غياب الاستراتيجية... واستمرار الخداع الروسي في سوريا

* روسيا التي انتصرت عسكرياً أنهكها هذا الانتصار ماديًا واقتصاديًا، ولا أحد قادر أو مستعد لمساعدتها، فإيران تعاني من ضغط عقوبات هائل، ونظام الأسد منهك بعد تسع سنوات من الحرب على شعبه وفساد يأكل كل ما تنتجه البلاد، وعقوبات دولية وعربية، ناهيك بجائحة كورونا التي تسببت في أزمة على مستوى العالم

ازداد مؤخراً الحديث عن بدء الانسحاب الإيراني من سوريا، كما ازدادت التكهنات حول نية موسكو التخلي عن الأسد، بعدما ضاقت ذرعاً بفساد نظامه وتعنته ورفضه المشاركة الجدية بحل سياسي مع المعارضة.
حين قررت موسكو الدخول عسكريًا في سوريا، كان نظام الأسد على وشك الانهيار، وبدا أن الجيش السوري وقوات النظام والميليشيات الشيعية التابعة لإيران لم يعد بإمكانهم الصمود أمام المعارضة السورية المسلحة، أعلن حينها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن هذا التدخل سيكون لثلاثة أو أربعة أشهر فقط.
اليوم وبعد نحو أربعة أعوام ونصف العام على هذا التدخل العسكري، لا تزال روسيا موجودة عسكريا في سوريا، وصار لها قواعد دائمة وقوات سورية تابعة لقيادتها مباشرة.
حققت روسيا ومن خلفها قوات الأسد والميليشيات الإيرانية انتصارات عسكرية عدة، فاستعادت أغلب المناطق من أيدي المعارضة المسلحة، وما لم تحققه بالقتال المباشر، حققته من خلال اتفاقيات عقدتها مع كل من تركيا وإيران، من آستانة إلى سوتشي.
كان الحديث عن خفض التصعيد، بضمانة الدول الثلاث، لكن خفض التصعيد لم يحصل إلا بعد أن سيطرت روسيا على ما تريد للسيطرة عليه من مدن وقرى سورية تحت أعين الضامن التركي. 
لم يعد هناك من مناطق خارج اتفاق الدول الثلاث إلا مناطق نفوذ الولايات المتحدة وحلفائها من قوات سوريا الديمقراطية، أو المناطق الشرقية، فحتى إدلب، هي خارج سيطرة النظام جزئياً بموافقة روسية، ووفق اتفاق واضح بين روسيا وتركيا.
اليوم وبعد كل ما حققته روسيا من انتصارات عسكرية، يبدو أنها أدركت أنها عاجزة وحدها عن تحويله إلى انتصار سياسي؛ فموسكو لم تستطع إقناع المجتمع الدولي بضرورة البدء في عملية إعادة إعمار سوريا، ولا بجدوى المصالحات التي عقدتها مع بعض الفصائل المسلحة، حتى إنها لم تستطع (لو افترضنا أنها أرادت كما تدعي) حل الخلافات المتزايدة بين درعا والسويداء، جنوبي سوريا مثلاً، أي مناطق نفوذها المباشرة وغير المباشرة من خلال الفيلق الخامس الذي كان لها الدور الأساسي في تشكيله.
تحاول روسيا اليوم الإيحاء بأنها ممتعضة من بشار الأسد، وترسل رسائل بعدة اتجاهات أن أحد أسباب امتعاضها هو عرقلة النظام لعمل اللجنة الدستورية، فموسكو راغبة في حل سياسي ولكن النظام هو من عرقل ويعرقل.
ولو أردنا التمعن في حقيقة الموقف الروسي، فروسيا هي التي عرقلت أي إمكانية لحل سياسي في سوريا منذ الأشهر الأولى لانطلاق الثورة. وقد مارست ومعها الصين حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن 14 مرة لعرقلة صدور أي قرار ملزم بما يتعلق بالحل في القضية السورية، مما زاد من تعنت النظام وإصراره منذ اليوم الأول على الحل الأمني.
