعماء السنة، فالهدف رئاسة الحكومة ولو تطلب الأمر اجتماعات يومية مع المعاون السياسي لحزب بين أعضائه متهمون باغتيال رفيق الحريري

يشبه العمل السياسي في لبنان حفلات الزجل التراثي الذي كان يبثه تلفزيون لبنان (وربما ما زال) أو ما يعرف بتلفزيون الدولة، حيث يتحلق أربعة شعراء حول مائدة فيها بعض من «مازات المطبخ»اللبناني وكؤوس من العرق المشروب الروحي الوطني الأول، لمرافقة المنازلة المنتظرة من قبل الجمهور.
كان هذا النوع الأدبي الشعبي منتشرا في ضياع لبنان التي كانت تستضيف في فترات الصيف خاصة جوقات زجلية تطرب المقيمين والمغتربين اللبنانيين الذين كانوا يرون في هذه الأمسيات رابطاً عاطفياً مع ماضيهم الذي فقدوه في بلاد الاغتراب.
ينقسم الشعراء إلى مجموعتين يتناولون مواضيع ذات طابع إنساني أو وطني. ولكن ما كان يلهب حماس الجمهور هو تلك الفقرة التي يتوالى فيها الشعراء في هجاء بعضهم البعض، حيث يرتجلون أبياتا خلاقّة مغناة باللغة المحكية على وقع الدربّكة التي ترافق آخر أبيات قصائدهم.  
تنتهي الحفلة ويعود الناس إلى منازلهم محملين ببعض أبيات أطربتهم، فيما يستعد شعراء الجوقة إلى أمسيات أخرى ومنازلات في غير ضيعة.
هذه المشهدية الشعرية الشعبية تشبه إلى حد كبير العمل السياسي في لبنان. فترى السياسيين ينبرون في تسطير مواقف عند أي مناسبة بحق أخصامهم ويعزون لمستشاريهم أو نوابهم أو منسقيهم الإعلاميين في إطلاق العنان لمخيلاتهم التي تراها تنهل من بحر ألفاظ نابية ومنحطة تعود إلى الجاهلية كعلامة، هكذا يظنون، عن فقههم باللغة العربية، وإلمامهم بتعقيدات لغوية شتامة لمن تجرأ على «الذات الإلهية»لزعيمه.
يتفاعل الجمهور مع هذه التصاريح والمواقف التي تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي. فمنهم من يزيد ومنهم من يُعجب ومنهم من يكرر النشر، ومنهم من ينتقد. وكلما زاد انتشار الموقف المنمق بكلمات عصية على الفهم لمن ليس ضليعا في لغة المتنبي علـى الإعلام، كلما حظي صاحب الموقف برضا زعيمه والجمهور المصفق.
طبعا لن يؤثر الموقف الذي أحرز «شعبية»مفترضة على سعر صرف الدولار أبدا، كما لن ينعكس على الراتب الذي يتقاضاه المستشار إيجابا، ولن يحسن «زجله»الفارغ من أي مضمون ومعنى من مستوى معيشته المتدني منذ فترة ولن يزيد في قوته الشرائية المتراجعة بشكل مخيف. أبعد من ذلك لن يؤثر هذا الموقف الزجلي أو ذاك على أوضاع اللبناني المالية والاقتصادية المتردية، وهو وضع يبدو خارج إطار سيطرة السياسيين أو مؤسسات الدولة أو حتى المصرف المركزي.
ما هو مؤسف أيضاً هو أن كل تلك التصاريح «الزجلية»التي يطلقها «الزعماء»لا تعالج المشاكل التي يتناولونها.
لنأخذ مشكلة الكهرباء مثالا والتي يتناولها أكثر من فريق منذ أعوام للتصويب نحو الخصم السياسي الذي تناوب على تلك الوزارة لأكثر من عشر سنين مما سبب عجزاً يقدر بأربعين مليار دولار على خزينة الدولة. كل اتهامات الهدر والفساد التي تطال التيار الوطني الحر لم تسجن أي مسؤول، ومعاناة اللبنانيين مع موضوع انقطاع التيار الكهربائي عنهم ما زالت مستمرة.
مناسبة هذا الحديث ليس الدخول الطارئ «للزجل»على الخطابة السياسية في لبنان فهو متواجد بقوة منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري وقبلا ولو بتواترات أقل. المشكلة هي الإمعان في هذا النهج الزجلي فيما البلد ينتهي.
مثال آخر، هو حضور جعجع اجتماع بعبدا لرؤساء الكتل النيابية بغية إعطاء جرعة دعم لخطة الحكومة الاقتصادية مما أثار بلبلة بين معارض ومؤيد لهذه الزيارة. في نظر المؤيدين ظهر جعجع «كمارد متمرد»أما للمعارضين فقد ظهر مناقضا لمواقفه السابقة السلبية من العهد ومن ظله. وخاض لبنان موجة زجل سياسي على وقع موقف جعجع المبرر لهذه الزيارة، والتي هدفت إلى إبداء ملاحظات فريقه السياسي على الخطة الحكومية.
لا زيارة جعجع للقصر ولا المواقف المؤيدة والرافضة كان لها أي تأثير يذكر على وضع لبنان المأساوي. تغطية إعلامية وسجال في المجال الافتراضي بمثابة قعقعة، تشبه إلى حد كبير حفلات الزجل التراثية.
فالسجال الذي قام على أثر زيارة جعجع لعون في بعبدا مثال وليس حصراً لمواقف يومية لقادة سياسيين ومسؤوليهم الإعلاميين لا وظيفة لهم سوى تمجيد صورة «الزعيم».
فعندما يصبح أكثر من 400 ألف عامل لبناني من دون وظيفة وعندما لا يتقاضى 50 ألف موظف رواتبهم، تصبح أمسية بعبدا الزجلية من دون قيمة ومضيعة للوقت.
المؤسف هو أن ترى اللبناني يتفاعل ويقع ضحية هذا الحفل الزجلي الذي يهدف فقط إلى زيادة شعبية هذا الزعيم أو ذاك.
في الوقت الذي يجوع فيه الشعب، وتنهار العملة الوطنية، وتتضخم الأسعار، وتفلس البنوك، ويتحضر المجتمع للانفجار الكبير، ويمضي حزب الله قدما في تمكين سيطرته على البلاد عسكريا وسياسيا واقتصاديا يتلهى «الزعيم»في مساجلة خصمه زجليا. والاستنتاج الحزين لامتهان الزجل السياسي اللبناني لا يتعدى كونه كرسي بعبدا لزعماء الموارنة، ولهذا الهدف كل الوسائل متاحة، من مهاجمة الخصم إلى التودد لحزب وضعته ألمانيا مؤخراً على لائحة الإرهاب. 
أما بالنسبة للزعماء السنة، فالهدف رئاسة الحكومة ولو تطلب الأمر اجتماعات يومية مع المعاون السياسي لحزب بين أعضائه متهمون باغتيال رفيق الحريري.
والأعذار عند طبقة «المافيوقراطيا»اللبنانية معدة سلف: لا يمكننا المواجهة.
الولايات المتحدة اتخذت قرارها: تجويع اللبنانيين حتى يثوروا على حزب الله.
والسياسيون في لبنان اتخذوا أيضا قرارهم: الحكم ولو على بعض من خراب.
وحزب الله أيضا اتخذ قراره، الدفاع عن وجوده حتى آخر لبناني.
وبين هذا وذاك ضاع البلد.