وحتى على الرغم من مشاركة روسيا في صياغة بيان جنيف، إلا أن وزير الخارجية الروسي لافروف، وفي المؤتمر الصحافي الذي عقده عقب صدور البيان، أعطى للبيان تفسيراً خاصاً أفرغه من مضمونه، ما تسبب بانشقاقات في صفوف المعارضة السياسية آنذاك بين مرحب بالبيان ورافض له، ما لم يتضح الموقف من الأسد بشكل جلي.
حاولت موسكو الإيحاء دوما بأنها ليست متمسكة بالأسد ولكنها تخشى انهيار الدولة السورية، ولكن عند كل مفصل جدي كانت تعرقل الوصول إلى أي اتفاق سياسي بسبب تمسكها بالأسد، ليتبين أنها كانت تناور. وبالحقيقة هذه ليست المرة الأولى التي يشن فيها الإعلام الروسي هجوما لاذعا على الأسد، بل لطالما تعمدت روسيا إظهار رأس النظام السوري كتابع لها وضعيف، وأنها هي من يتحكم به، وما الفيديوهات التي طالما سربوها للقاءات الأسد بمسؤولين روس ومنهم بوتين، إلا محاولات متكررة لإثبات أن الأسد تحت سيطرتهم بالكامل.
اليوم ومع واقع اقتصادي سيئ وواقع مالي يعاني من انهيار شبه كامل، ومع كلام أميركي واضح أن لا إعادة إعمار في سوريا قبل البدء بعملية سياسية جديرة بالثقة، مدعوم بموقف أوروبي وبعض الدول العربية، إضافة إلى كلام المبعوث الأميركي الخاص لسوريا جيمس جيفري مؤخراً، من أن على روسيا أن تفهم أنها لن تحصل على أي دعم من المجتمع الدولي طالما بقيت متمسكة ببشار الأسد، مشيرا في الوقت نفسه أن روسيا وإن كانت تبدي استياءها من الأسد، إلا أنها لا ترى بديلاً عنه. كل ذلك ونحن على بعد أسابيع قليلة من البدء في تطبيق قانون قيصر، مما يجعل الروسي يمكر بأسلوبه المعهود، ويناور ليقول ها نحن مستعدون للحل السياسي، دون أن يعلن صراحة ماهية الحل، ودون أن يذكر مصير ترشح بشار في الانتخابات الرئاسية في سوريا المقبلة، النقطة التي طالما كانت سببا في عرقلة المفاوضات.
روسيا التي انتصرت عسكريا أنهكها هذا الانتصار ماديًا واقتصاديًا، ولا أحد قادر أو مستعد لمساعدتها، فإيران تعاني من ضغط عقوبات هائل، ونظام الأسد منهك بعد تسع سنوات حرب على شعبه وفساد يأكل كل ما تنتجه البلاد، وعقوبات دولية وعربية، ناهيك عن جائحة كورونا التي تسببت في أزمة على مستوى العالم.
لذلك تسعى اليوم لإعادة طرح فكرة أنها غير متمسكة بالأسد، وتسابق الزمن قبل قيصر علها تؤجل العقوبات، وتناور بالإيحاء بأن إمكانية الوصول إلى حل سياسي اليوم باتت أكبر، وأنها ما زالت ملتزمة بإخراج القوات الإيرانية من سوريا. وكأن النظام الإيراني ينتظر من يطالبه بالخروج ليخرج، أو كأن إيران تخلت عن مشروعها التوسعي بسبب الضربات الإسرائيلية لها في سوريا أو بسبب اغتيال قاسم سليماني، وكأن أحدا لا يعلم كم ميليشيا تابعة لإيران صارت في سوريا، وكيف أنها لا تنسحب من مكان إلا لتتسلم أو تنتقل إلى مكان آخر وتمركز جديد.
في الواقع، لا إيران ستتخلى عن مشروعها التوسعي دون اتفاق واضح بينها وبين الإدارة الأميركية يحدد حدود هذا المشروع، ولا روسيا تملك استراتيجية لـ(ما بعد الانتصار العسكري). وبين الاثنين ومع غياب أي نية دولية منذ تسعة أعوام لوقف النزيف السوري، دفع السوريون مئات الآلاف من الشهداء وملايين المهجرين ودمار فاق ما تسببت به الحرب العالمية الثانية.